تراجع حركة النشر في المغرب

تراجع حركة النشر في المغرب

أفق يكتبه : صدوق نورالدين

     يمكن القول بأن من القضايا التي لم يتم التطرق إليها في سياق تنظيم دورة الاستثناء للمعرض الدولي للكتاب بالرباط، قضية النشر في المغرب. إذ اتضح من خلال معروضات الدور المغربية تراجع كبير على مستوى الإصدارات. ويحق الاعتراف بأن مظاهر التراجع تبدت أساسا منذ (2019)، وبالأخص بالنسبة للدور الفاعلة بالحضور والموجودة أصلا بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، ونمثل ب “دار الثقافة” (الشركة الجديدة)، “المركز الثقافي العربي”(الدار البيضاء/ بيروت) و “دار توبقال”.

ف”دار الثقافة” تعد من أقدم الدور المغربية الموجودة بحي الأحباس، إذ تأسست نهاية الأربعينيات وأشرف على إدارتها كل من الشريف القادري الحسني وعبد الحفيظ الكتاني. وتولت مهمة النشر لكبار الكتاب والمفكرين والأدباء. إذ نشرت كتاب “العصبية والدولة” لمحمد عابد الجابري، وكتاب “الخطاب التاريخي” لعلي أومليل و”سيمياء الشعر القديم” لمحمد مفتاح، مثلما نشرت الكتب اللغوية والنحوية لتمام حسان(مصر) والأدبية لمحمد البهبيتي(مصر)، وهي مؤلفات ما تزال معتمدة جامعيا إلى اليوم. ولعل ما يمكن إضافته استحداثها لسلسلة أدبية وسمت بـ “سلسلة الدراسات النقدية”، وقام بالنشر فيها من النقاد والكتاب سعيد يقطين، محمد العمري، عبد الكريم برشيد وكاتب هذه السطور.

إلا أن العوامل التي واجهت الدار وحالت دون الاستمرار في وتيرة النشر ذاتها، بالإضافة لمنافسة دور جديدة، الافتقاد لخطة في النشر محكمة، إلى غياب لجنة للقراءة والتحرير، مما جعل الدار تركز على جانبين: تجاري يتمثل في استيراد الكتاب من مصر وبيروت وتونس، إلى الاعتماد على طبع ونشر الكتاب المدرسي الذي حققت من خلاله الدار موارد مالية لا يستهان بها.

بيد أن تأسيس المركز الثقافي العربي على يد نزار فاضل القادم من لبنان، كمكتبة أولا في (1958)، ثم كدار للنشر في مرحلة لاحقة (1978)، دفع إلى ربط الجسور بين المغرب والمشرق. إذ تمكن القارئ المغربي مبكرا من التعرف على ثمرات المطابع وبخاصة القادمة من لبنان، والتي أسهمت فيها دور تمتلك قوة حضورها، وثانية آلت بعد زمن إلى الانطفاء. نذكر “دار الآداب”، “المؤسسة العربية للدراسات  والنشر” و”مؤسسة الأبحاث العربية” و”دار الحداثة” و”الفارابي”. ذلك أن الكتاب اللبناني كان يسوق تجاريا في ظرف شهر إلى شهرين على ظهوره في لبنان.

وتعززت هذه النهضة الفكرية والأدبية، بالتحول إلى التعريف بالفكر والأدب المغربيين. وهو الدور المميز موضوعيا لمؤسسة المركز الثقافي العربي. وفي هذا الجانب عرفت الدار بطبع مؤلفات المفكرين: عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمن، سعيد بنسعيد العلوي، عبد السلام بعبد العالي، عبد الفتاح كيليطو، سعيد يقطين وسعيد بنكراد. وجاءت فكرة النشر مشتركة و “دار التنوير” في بداياتها، ثم “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، ليستقل المركز لاحقا بعملية النشر. وظلت الدار محافظة على إيقاعين: إيقاع مراقبة السوق تجاريا وإيقاع النشر للأسماء الوازنة.

إلا أن المشاكل الشخصية والعائلية إلى قطع العلاقات التجارية مع العديد من الدور اللبنانية، جعل الدار تؤول إلى التفكك والتقسيم، حيث غادرها مسؤول فرع بيروت حسن ياغي وأسس تجربته الخاصة من خلال “دار التنوير”، التي كانت في ملكية الراحل الزنابيلي، وأصبحت حاضرة بفروعها في ثلاث عواصم عربية: مصر، تونس وبيروت. و أما المدير العام للمركز في المغرب بسام كردي فأسس “المركز الثقافي للكتاب” بالدار البيضاء.

على أن موت المؤسسين للدارين معا: “دار الثقافة” و”المركز الثقافي العربي”، جعل الورثة يتهافتون على الماديات ويروجون _ أساسا _ كتب التنمية الذاتية، إذ وفي كل دورة من دورات المعارض الدولية للكتاب، يكتفون بعرض ما أقدموا على إصداره منذ سنوات، إلى ترجمات لأسماء مغمورة يقدم عليها “المركز الثقافي العربي”، وهو ما يحول دون الانخراط في منافسة دور كبرى وقوية كـ “دار المدى”، “دار الجمل”، “دار الآداب” و”التنوير”.

