مسارهم ومصيرنا!!

مسارهم ومصيرنا!!

عز الدين العلام

خلال تدريسي بالجامعة المغربية، تكلّفت في إحدى السنوات بتدريس مادة تحت عنوان “تاريخ الفكر السياسي الحديث”. وكأيّ مُدرّس مواظب، عُدت مرّة ثانية لعدد من المصادر والمراجع التي تؤرّخ لهذا الفكر، بدءا من “ماكيافلي” إلى غاية “كارل ماركس”. وأنا أدوّن استشهاداتي، وأسجّل ملاحظاتي، لا أدري كيف كنت، بين حين وآخر، ربّما بحكم اهتمامي بالتراث السياسي المغربي، أستحضر بعض المفكرين المغاربة الذين تزامنت كتاباتهم مع الفترة التاريخية التي كان فيها مفكّرو أوروبا يقعّدون أسس الفكر السياسي الحديث. وإليكم بعض ما لاحظته: 

    حينما كان “ماكيافلي” يكتب “الأمير” فاتحا الطريق لتأسيس نظرية الدولة الحديثة، كان فقيهنا ابن الأزرق، يجمع في كتابه “بدائع السّلك في طبائع المُلك” كلّ موروث الاستبداد السلطاني. وبينما كانت حركات الإصلاح الديني بريادة كلّ من “لوثر” و”كالفن” تشرّع للفرق الجدري بين الإيمان والقانون، كان فقيهنا محمد بن عبد الكريم المغيلي يؤلّف كتابا بعنوان “ما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار”، كلّه سبّ وقّذف فيمن خالفه الديانة، وتذكير بما يجب على “أهل الذمّة من الجزية والصغار، وتنبيه إلى ضرورة منعهم من إحداث الكنائس…”.    

 وفي الوقت الذي كان “جون بودان” ينظّر ل”سيادة” الدولة الحديثة، ويكتب عن التسامح الديني، كان المغرب منشغلا برجل يُدعى ابن أبي محلي، دوّن تُحفا نادرة بعناوين مرعبة من قبيل “إصليت الخريت في قطع بلعوم العفريت النفريت”، و”سمّ ساعة في تقطيع أمعاء مفارق الجماعة”…     

وحين كان الفيلسوف الشهير “اسبينوزا” يؤلّف كتابه الأثير “رسالة اللاهوت والسياسة”، مسائلا النصوص الدينية، منتقدا للمعجزات، ومحلّلا للنبوة، وكان المفكّر “جون لوك” يضع أساس الدولة الحديثة كتعاقد اجتماعي يحفظ الحقوق المدنية، كان المغرب يعيش على إيقاع أزمة استعمال التبغ، ممّا اضطرّت معه الدولة إلى استصدار فتاوى شغلت فقهاء المغرب الذين ألّفوا في الموضوع ما يربو على الثلاثين كتابا، لعلّ أشهرها “نصيحة الإخوان في اجتناب الدخان” لصاحبه ابراهيم اللقائي. 

     وبينما كان مفكّرو “الأنوار”، من “ديدرو” إلى “فولتير”، مرورا ب “دالامبير” و”هلفسيوس” و “دولباخ”، يدافعون عن العقل، مؤمنين بالإنسان ومطالبين بالإصلاح … ظلّ فقهائنا يجرّون من ورائهم سيلا، بل أسمالا من الاستشهادات والعنعنات التي لا تُسمن التاريخ ولا تُغنيه.     وحين كان الفيلسوف الشهير “فريدريك هيغل” (وما أدراك ما هيغل) ينهي محاضراته في “فلسفة التاريخ” ويضع اللمسات الأخيرة لكتابه “فينومينولوجيا الروح”، كان مؤرّخنا أبو القاسم الزياني يتحدّث في “الترجمانة الكبرى” عن “جزيرة القرود” التي أنعم الله عليها بقرد عادل يحكمها، فعمّ الخير والأمان. وطبعا فيما عدا تطابق سنة وفاة “هيغل” والزياني (1830)، لا شيء يجمعهما غير الخير والإحسان.     

وبينما كانت أوروبا تشهد انتفاضات اجتماعية وسياسية متتالية، بدءا من ألمانيا 1830 إلى كومونة باريس 1871، مرورا بما عرفته عامّة أوروبا سنة 1848، وفي هذه الفترة التي عرفت فيها الحركات النقابية والاشتراكية والفوضوية انتشارا متزايدا نتيجة احتداد الصراعات الطبقية، وما صاحبها من انتشار الفكر الاشتراكي بفضل مفكرين أمثال “ماركس” و”برودون” و”باكونين”… كان المغرب لا يزال يعيش على إيقاع الفقيه أكنسوس، متحدّثا عن الطاعة الواجبة لأولي الأمر، والناصري، وهو ينتقد إلى حدّ الشتم في “استقصائه” الحرية التي أحدثها الإفرنج معتبرا إياها زندقة…    

  ومع بداية القرن العشرين، وفي الوقت الذي كانت أوروبا تسارع الخطى نحو التقدّم الاقتصادي والتقني والاكتشافات العلمية، كان المغرب يتساءل مشدوها فيما إذا كان العمل بخبر التلغراف جائزا في الأمور الدينية، ممّا اضطرّ معه فقيهنا ابن عبد السلام الطاهري إلى تأليف نصّ مطوّل بعنوان “كمال الاعتراف بالعمل بالتلغراف”. كما كان النقاش حارّا حول ما إذا كانت “الأوطمبيل”، وما شاكلها من السيارات الحادثة، هي الدابّة المنتظرة التي جاء بها الذكر الحكيم في قوله تعالى “وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابّة من الأرض تكلمهم”، ممّا اضطر معه الفقيه ابن أحمد العلوي إلى تحرير فتواه حول خروج الدابّة.      يجد المرء نفسه حائرا وهو يستقرئ مثل هذه المعطيات، وغيرها كثير. هل نحمد الله ونشكره على وصول بعض شظايا “الغرب” من شمال البحر المتوسط إلى جنوبه، ممّا ساعدنا على مساءلة يقيننا والاستفاقة من سباتنا؟ وهل نحمد الله ونشكره على ما حقّقه المغرب في هذه السنين الأخيرة، بما لها وما عليها، علما أن لا شيء في ماضيه يمكن الاستناد عليه للسير إلى الأمام؟

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عز الدين العلام

باحث وأكاديمي مغربي