تقاطع الأزمنة كلها

تقاطع الأزمنة كلها

  روجير بول دروا  

ترجمة و تقديم : منال جدير

تستيقظ صباحا. تلقي نظرة سريعة خاطفة على ساعة هاتفك. تسابق الزمن للوصول إلى عملك. تصل على عجلة من أمرك، تشتغل لبضع سُويعات إلى أن تشير الساعة إلى وقت الغذاء. تتناوله  ثم تعاود الاشتغال لسويعات أخرى. تغادر عملك متجها إلى منزلك. وتشير الساعة إلى وقت النوم، فتنام. وقبل أن تنام تلجأ إلى المنبه لتقوم بضبط ساعة الاستيقاظ على هاتفك.

وما بين المهد واللحد، وما بين فتح العينين وإغلاقهما، يمر شريط الزمن والحياة بسرعة.

ما خلده الزمن ومفهومه للراحة في زمن معين، انقض عليه الفلاسفة، والمفكرون والمبدعون وقتلوه فهما وتأويلا. وبدا أنهم ما تركوا لمن سيجيء بعدهم فسحة للقول. لكن الزمن يظل يتحدى الناس،  وكيف يستوعبونه، ليفاجئهم في كل وقت وحين، في كل زمن بمفهوم آخر، جديد ومتجدد للزمن. أي مسافة تفصل بين قول هيغل إن الزمان (كالمكان) مقولة سابقة على وجود الإنسان، وقول إينشتاين إن الزمان (ككل شيء آخر) نسبي؟ وأي مسافة تفصل بين الزمن المادي، والآخر النفسي؟ فما مفهوم الزمن؟ وماذا قيل في الأزمنة بصيغة الجمع؟ وما علاقتها بالإبداع؟
النص أسفله، ترجمة لمقال الصحافي الفرنسي روجير بول دروا
(Roger-Pol Droit) ، حدثنا من خلاله عن مؤلف دانيال سيبوني الصادر حديثا.

Roger-Pol Droit
Roger-Pol Droit

وينتمي دانيال سيبوني إلى النخبة المغربية اليهودية التي أبلت البلاء الحسن في مجالي الأدب والفكر المغربيين؛ فهو كاتب، وهو مفكر ومحلل نفساني معاصر من تلامذة لاكان المقربين، وأستاذ متخصص في مجال الرياضيات كذلك. كتب في علم النفس والتاريخ وتاريخ الديانات والفلسفة وغامر في كتابة الرواية…

ولد دانيال في مدينة مراكش الحمراء، ثم هاجرت عائلته إلى فرنسا حيث درس الرياضيات أكثر من أربعة عقود بإحدى الجامعات الباريسية.

           النص المترجم:        

الأزمنة لا وجود لها. إذ تشكل جمعا متنوعا غير متجانس، أو أنها تبدو كذلك على الأقل للوهلة الأولى. فالكل على علم، دون الرغبة في التفكير في الأمر كثيرا، باختلاف زمن ساعات الحائط وذاك الزمن الذي نختبره. يسبر الفيزيائيون والرياضيون والعلماء أغوار سلسلة من الأوقات القابلة للحساب. في حين يصقل الفنانون والموسيقيون والرسامون والشعراء سلسلة أخرى منها. ويحظى المسافرون والمديرون والمحاسبون بأصناف أخرى من الأوقات. لا زمن المؤرخين هو زمن الفلاسفة. ولا زمن الفلاسفة هو زمن المحللين النفسيين. ناهيكم عن أزمنة الأساطير والأديان والسياسات…

ولعل هذا السبب هو الذي جعل المقالات اللامتناهية التي تخص الزمن منفصلة عن بعضها البعض. في نهاية المطاف، سواء تعلق الأمر بوقتك، أو وقتي، أو وقت جيراننا، أو زملائنا، أو منافسينا، فإن سباق الجميع لا يتوقف على الانسكاب، على ما يبدو، في ممرات متوازية. فهل يسعنا عقد الخيوط المتباينة وجعلها تتشابك وتتقاطع في نقطة ما؟ بلى، هذا ما أبدع فيه دانيال سيبوني في رسالته الأدبية ”في البحث عن الوقت الآخر”.

