ثروة لبنان المائية في تقارير المنظمات الدولية

ثروة لبنان المائية في تقارير المنظمات الدولية

د. سمير زعاطيطي

لفتني في التقرير السنوي الصادر عن منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة ـــ عن المياه الجوفية، من جهة الشكل في الصفحة الأولى للتقرير الصورة والعنوان  فالصورة الفنية لا تعني أي شيء علمي  أو حقيقي.

أما في العنوان: المياه الجوفية؟

أما في المضمون، فنحن كهيدروجيولوجيون عاملون على إستثمار المياه الجوفية على الأرض نتكلم عن مخازن صخرية حاوية للمياه الجوفية ولا نتحدث عن مياه جوفية أو سطحية فقط (طبيعة المياه السائلة بحد ذاتها).

دراسة المخازن الصخرية للمياه الجوفية مثلا في لبنان من قبل علماء الأمم المتحدة للتنمية أفضت الى معلومات وتوصيات ظهرت بتقرير عرف بالتقرير الأزرق عنوانه ” لبنان المياه الجوفية ” Liban eaux souterraines” صدر بنيويورك عام ١٩٧٠ تضمن هذا التقرير المعطيات الأساسية التالية:

1ـــ معدل المتساقطات (أمطار وثلوج) على جزء من الأرض اللبنانية (الدراسات طالت ١٠٢٠٠ كيلو متر مربع فقط) هي ١٠ مليار متر مكعب/سنة.

٢ــــ المياه السطحية ينابيع وأنهار يبلغ معدلها حوالي ١.٣ مليار متر مكعب/ سنة.

٣ـــ في النتائج لبنان بلد المياه بالشرق الأوسط، هذا يعني أيضا أن بلدان الجوار سوريا فلسطين هي فقيرة أو قليلة المياه.

4 ـــ معظم ثروتنا المائية بلبنان موجودة داخل مخازن صخرية كربوناتية قاسية مشققة تذوب بمياه الأمطار تسمى علميا بالمخازن الكارستية، تشكل عذه الصخور  سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية والمرتفعات النافرة في البقاع الغربي وجبل عامل في الجنوب اللبناني.

٥ ــــ هذه المرتفعات الجبلية هي مخازن حقيقية للمياه تغذي ١٤ نهرا ساحليا من الشمال الى الجنوب وثلاث أنهر داخلية هي العاصي شمالا الليطاني وسطا وجنوبا والحاصباني/ الوزاني في أقصى الجنوب.

٦ ــــ حجم المياه الجوفية المتسربة عبر سطح الأرض اللبنانية الذي تم تقسيمه الى ٢٨ حوضا بلغ ما معدله ٣ مليار متر مكعب/ سنة.

وللأسف منذ السبعينات وحتى الٱن لم تهتم الإدارة اللبنانية بهذه الثروة المائية المميزة في بلد جبلي صغير تمتد جباله بمحاذاة الحافة الشرقية للمتوسط، والدليل أن الأبحاث العلمية عن الثروة المائية توقفت تماما وأن التلوث بمياه الصرف الصحي والنفايات من كل نوع أصابت طال مصادر المياه السطحية ينابيع وأنهار والمثل الواضح الفاضح هو الليطاني وبركة القرعون ذات المياه القاتلة حسب تعبير الزميل د. كمال سليم المتابع منذ ٢٥ سنة لجريمة تلويث الليطاني/ القرعون.

أما بعد الحرب بقي الإهمال للثروة المائية على حاله، وكانت وزارة الموارد المائية والكهربائية هي حصة تداولتها الأطراف السياسية وإقتصر عملها على إنشاء  العديد من شبكات وخزانات  مياه في القرى دون تأمين مصادر مياه حقيقية،  والدليل وجود عدة شبكات وخزانات مياه جافة وجدناها مثلا في عدة قرى في الجنوب اللبناني فقرية رميش الجنوبية الحدودية فيها بالتحديد ٣ شبكات  وخزانين كلها جافة.

وإستحدثت شركة مياه العدو الصهيوني فيها أيام الإحتلال شبكة رابعة لبيع المياه للمواطنين ب٣ دولار للمتر المكعب كما إكتشفنا ذلك أيام عملنا مع مجلس الجنوب (حفر الٱبار داخل الشريط من سنة ١٩٩٤ الى ١٩٩8).

والطامة الكبرى أتت بعد التحرير حيث لم يسمح العدو الصهيوني لمشروع مجلس الجنوب بتزويد محيط الوزاني وبلدة الخيام بالتحديد وسهل سرده إلا بكميات ضئيلة جدا من مياه نبع الوزاني، أتى الأمر بعد مفاوضات وبوساطة من قوات الطواريء، حتى الكمية المسموحة من مياه الوزاني لم يتم أخذها لإنقطاع الكهرباء الدائم وإقتصار عمليات الضخ على بضع ساعات يوميا  هي غير كافية لسد الحاجات.

 أما الجريمة الكبرى بحق الشعب وثروته المائية وبيئة لبنان حلت بإستلام التيار الوطني الحر وزارة الطاقة وإعتماد سياسة مائية معاكسة تماما لكل التوصيات العلمية، بحيث منعت حفر الٱبار على طول وعرض الأرض اللبنانية تاركة المياه الجوفية تنساب من جبالنا العالية الى الجليل الفلسطيني، ونحو البحر دون السماح  للبنانيين بإستثمار مياههم الجوفية.

واليوم تطل المنظمات الدولية على بلدنا بمشاريع غير مدروسة علميا هي أشبه بتنفيعات ورشاوى للقوى السياسية الموجودة، نذكر منها تشجيع البنك الدولي لبناء السدود لاسيما في بسري، ترويجه هو وأزلامه من البيئيين والإعلاميين لشعارات كاذبة عن التغير المناخي، التصحر، الشحائح، تراجع المتساقطات في لبنان لتبرير دعمه لإستثمار المياه السطحية الملوثة بعيدا عن مكامن الثروة المائية الحقيقية.

Visited 2 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. سمير زعاطيطي

باحث هيدرولوجي لبناني