“قضية مديحة خير” وسقوط التعيينات العشوائية
عبد الرحيم التوراني
لم أتردد لحظة واحدة وأنا أتابع السجال المتصاعد والتداعيات المتلاحقة لما بات يعرف بـ “قضية مديحة خير”، وما انجلت عنه من وثائق دامغة ومعطيات صادمة، في الإدلاء بدلوي عبر تدوينة فيسبوكية مركزة وواضحة المعالم. تدوينة أطرت فيها مسألة المسؤولية العمومية بوصفها عقدا اجتماعيا وأخلاقيا، إذ أن تقلد التكليف العمومي ينقل الفرد فجأة وتلقائيا من رحاب الحياة الخاصة المحمية بأسوار الخصوصية والسرية، ليضعه مباشرة في قلب مربع الشخصية العمومية. في هذا المربع المكشوف للعيان لا يعود الماضي ولا الحاضر ملكا لصاحبه، بل يصبحان محط اهتمام مشروع ورصد متواصل من قبل الرأي العام والمؤسسات الرقابية، شريطة الالتزام التام والمطلق باللياقة الأدبية والضوابط الأخلاقية والمحددات القانونية.
وأردفت موضحا في حينها أن أبعاد هذا الملف تكتسي خطورة بالغة وأهمية استثنائية غير مسبوقة، بالنظر إلى المعطيات المتواترة التي ترجّح بوضوح استخدام تلك الوثيقة المثيرة للجدل في سياق مسطرة قضائية، بغرض الدرء أو التخفيف من عقوبة سالبة للحرية. وهو الأمر الذي يخرج المسألة برمتها من دائرة التفصيل الصحي الفردي أو العارض الإنساني البسيط، ليزحزحها نحو سؤال جوهري يمس في الصميم الأهلية والنزاهة، ويضرب في مقتل مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة والربط الدستوري بين المسؤولية والمحاسبة، وهي المبادئ الواجب توفرها بلا هوادة في شغل الوظائف العليا للدولة ومناصب القرار السياسي.
ما أن انغمس الفضاء الرقمي في تفكيك عناصر القضية، حتى تشظت الردود وتطاحنت المواقف بين موافق ومساند لضرورة التطهير الأخلاقي، وأطراف أخرى استماتت في الدفاع عن المعنية بالأمر. ولم تتوان هذه الأطراف عن إقحام ورقة النوع الاجتماعي والتباكي المظلومي، للإيحاء بأنها تستهدف لمجرد كونها امرأة، في محاولة بائسة ومكشوفة للالتفاف على جوهر الملف الأخلاقي والحقوقي، وتعييم النقاش عبر جره نحو متاهات التبرير العاطفي والتجييش الشعائري.
في أوج هذا المخاض النقدي العارم، تلقيت مكالمة هاتفية حول الموضوع من صديق متابع للشأن العام، بادرني بسؤال مباشر ومستفسر عن تقديري للموقف، وما يمكن أن يتأتى أو ينتظر من السلطات العليا إزاء هبة هذه العاصفة؟ وقبل أن أستجمع كلماتي الأولى لأصوغ له إجابتي، بادر هو بنبرة جازمة وأجاب نيابة عني قائلا: “إن القرار الصائب والحتمي الذي لا مناص منه هو إعفاء مديحة خير”.
لم تتدحرج عقارب الساعة سوى ساعات معدودة عقب تلك المكالمة، حتى وردني عبر تطبيق “الواتساب” نص بلاغ مقتضب لكنه مشحون بدلالات أعمق وأقوى، يحمل توقيع الديوان الملكي، يعلن رسميا إعفاء الوزيرة المعنية بعد نحو 48 ساعة فقط من تنصيبها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني. لقد جاء القرار صارما وحاسما وسريعا، ليعكس بوضوح المنتظر من نبض مؤسسات الدولة العليا حرصا على طهارة الوظيف العمومي، وقطعا لدابر أي تساهل أو محاباة مع الشبهات التي تحوم حول شرطي النزاهة والأهلية.
من طبيعتي الشخصية وكما التزمت بذلك عادة في المساجلات الفكرية، ألا أحاجج أحدا بنبرة المنتصر على من خالفونني الرأي أو تهاوت أطروحاتهم أمام صخرة الواقع الصلبة. غير أني عدت بدافع الفضول التحليلي، لأتأمل مليا بعض التعليقات والتدوينات السابقة التي لم تكتف بالدفاع الأعمى والاندفاعي عن الوزيرة المعفاة، بل تجاوزت ذلك لتوجيه اتهامات متفرقة وتشكيكية لكل صوت حر تجرأ على المطالبة بإقالتها بالنظر إلى خطورة ملفها الموثق.