وبالفعل فقد مكنته من كتابة هذه الرسالة مسيرته المتفردة. تكوينه في مجال الرياضيات، وهو الفيلسوف بالموهبة أو بالفطرة، المشتغل كمحلل نفسي، الذي قرأ الكتاب المقدس باللغة العبرية والقرآن باللغة العربية، كل هذه العوامل مكنته من اختبار وتمييز مناهج زمنية كافية لمحاولة الجمع بينهما. ولا يخفى عليكم أنه كاتب أيضا. لقد اقترح دانيال سيبوني، عبر سبعة وأربعين تأملا، سلسلة من الدراسات والتنويعات بالمعنى الشبه موسيقي للكلمة بدلاً من تقديم رسالة حول الزمن تقوم على عرض نظري جاف.

الأعمال الإبداعية:

ولأن تلخيص هذه الأعمال قد يبدو مستحيلا، فسنكتفي بذكر المحاور الرئيسية. ولنبدأ بأولى الحقائق: الزمن كمفهوم عالمي أوحد هو مجرد وهم أكل عليه الدهر وشرب. إذ تصبح كل حالتين اثنتين، لا تجمع بينهما علاقة، غير متزامنتين بمجرد فصلهما. وهذه حقيقة ألفناها منذ عهد أينشتاين، لكننا ننساها. ومع ذلك، فإذا وجدنا أنفسنا بالقرب من ساعتي حائط اثنتين، يكفي أن ننزل واحدة منهما ونضعها على الأرض حتى يسجل فارق بينهما يتمثل في جزء من مليار الثانية.        

ولهذا السبب وبالمعنى الدقيق للكلمة، نحن نتواجد في المكان نفسه في الوقت تماما كالآخرين. وهذا أمر لا يلاحظه أحد بالطبع.

 لكن دانيال سيبوني استخرج من كل ذلك عدداً من النتائج المثيرة للاهتمام، من خلال الجمع بين هذه الحقيقة أو النتيجة ومشاعرنا وتمثلاتنا، بشكل أساسي، حول الأصل، والمدة، والتعاقب، والإرسال.

يحدث كل شيء كما لو كان الزمن ينكشف لنا في كل مكان في صيغتين مختلفتين: واحدة رتيبة، وميكانيكية، حيث تمر اللحظات الواحدة تلو الأخرى، والثانية “وكأنها ألياف”، مبتكرة، وإبداعية، وشخصية، وغير متوقعة.

ويقول المفكر: إن التواصل مع هذا الزمن الآخر، واستعادته وبلوغه “مثلما يبلغ الغريق الشاطئ أو اليابسة” هو النصيحة الأخيرة- التمرين الذي على كل فرد القيام به- بحسب قدراته ورغبته. الوقت الذي يمكننا إبرازه” – عبر ذكريات، ورغبات، وأحلام، وأعمال إبداعية. أي تلك المتعلقة بهم وليس بنا. ولعل النصيحة التي تقدمها هذه الرسالة الأدبية المتعددة الأصوات هي إدراك هذا الوقت الآخر وكسبه كما الحال بالنسبة لغريق يصل أرض اليابسة –هذا تمرين يجب أن يمارسه كل واحد منا على حدة حسب إمكانياته ورغبته-. ونلتقي في هذه الرسالة الأدبية من بين من نلتقي به وعدد كبير من المبدعين والفنانين: باخ، وبروست، وبيكاسو، وفرويد، وبودلير، دون أن ننسى الشيخوخة، ونهاية التحليل، والتكوين، وهِرَقْليطس، ونادجا للشاعر بروتون. وفي ظل وفرة هذه المعلومات، يتكشف لنا تبصر دقيق، وتأمل عميق. وفي حين أن عدم اليقين في الساعة، يقودنا إلى الاهتمام مرة أخرى بالوقت، والمستقبل، وتعقيد الحاضر، ذاك ما لا ينبغي التغاضي عنه.      

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة