المرشح الجمهوري رون دوسانتيس: إعلان الاستقلال

المرشح الجمهوري رون دوسانتيس: إعلان الاستقلال

 أنوار مجيد

ترجمة وتقديم: عبد العزيز جدير

تقديم

     تشغل أمريكا العالم أيام السلم، وحين دق طبول الحرب، واندلاعها.. وحين يحين موسم الانتخابات..

   قبل عقود كتب الروائي الأمريكي العظيم والمتمرد طيلة حياته، دوس باسوس، رواية تقطر غضبا، بعنوان “رقم واحد”. وكذلك يصنف رون ديسانتيس المرشح رقم واحد في بلده؛ لأن هذه العبارة الاستعارية تجد هوى في نفوس ساكنة الولايات المتحدة. قد يكون هذا الرقم يستهدف منه الإقناع والتضخيم. وقد لجأ إلى هذه العبارة ديانتيس نفسه قبل أسابيع في خطابه أمام برلمان فلوريدا، وهو يتحدث عن ولايته “الأولى” متباهيا بما حققه خلال ولايته كحاكم لولاية فلوريدا.

    ويتمتع هذا الجمهوري بشعبية متزايدة في ولايته من فلوريدا، ويسعى أن يتخذ منها نقطة انطلاق لترشحه المحتمل للرئاسة في عام 2024، هو الذي سانده ترامب؛ الذي قد يعلن ترشحه أيضا. وهو يقوم، في الآن ذاته، بالترويج لكتابه الجديد، الصادر خلال شهر مارس الماضي، تحت عنوان “ امتلاك الشجاعة لتكون حراً: مشروع فلوريدا لإعادة إحياء أمريكا”.

    قال مؤخرا بكل ثقة: “لقد قمنا بتحدي الخبراء، ووقفنا في وجه النخب، وتجاهلنا الغيبة، وأنجزنا المهام على طريقتنا، وطريقة فلوريدا. والنتيجة هي أننا الوجهة الأولى لإخواننا الأمريكيين الذين يسعون إلى حياة أفضل.”

   وينظم ديسانتيس نفسه لخوض حرب ثقافية ضد “التيار التقدمي الديمقراطي”؛ لأنه يمثل المحافظين، ويرفض القيم التي يسمح بها الحزب الديمقراطي مثل المثلية، وتحويل الأطفال إلى فئران مختبرات وتقطيع أوصالهم، وظاهرة التحول..

   هنا قراءة في الكتاب الذي صدر قبل أسابيع وهو يجمع ما بين السيرة الذاتية، ونشاطه السياسي، الذي تميز بالجرأة خلال جائحة كورونا، وقناعاته الفكرية.

النص

     نشرت النسخة الورقية من صحيفة نيويورك تايمز، في 28 من شهر فبراير 2023، مراجعة لكتاب حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، “امتلاك الشجاعة لتكون حرا”. قامت جينيفر سالاي، المراجعة بصحيفة التايمز، بعمل جيد في الإشارة إلى القضايا التي لا تتفق معها، بل وقارنت أسلوب الكتاب الجاف مع أسلوب عدم التدخل في كتاب “أحلام من آبائنا المؤسسين”، الذي نُشر في العام 2011، قبل أن ينخرط المؤلف مباشرة في الحياة السياسية. وفي نهاية مراجعتها للكتاب، أصدرت سالاي حكمًا صارمًا: “إن قراءة الكتب، حتى الكتب السيئة، يمكن أن يكون دافعًا وحافزا للتفكير، ولكن يبدو أن ما يقوم به ديسانتيس في “امتلاك الشجاعة لتكون حرا”، هو الإصرار والإلحاح على أنه يجب على الأمريكيين أن يقلعوا عن القلق ويدعونه يقوم بالتفكير كله من أجلهم”. ثم تضيف لاحقًا أن “إحساس المؤلف بالتفوق لا لبس فيه، حتى لو أنه حاول القيام به مرتديا معطفا نسج من حرية”. وتساءلت، لماذا يمكن تفسير الالتزام بالمبدأ، الضروري لأي شعور صحي بالقيادة، على أنه “شعور رهيب بالتفوق”؟

    وفي اليوم التالي (فاتح مارس 2023)، نشرت النسخة الورقية المطبوعة من صحيفة وول ستريت مقال رأي (في الغالب هو مقتطف حرفي من كتاب “امتلاك الشجاعة لتكون حرا” لصاحبه ديسانتيس نفسه يشرح فيه كيف واجه شركة ديزني العملاقة، التي كانت استفادت، خلال عقود، من صيغة سخية باذخة من الرعاية الاجتماعية في فلوريدا. ولكن عندما قررت ديزني، ومقرها في بوربانك، بكاليفورنيا، مناهضة قانون فلوريدا الجديد، قانون حقوق الوالدين في التعليم، عمل الحاكم مع الهيئة التشريعية لإلغاء امتيازات ديزني لأنها، مثل العديد من الشركات والمؤسسات “الوُوكِية” [أي الأفكار المتسمة “باليقظة”، التقدمية]، وأصبح مقاتلا سياسيا في حروب ثقافية محاولا إلغاء قانون الولاية لاسترضاء أيديولوجية موظفيها في ولاية كاليفورنيا. وناقش ديسانتيس بحمية أيضا ما قامت به شركة ديزني، وهي شركة مدرجة في البورصة، من تنازل خطير عن واجبها الائتماني تجاه مساهميها. ومما لا ريب فيه، كما جاء في “امتلاك الشجاعة لتكون حرا”، “في غضون ستة أسابيع من اتخاذ ديزني موقفا لصالح إدخال الجنس وأيديولوجية الجندر من روض الأطفال إلى أقسام السنة الثالثة، انخفضت القيمة السوقية للشركة بأكثر من 63 مليار دولار، وتعرضت علامتها التجارية إلى أكبر هبوط في تاريخها. وقد بين استطلاع أن النظرة الإيجابية أو تصنيف الأفضلية للشركة انخفض من +56 قبل اتخاذ الشركة قرارها هذا إلى +3 بعده. ويجب أن يكون هذا الانخفاض المذهل البالغ 53 نقطة مئوية قد بعث موجات الصدمة إلى مقر ديزني في بوربانك “. وإذا كان ديساتنتيس بدا متباهيا بعض الشيء عندما قال إن فلوريدا هي “الولاية التي ستموت فيها “الووكية””، فهو يتخذ موقفا جديدا، بطريقة ما، ضد سلطة الشركات التي لا يعتبر “رجال الأعمال” الجمهوريين من “الحرس القديم” قادرين ومهيئين لإدارتها وتسييرها. إنه يتصرف كنوع جديد من الجمهوريين وهو يواجه واحدة من أقوى الشركات في أمريكا. هل يجعل منه مثل هذا الموقف الشجاع مستأسدا أو يعبر عن إحساسه القوي بالاستقلالية؟

   وإذ أشرت إلى فصل ديزني فلأنني أريد أن أوضح – بغض النظر عن الانحيازات الأيديولوجية لكل شخص – أن مناقشة دور الشركات في الحياة السياسية هي مسألة ذات أهمية حيوية ليس فقط بالنسبة للأميركيين ولكن أيضًا بالنسبة للعالم بأسره. في كتاب تسميه سالاي مذكرات، لا يوجد، في الواقع، أي تسامح مع الذات أو اتباع هوى النفس، بل تقديم حقائق السيرة الذاتية الأساسية التي تساعد في تفسير رحلة ديسانتيس في الحياة. وعلى العكس من ذلك، فالكتاب دليل على التربية المدنية المحافظة المتعلقة بالمواطنة الصحيحة وكيفية كشف وعرض بعض القضايا الملتهبة التي تهدد أسس الجمهورية اليوم. وباعتباري شخصًا يعتقد أن لا غنى عن كارل ماركس لفهم سير وأساليب النهب التي تعتمدها الرأسمالية، فإن استبعاد حاكم الولاية السهل والمبتذل للماركسية، أو إشاراته المستمرة إلى اليسار الغامض التحديد، لا تمنعني من محاولة التعامل معه بجدية وأخذه على محمل الجد، لأن هذا الأمر هو السبيل الوحيد فقط للدخول في حوارات بناءة. يجب أن نقبل الفرضية القائلة بأن هناك أكثر من طريقة لفهم العالم إذا ما أردنا تجنب فخاخ النقاء الأيديولوجي.

   ولما كان ابنا لأبوين كاثوليكيين ينحدران من صلب من ارتدوا “ياقات الزرقاء، أي الطبقة العاملة وكانوا عمالا ينتمون إلى غرب بنسلفانيا وشمال غرب أوهايو”، فديسانتيس “مواطن فخور بأنه ولد بفلوريدا” ولم يغادر الولاية إلا عندما وجب عليه متابعة الدراسة في ييل وهارفارد قبل أن ينضم إلى البحرية الأمريكية ويكون واحدا من الذين تم نشرهم في نهاية المطاف في محافظة الأنبار سيئة السمعة في العراق مع وحدة البحرية الخاصة باعتباره ضابطا قاضيا عاما. وعلى الرغم من تخرجه بمرتبة الشرف من كلية الحقوق بجامعة هارفارد – “مركز قيادة الليبرالية الأمريكية”، كما وصفته مجلة الإيكونوميست ذات مرة – فقد اختار حياة تكرس لخدمة الأمة، وليس حياة تحصيل الثروات مباشرة عبر العمل في مكاتب الشركات، على الرغم من أن ديونه كطالب كانت تثقل كاهله بشدة. وقد كان لخبراته والتجارب الجامعية والبحرية التأثير الأكبر على معتقداته وتفكيره. وبالنسبة للطالب الذي يعاني من الضائقة المالية، غير المسيس حتى ذلك الوقت والذي لم يكن يستطيع تحمل تكاليف الدراسة في الخارج أو الذهاب في إجازة، فإن “اليسارية الجامحة” التي يعيشها في جامعة ييل كطالب جامعي بسلك الإجازة، تدفعه إلى اليمين، تماما كما تفعل مع الطلاب الآخرين اليوم.

   بينت لديسانتيس تجربته في العراق أن تنظيم القاعدة الإرهابي يمكن هزيمته، لكن بناء الأمة على الطريقة الأمريكية مهمة سخيفة من جهة وخطيرة من جهة أخرى. كتب ديسانتيس: “كانت الاختلافات الثقافية شاسعة جدا ليعتنق العراق الدستورية الماديسونية” [نسبة إلى جيمس ماديسون، رابع رئيس أمريكي]. و”في الواقع، كان العراقيون يعتبرون أن “الحرية” تعتبر خضوعا لقانون للشريعة، وليست تشريعا لديمقراطية ليبرالية”. ويدفعه مثل هذا الوعي والإدراك إلى التساؤل عن “الثمن الذي يجب أن يدفع من الدم الأمريكي وثروة أمريكا” في السعي العقيم لتخليص العالم من الاستبداد. وهكذا، ولذلك وقبل أن يختار الانخراط في الحياة السياسية، كان الشاب ديسانتيس شاهدا “عن كثب ومباشرة على حماقة استخدام الجيش ليهندس اجتماعيا مجتمعا أجنبيا”. وبالنسبة له، فإن “الباعث المسيحي لأمريكا – القائم على أن للولايات المتحدة الحق والالتزام في تعزيز الديمقراطية، بالقوة، إذا لزم الأمر ذلك، في جميع أنحاء العالم – كان يرتكز على التمسك بالمبادئ الأخلاقية لويلسون، وليس على نظرة واضحة للمصالح الأمريكية”.

   بعد انتخابه عضوا بالكونجرس، لم يتخل ديسانتيس عن حسه المحافظ والنقدي وهو يشد الرحال إلى واشنطن في يناير 2013، متعهداً بالمحافظة على مسافة بينه وبين “النظام البيئي للعاصمة بأكملها” من خلال قراءة نصوص التشريعات المقترحة، ورفض “نظام أو خطة معاشات التقاعد والرعاية الصحية للكونغرس”، وفضل النوم في مكتبه، وتقديم قوانين محكوم عليها بالفشل وحتى تعديلات دستورية للحد من سلطة أعضاء الكونجرس وإلغاء امتيازاتهم الخاصة. وبعد ثلاث ولايات نيابية من النضال ضد المصالح الراسخة بعمق والتي تتعارض مع روح الديمقراطية الأمريكية، غادر الرجل المتزوج والأب قبل وقت قصير في نهاية المطاف مدينة بعيدة عن حياة الناس لدرجة أنها قد تكون دولة خاصة بها وعاد إلى الولاية التي شهدت ولادته. وبدعم تغريدة من الرئيس ترامب والاعتماد على قوته الفكرية في مناظرة حية مع منافسه الجمهوري، تمكن ديسانتيس من الفوز في سباق للظفر بمنصب حاكم “ثالث أكبر ولاية من حيث عدد السكان” في البلد (يزيد عدد سكانها على العشرين مليون نسمة) وتنعم بمنطقتين زمنيتين (ميقاتيتين).

   ومرة أخرى، في اللحظة التي يتولى فيها ديسانتيس السلطة في 8 يناير 2019، يقوم بقراءته الخاصة للنصوص الرئيسية، ويرفض القيام بأي سبر للآراء، ويختار أن يقود سلسلة من الإصلاحات لجعل الولاية المشرقة أكثر إشراقًا من أي وقت مضى. وخلال أزمة كوفيد، يقاوم ببسالة التفويضات أو الأوامر الصحية والوصاية التقليدية المتعارف عليها، ويكافح من أجل حق سكان فلوريدا في أن يقرروا بأنفسهم التلقيح أم رفضه، دون أن يخاطروا بفقدان وظائفهم. وقد وضع موضع سؤال “نظريات المؤامرة” مثل مشروع 1619 برعاية نيويورك تايمز، مؤكدا ومجادلًا بحق – بالحماس ذاته والنفس الذي اعتمده مارتن لوثر كينغ جونيور – بأن الثورة الأمريكية لعام 1776 (مهما كانت ناقصة أو غير كاملة ربما كانت انطلقت في ذلك الوقت) قد أطلقت حركة الحرية التي لا تزال تتفتح وتنتشر حتى يومنا هذا. ويمكن للمقطع أدناه أن يكون قد كتب من قبل أي مؤرخ من مؤرخي الولايات المتحدة:

   بدأت الثورة الأمريكية – برفض الحق الإلهي للملوك واعتناق فكرة الحقوق الطبيعية التي وهبها الله – بتدشين المسار الذي أدى في نهاية المطاف إلى نهاية العبودية في أمريكا بعد الحرب الأهلية. بالطبع، تطلب الأمر ولادة الحزب الجمهوري، الذي تأسس من أجل معارضة ومواجهة انتشار العبودية في المناطق الغربية، وانتخاب أبراهام لنكولن، أول رئيس جمهوري، لتحقيق إلغاء العبودية، في البداية (وبشكل غير كامل) عبر إعلان لنكولن تحرير العبيد، ومن ثم من خلال تبني التعديل الثالث عشر من قبل الكونغرس المهيمن عليه من لدن الجمهوريين.

   وفي الفقرة التالية، يلخص إرث الثورة الأمريكية بالقول إن “الوعد الكامل لإعلان الاستقلال لم يتم الوفاء به في عام 1776 بالنسبة لجميع الأمريكيين ولا رضوا عنه، لكن المؤسسين أنشأوا مشروعًا ثوريًا غيّرت مُثله مجرى تاريخ البشرية.”

   إن التزام ديسانتيس العميق بالمبادئ المؤسسة لأمريكا هو الذي دفعه إلى مواجهة تجاوز “الدولة الإدارية الفيدرالية” الهائلة، والقوة أو السلطة الجامحة للشركات التكنولوجية الكبرى. بالنسبة له، كان جيمس ماديسون واضحًا عندما صرح بأن معظم السلطات يجب أن تكون داخل حكومات الولايات وأن “السلطات التي فوضها الدستور المقترح للحكومة الفيدرالية قليلة ومحددة”.

   وقد حدث مثال على تجاوز الحكومة المبالغ فيه خلال جائحة كوفيد عندما كان الناس خائفين ومنقسمين بشأن الفيروس الجديد والغامض. ما كان بدأ كإجراء متواضع من أجل تسوية المنحنى، تحول إلى حرب واسعة النطاق، مع عمليات الإغلاق والعزل، وفرض ارتداء القناع، والتلقيح القسري للقضاء على الفيروس. وبدا لديسانتيس أن صعود “دولة الأمن الطبي الحيوي” أمرا معاديا بشكل عميق لأمريكا، لذلك قام بما يقوم به بشكل أفضل ويتقنه: قام بقراءة ما كتب في الموضوع وقام بأبحاث. وعلى عكس ما كان يحدث في نيويورك وولايات أخرى، “وقع أمرا تنفيذيا في منتصف شهر مارس 2020 يمنع المستشفيات من إعادة المرضى المصابين بفيروس كوفيد إلى دور رعاية العجزة والمسنين”. واتضح أن تركيزه على حماية كبار السن أولاً وقبل كل شيء مع إبقاء ولاية فلوريدا ومدارسها مفتوحة هو المقاربة التي تمثل أفضل نهج، على الرغم من أنه تعرض لهجوم قاس يومها. وقد كتب ديسانتيس: “بينما كان الستار الحديدي للفاشية ينزل عبر قارتنا، وقفت ولاية فلوريدا بكل حزم معترضة على ذلك.”

   أصبحت ولاية فلوريدا الحرة، أو “برلين الغربية في أمريكا”، تجتذب الآن جميع الأمريكيين الذين أصابهم الوهن ويعانون من الحصار المفروض في الولايات المغلقة، وتجتذب شركات تجارية جديدة إلى الولاية. وفي نهاية يوليو من عام 2020، “شهدت فلوريدا أكبر مكسب لساكنة الولاية، إذ عرفت زيادة أكثر من 252.700 مقيم جديد، متجاوزة بذلك 216.949 مقيم جديد في ولاية تكساس خلال الفترة ذاتها في العام ذاته. وكانت الولايات التي سجلت أكبر انخفاض في عدد السكان هي كاليفورنيا ونيويورك وإلينوي على التوالي “. وقد تعزز هذا النزوح الجماعي إلى “الأرض الموعودة” في فلوريدا من خلال “انتقال ثروة إجمالية صافية قيمتها 23.7 مليار دولار من الدخل الإجمالي النسبي” إلى الولاية أيضا”، متجاوزةً بكثير “أقرب ولاية منها وهي تكساس”، مع “ربح صافٍ قدره 6.3 مليار دولار”. ومع أن فلوريدا تضم عددا أكبر من السكان من نيويورك، وتتداول نصف ميزانية ولاية نيويورك، وميزانية مدينة نيويورك نفسها وحدها تقريبا، فهي تحقق أداءً أفضل من نيويورك في مجموعة كاملة من الخدمات الاجتماعية، ليس أقلها K-12 والتعليم العالي العام.

   إن مواجهة جبابرة شركات التكنولوجيا الكبرى ليس من عمل ضعاف النفوس. وباعتبارها الجهة المحايدة التي تعنى ببث أو توزيع الأخبار (وليس الجهة التي تنشرها والمتمتعة بوضع الناشر المحترمة لتشريعاته)، تتمتع شركات التكنولوجيا الكبيرة “بحماية قوية للمسؤولية بموجب القانون الفيدرالي”، ولكن عندما تنخرط في الرقابة بناء على طلب من وكالة حكومية مثل مركز السيطرة على الأمراض، فإن مثل هذه الشركات، كما يؤكد ذلك ديسانتيس، تعمل “كـأذرع فعلية للدولة “و” طبيعتها الخاصة، على ما يبدو، لا تعفي الحكومة من واجبها في الالتزام بالتعديل الأول؛ وإلا يمكن للحكومة الفيدرالية ببساطة أن تتعاقد مع جهات -فرعية- فاعلة خاصة بكل ما يتعلق بانتهاكات ميثاق الحقوق. لذلك، عندما يحدث تواطؤ بين شركات التكنولوجيا الكبرى مع الحكومة الفيدرالية لفرض رقابة على الخطاب السياسي، فإنها تعمل كذراع للدولة ويجب عليها أن تمتثل للتعديل الأول. وبالتالي ستكون رقابتها غير دستورية “. ولما كانت هذه الشركات تتحكم في الدخول أو الوصول إلى “الساحة العمومية الجديدة” في ديمقراطيتنا اليوم، فإنها لا تستطيع أن تدعم “شكلا جمهوريا للحكومة الذي يطالب بأن تكون الشعوب الحرة قادرة على الانخراط في نقاش قوي في القضايا السياسية”.

   ومن المجالات الرئيسية الأخرى التي تشغل بال حاكم الولاية حماية نزاهة الانتخابات. في تقرير صدر عام 2005، خلص الرئيس السابق جيمي كارتر ووزير الخارجية السابق جيمس بيكر إلى أن “المواطنين الذين يصوتون في المنزل، وفي دور رعاية المسنين، وفي مكان العمل، أو في الكنيسة هم أكثر عرضة للضغط وتأثرا به، سواء بشكل علني أو خفي، أو عبر التخويف والتهديد” وحذرا كذلك من” صعوبة الكشف عن حيل وخدع شراء الأصوات عندما يصوت المواطنون عن طريق البريد “. وبعد أكثر من عشر سنوات على نشر هذا التقرير، جاءت ولاية كاليفورنيا بنظام جمع بطاقات الاقتراع، إذ تسمح للوكلاء أو العاملين بجمع بطاقات الاقتراع وإرسالها عبر البريد لأشخاص آخرين. وقد دفعت هذه الممارسات حاكم الولاية والمجلس التشريعي في فلوريدا إلى سن “حزمة شاملة من الإصلاحات لتعزيز نزاهة الانتخابات”. وتشمل هذه التدابير منع وتجريم جمع بطاقات الاقتراع، وكذلك طلب هوية الناخب بالنسبة لطلبات الاقتراع لمن غابوا عن التصويت أو لمن حضر شخصيا للتصويت. وقد سمحت هذه الإجراءات لفلوريدا، إلى جانب الضوابط الأخرى، بفرز 99 بالمائة من أصواتها قبيل حلول منتصف الليل من يوم الانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020. وقد مثل هذا الرقم القياسي “تباينا صارخا مع الولايات الأخرى التي لم تكن تعرف حتى عدد الأصوات التي ظلت معلقة ولم يبث فيها واستغرق ذلك الأمر أياما، بل أسابيع، ليتم عد أصوات المقترعين”.

   وبالنسبة لي، يبدو أن ديسانتيس يحركه الارتباط الشديد بالروح التي حكمت تأسيس أمته ورفاهية مواطنيه الأمريكيين. قد يكون محافظا أو جمهوريا، فذلك مجرد تسمية أو تصنيف يشير إلى الانتماء الى حزب سياسي أو آخر وتشوش على رؤيتنا للمبادئ التوجيهية للإنسان ومقاربته للروح المدنية للمواطن الصالح. وهو عندما يركز على تعليم التربية المدنية الأمريكية ويستثمر فيها، فإنه يقوم بذلك من منطلق اهتمامه الحقيقي بمستقبل ديمقراطية أمته. وفي هذه الحالة، فإنه لا يقوم إلا بتطبيق تعليمات أبراهام لنكولن التي تؤكد على أننا نعزز في شبابنا “تقديس الدستور والقوانين” حتى يصبحا “الدين السياسي للأمة”. إن طلبتنا هم مستقبل الأمة، ولذلك يتعين علينا التأكد من “أن لهم أساسا متينا يخص المبادئ الأساسية لنظام حكمنا الجمهوري وفكرة راسخة عما يعنيه أن تكون أميركيا”.

   في مرحلة ما من كتابه، يتذكر ديسانتيس جدته التي “لم تصوت أبدا لأي جمهوري في أي منصب خلال حياتها لأنها كانت تعتبر الديمقراطيين الذين يمثلون أفراد الطبقة العاملة يخشون الله مثلها”. إن روح جدته هي التي يدعمها الحفيد المطيع بكل قوة. وعلى الرغم من تعليمه في معاقل الامتياز الطبقي، فإن ولاءه للقاعدة العمالية والعمل الدؤوب يجعلانه يشك بقوة في النخب المؤهلة التي يعتبر أعضاؤها “مواطني العالم” والذين ألحقوا أضرارًا لا تُحصى بالأمة من خلال دعم “المغامرة العسكرية عبر العالم”، “بالاعتماد على “دولة إدارية واسعة” في تعارض مع مبادئ ماديسون للدفع بأجنداتهم إلى الأمام، وتتخذ قرار الإغلاق بناء على معلومات غير كافية أو على أساس نمذجة خاطئة، واستخدام قوة الاقتصاد لفرض معتقدات أيديولوجية ذاتية أنانية، وتقوية المنافسين مثل الصين وتمكينهم من القوة على حساب دولتهم، وحرمان المواطنين من حقوقهم في التعديل الأول من خلال الرقابة المسلطة على المنصات الإعلامية. ويعتبر هذا السبب هو الذي يجعل ديسانتيس، بالرغم من أنه معاد بشدة للشيوعية، يعتقد أن “الدافع الشعبوي لمواجهة إخفاقات الطبقة الحاكمة غير التمثيلية بحكومة أكثر تمثيلا ونجاحا يمثل الرد المنطقي من قبل الأشخاص الذين يتحملون وطأة إخفاقاتهم ويعانون من آثارها”.

   تعد مراجعات الكتب في الصحف اليومية، بالضرورة، مختصرة، ودوغمائية وضارية وغير موضوعية من أجل التحدث إلى القراء الذين يوافقونك الرأي بالفعل، لأنهم من قراء تلك الجريدة. تصف مراجعة جينيفر سالاي في صحيفة نيويورك تايمز رجلاً يعاني من عقدة التفوق، لكن ما استخلصته من قراءة الكتاب – وما حاولت توثيقه عبر اقتباسات وافرة – هو رجل عميق التفكير يسائل النخب الأمريكية ويتساءل كيف استبدلت المصالح الرفيعة لأمتها من أجل مفاهيم غامضة للتصنع الثقافي والوعي الكوني. إن الطعن في محاولات الشركات التي تسهم في تقويض العمليات الديمقراطية ومعارضة التدخلات العسكرية المتهورة في الخارج ليست مبادئ جمهورية أو محافظة؛ بل هذه هي الهواجس المشتركة التي تتقاسمها على نطاق واسع جميع أنواع الحركات التي تكرس جهودها للعدالة الاجتماعية. من المؤكد أنه يمكن للمرء أن يجادل في تاريخ تأسيس الولايات المتحدة في 1776 أو 1619، لكن الدفاع عن أطروحة 1776 لا يخلو من منطق أو يجانبه، لأن المؤرخين البارزين يدافعون عن ذلك بحزم. إن التربية المدنية التي تعزز حب الوطن (دون التعتيم على النواقص) هي أيضا فعل معقول ومنطقي، على الرغم من أنه يمكن للمرء مناقشة تفاصيل البرنامج والمنهاج. قد يُنظر إلى توقيع قانون يمنع “الرجال البيولوجيين” من المشاركة في المنافسات الرياضية النسائية على أنه عمل محافظ، لكن دور الجندر في الرياضة يمثل قضية تعرضت للشحن المضاعف ولم يتم الحسم فيها، وهي مسألة تستحق البحث والنقاش العميقين.

   وباختصار، يدور كتاب دي سانتيس حول رؤية رجل لكيفية منح حياة جديدة وبعثها وحماية المصالح العليا لمواطنيه الأمريكيين. لا أستطيع أن أقول ما إذا كانت هذه رشقته الاستهلالية في سعيه للحصول على مقعد الرئاسة، على الرغم من أن معظم الناس يقرؤونها كذلك. وأعتقد أن ابن فلوريدا كان يمزح عندما عنون استنتاجه “فلنجعل من أمريكا فلوريدا” لأنه يعرف بالتأكيد أن أمريكا قارة شاسعة ومتمنعة، ويصعب إدارة شؤونها، وتحتاج إلى نهج أو مقاربة مختلفة تماما. ولكن بعد أن شحذ مهاراته في ولاية يمكن أن تكون أمة قائمة بذاتها، فهو بالتأكيد مؤهل مثل أي أمريكي آخر لتوفير قيادة قوية تفكر بعمق وتراعي حاجات للبلد الذي يحبه.

   “أن تملك الشجاعة لتكون حرا” هو إعلان الاستقلال لرون ديسانتيس الشخصي، وهو إشعار لأولئك الذين يعلون مصالحهم الخاصة على مصالح الأمة بأنه لن يكون مدينا لهم بالفضل أبدا. وهذه، على الأقل، هي الرسالة السياسية التي أتلقاها من كتاب تميز بعمق التفكير وغنى البراهين.

Visited 2 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد العزيز جدير

كاتب ومترجم مغربي