في خضم هذه التفاعلات تصاعدت أسئلة استنكارية ومشروعة لدى الرأي العام حول الجهة التي يتحتم عليها تحمل الفاتورة السياسية لهذا الخطأ الجسيم، إذ اتجهت سهام النقد والأغلبية المطلقة لتحميل المسؤولية السياسية للأمين العام لحزب الاستقلال نزار البركة، باعتباره من اقترح اسم المعنية للاستوزار ودفع بها إلى واجهة الجهاز التنفيذي دون أدنى تمحيص كاف أو تدقيق عميق في سبر أغوار السيرة الذاتية والشبهات القضائية. وفي السياق ذاته استبدت الحيرة بالشارع وهو يتساءل عن النجاعة والجهد المفترض للأجهزة الاستخباراتية والرقابية، وعن جهات الظل التي ساندت هذا الصعود السريع وعبدت للطاقات غير المؤهلة طريق الوصول إلى كراسي الحكومة.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاما وإقلاقا: هل مديحة خير هي الفلتة الفردية والاستثناء الوحيد، أم أن في الكواليس وزراء متوارين آخرين؟
التواري والاختفاء هنا لا يعطيان معنى الغياب عن المشهد الإعلامي، بل يعنيان تعمد إخفاء مصائب وملفات سوداء وممارسات ريعية لم تسقط بعد في يد الصحافة ولم تتلقفها منصات الرأي العام، أو ربما انجلت منها فقط أجزاء يسيرة. ألا ينطبق هذا الاستفهام المقلق أيضا على وزير ووزيرة ينتميان إلى حزب الكاتب الأول إدريس لشكر؟ وهما اللذان سجلا عقابا جماهيريا وسقوطا مدويا في صناديق الاقتراع بتحقيقهما أرقاما هزيلة في ذيل القوائم بدائرتيهما الانتخابيتين، ومع ذلك جرت مكافأتهما بكرسي الاستوزار، على الرغم من أن السجل الشخصي لكل منهما، وفق ما يتداول على الألسنة والأخبار، يحفل بملفات وممارسات لا تليق البتة بمن يفترض فيهم تمثيل الأمة وأن يكونوا نماذج يحتذى بها في نزاهة السلوك والقدوة الاجتماعية؟
إننا بصدد انطلاقة شائبة وبداية سيئة للحكومة التي تترأسها أول سيدة في تاريخ المغرب، فهل ستكون هذه الكبوة مجرد مقدمة لعثرات أخرى أشد خطورة في قادم الأيام؟ سيما أن المسار الحكومي لن يكون سالكا أو مفروشا بالورود، بل إن دروبه محفوفة بألغام سياسية واقتصادية غير متوقعة.
إن المحطة الأساسية والأجدر بالتسجيل في تفاصيل هذه الواقعة، ألا نغفل أبدا الدور المحوري الحاسم والطلائعي الذي اضطلع به الرأي العام. لقد بدأنا نلمس بوضوح ولادة رأي عام مغربي حقيقي واِع ومقتدر، أضحى يفرض أجندته بكل قوة ويحقق أدوارا رقابية ملموسة. هذا الرأي العام وإن كان كامنا وموجودا باستمرار، لم يكن ليعرف هذا التحول الجذري والقدرة التغييرية الفائقة لولا التدفق السلس عبر فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
فبفضل هذه الشبكات وحسابات اليقظة والجاهزية التواصلية، تابعنا جميعا كيف أسقط متحايلون ومستحوذون على الفرص والمناصب في ظرف قياسي لم يتجاوز 24 ساعة، بعدما عين أحد الحاملين للواء الصهينة في مسؤولية بارزة بأحد أعرق الأندية الرياضية الوطنية. ثم تلتها متابعة نفاذ الفضح الرقمي وهو يسقط متلونا قزحيا متصهينا آخر أريد فرضه على رأس مركب ثقافي تابع لوزارة الشؤون الثقافية، لولا صيحات الاستنكار الرقمية التي عجلت بسحب التعيين والتراجع الفوري عن القرار.
هل يسوغ لنا القول بثقة إننا نعيش إرهاصات ميلاد مشهد مجتمعي جديد؟ مشهد تتلاقى فيه صرامة المؤسسات العليا والدستورية مع يقظة الضمير الرقمي للجماهير، لتشكيل حصن مقتدر يحمي الوظيفة العمومية من الاختراق، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن زمن الإفلات من المتابعة الشعبية والمحاسبة الأخلاقية قد ولى.. وإلى غير رجعة.