وبرزت دار توبقال للوجود أواسط الثمانينيات (1985)، حيث أسسها كل من الشاعر محمد بنيس والجامعي عبد الجليل ناظم و محمد الديوري، دون الغفل عن المساندة التي تلقتها من كتاب وأدباء جامعيين. وتوزعت إصداراتها بين المعارف التالية: المعرفة التاريخية، الفلسفية، الأدبية والاجتماعية. وبالفعل جمعت دار توبقال في إصداراتها بين الكتاب المغربي والعربي. إذ نجد من بين الكتاب المغاربة الذين نشرت لهم: محمد المنوني، عبد القادر الفاسي الفهري، محمد سبيلا، محمد مفتاح، عبدالسلام بنعبد العالي، سالم يفوت، عبد الفتاح كيليطو، أحمد بوزفور، عبد الكريم غلاب، ربيعة ريحان وغيرهم. وأما عربيا فأقدمت على النشر لأسماء وازنة وقوية: أدونيس، محمود درويش، حليم بركات، هشام شرابي، سركون بولص، سليم بركات ويمنى العيد. وانفتحت الدار على السواء على كتاب من المغرب العربي (تونس خاصة)، فنشرت لشكري المبخوت و الحبيب السالمي وحسونة المصباحي. ومن ضمن ما جاء في ديباجة للدار صيغت منذ سنتين ونشرت على موقع الدار: “بلغت دار توبقال للنشر مع 2020، سنتها الخامسة والثلاثين. في بداية 1985 كانت الخطوة الأولى لإنشاء الدار. وكان إصدار اللائحة الأولى من كتبها في 5 نوفمبر من السنة ذاتها.

انطلق المشروع من رؤية واضحة. فنحن نريد أن نعطي المغرب دارا للنشر تستجيب للتحديث الثقافي”.

ويحق القول بأن ما دعي بالتحديث تجسد في المادة المنشورة، كما في الشكل الذي جاء عليه الكتاب إخراجا وتبويبا. إلى حصيلة الكتب المترجمة القوية والدالة، والتي وسعت الأفق العربي على ينابيع الفكر العالمي.

على أن من المفارقات التي عشتها في إحدى دورات المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، كون الدار احتفت مرة بصدور كتابها المئة، فما كان من أحد الناشرين اللبنانيين إلا أن علق بالقول: إن مئة عنوان نصدرها _ نحن اللبنانيين _ في شهر أو شهرين.

والملاحظ أنه وبالرغم من هذه التحققات، فالدار لم تعد تصدر كتابا واحدا، بل إنها في الأونة الأخيرة اعتاشت على دعم وزارة الثقافة للكتاب، حيث نشرت الأعمال الكاملة لعبد الفتاح كيليطو وعبد السلام بنعبد العالي، وهي اليوم معروضة للبيع، إذ يتوقع _ حسب المتداول _ أن تتم عملية شرائها من طرف “دار الرافدين” (العراق) و”المركز الثقافي للكتاب” أو “دار الأمان” (الرباط).

ونجد من الدور الموجودة بالدار البيضاء، والتي تصدر باحتشام كتابا أو كتابين في السنة كدلالة على استمرارها، “دار الفنك” لصاحبتها ليلى الشاوني (أسست في 1987). إذ أصدرت بين أواخر(2021) و(2022) ثلاثة كتب : كتابان لعبد القادر الشاوي: “التيهاء” و “مديح التعازي”، وترجمة لكتاب الراحلة فاطمة المرنيسي “الحريم السياسي” (النبي والنساء)، وكانت إحدى ترجماته ظهرت في سوريا وأنجرها عبد الهادي عباس.

إن تفادي التراجع الذي بات يسم حركية النشر بالدار البيضاء تحديدا، يستلزم:

1/ اعتماد خطة للنشر تساير وتواكب مستجدات عالم النشر مغربيا وعربيا.

2/ ضرورة توفير الموارد البشرية المساعدة، والتي تعد الهيكل الأساس لأي دار. كمثال لجان القراءة  والتحرير.

3 / أهمية اختيار المادة الصالحة للنشر موضوعا و ترجمة.

4/ مراعاة حقوق المؤلف والمترجم. فلا يعقل أن تكافئ إحدى الدور مترجميها بمبالغ ثابتة تتراوح بين: 500 دولار و 1000 دولار عن الترجمة ومهما بلغت صفحات الكتاب.

5 / الإسهام في الدعاية والترويج للكتاب بتخصيص نسخ وافية للدعاية.

وإذا كان التراجع _ كما سلف _ طبع حركية النشر بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، فإن ما يمكن ملاحظته راهنا، ظهور دور نشر مغربية جديدة في شمال المغرب، وبالأخص في مدينتي طنجة وتطوان. ففي طنجة استطلعت ثلاثة دور صغيرة في مدة زمنية وجيزة فرض حضورها بمراكمة إصدارات مختلفة في الأدب والتاريخ والفلسفة وباللغتين العربية والفرنسية. ونقصد بالضبط: “دار سليكي إخوان” و “دار فاصلة” و “دار أكورا”. هذه الأخيرة خلقت الحدث في المعرض الدولي الأخير بالرباط وذلك بعرضها لكتاب “مذكرات مثلية” لفاطمة الزهراء أمزكار. وهو الكتاب الذي منع توقيعه في المعرض فقط من طرف وزارة الثقافة المغربية. وأما في تطوان، فنجد مؤسسة “بيت الحكمة”، وهي دار رسخت حضورها في مجال النشر  والتوزيع، مما أهلها للمشاركة في دورات المعارض العربية.

ويرى بعض المتتبعين بأن الشمال سيلعب مستقبلا دورا بارزا على مستوى النشر طبعا وتداولا. إذ لم تعد الحكاية تتلخص في أن من يريد طبع كتاب عليه الانتقال من طنجة أو تطوان إلى الدار البيضاء، وهي وضعية الروائي والقاص الراحل محمد شكري مع كتابه “الخبز الحافي”، و إنما على كاتب الدار البيضاء التوجه عبر قطار البراق السريع إلى طنجة لضمان صدور كتابه أو مؤلفه.  

Visited 14 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي