آه أيتها الصامتة!؟

آه أيتها الصامتة!؟

 محمود القيسي

“أحب حبّ المراكب:

بضع قبل ثم تمضي…

تترك لك وعودًا

لكنها لا تعود أبدًا.

امرأة تنتظر في كل مرفأ،

البحارة يقبلون ويمضون..

ذات مساء ينامون مع الموت

بأسرّة من زرقة المحيط”.

     أحب الحب الذي يتقاسم بالقبل، في السرير والخبز كما كتب بابلو نيرودا يومًا… حب يمكن أن يكون أبديًا وربما أيضاً عابرًا.. حب يريد أن يتحرر ليعود الحب من جديد. حب، كإله يقترب.. حب، كإله يمضي من “الكتب الأولى” غسق ماروري. في المجتمعات الطائفية المغلقة على حدودها لا مكان للحب.. المجتمعات المغلقة على نفسها لا تعرف الحب ولا تعرف الأخر.. لن تستطيع ان تفكر خارج الحدود الطائفية ولن تعرف الحرية والأخر.. خارج حدود السلطة الرعوية.. سلطة الأخ الأكبر.. سلطة الزعيم الأعلى.. الزعيم الأوحد.. سلطة اليد العليا.. سلطة القوانين العليا: ورث، يورث، توريثًا، فهو مورث… لن تستطيع ان تفكر كمثقف ولن تستطيع ان تفكر كعاشق، انما فقط كتابع… تبعية عمياء.. للسلطة الطائفية العليا.. والموروث الأعلى..!؟ المساء على السطوح يهبط يهبط… من أعطاه لكي يأتي بجناحي عصفور؟ وهذا الصمت الذي يملأ كل شيء، من أي بلد كوكبي جاء وحده ولماذا هذا الضباب أيضًا ـ ريشة صغيرة مرتعشة ـ قبلته المطر ـ المحسوسة ـ هل سقطت في الصمت ـ والى الأبد ـ كل حياتنا..!؟

     من روائع الأدب السياسي: لا تستهن أبدًا بقوة الأغبياء عندما يكونون في مجموعات كبيرة…! صحيح، نحن في لبنان نعيش تاريخيًا في مجموعات طائفية كبيرة ومتوسطة وصغيرة: سنّة، شيعة، موارنة، روم أرثوذكس، دروز، ملكيين، أرمن أرثوذكس، أقليّات مسيحيّة أخرى، علويّون، أرمن كاثوليك، إنجليّون… الخ. ويبقى السؤال والأسئلة في لبنان “الأعلى” تدور حول نفسها: هل الدساتير مطلقة أم نسبية؟.. هل الدساتير مقدسة أم غير مقدسة؟.. هل الدساتير جامدة لا تتغير؟.. أم دينامكية تتغير؟.. هل نحن في لبنان دولة وشعب من دول هذا العالم وشعوبه؟.. أم أستثناء على غرار كذبة شعوب الله المختارة!؟ أم شعوب الله الاستثنائية؟.. دستور من جميع الطوائف  الاستنسابية.. والطوائف الاستثنائية…! أيتها النحلة البيضاء، السكرى بالعسل، التي تطن في نفسي، تنكسرين في لوالب بطيئة من الدخان. أنا اليأس، الكلمة بلا صدى. الذي حصل على كل شيء وفقد كل شيء… الملجأ الأخير، فيكِ يتحطم قلقي الأخير. أنتِ في صحرائي الوردة الأخيرة. آه..! أيتها الصامتة!

     شكلت الوراثة السياسية ركنًا أساسيًا من النظام السياسي منذ ما قبل ولادة لبنان ككيان سياسي مستقل عندما كانت البلاد تدار عبر العائلات الإقطاعية التاريخية، كما أنتقلت هذه الظاهرة حاليًا إلى عائلات أخرى دخلت الحياة السياسية منتصف القرن الماضي، وما زالت تتوارث الزعامة حتى الآن. ولا يقتصر الإقطاع السياسي أو التوريث الميت والغير مباشر.. والتوريث الحي والمباشر من الزعيم إلى أبنه الزعيم عائلات الإقطاع السياسي التقليدية فقط، بل يشمل عائلات سياسية أخرى تتغنى بالحداثة وتتشدق بالديمقراطية بشكل يثبت الإقطاع السياسي من دون أن تسجل أي معارضة شعبية تذكر لهذه الخطوات الغير شعبية!… نحن الآن من سماء أوسع غروب.. خطانا إذ تبتعد عنكِ تعود إلينا. السوط المسلول عليكِ يسقط علينا. أنتِ ما هو موجود فينا وأبعد منا. ما يهرب كجوقة من الضباب المطارد. قربًا منا لكن أين؟ بعيد بعيد ما هو بعيد. وما هو بعيد جداً يمشي تحت أقدامنا. صدى هذا الصوت أبعد من الصمت. وما ينبت في قلوبنا كزبد على الحطام.

     ويتسلل منطق الوراثة هذا إلى الأحزاب السياسية الحديثة، فيدفع بعض المنظمات والأحزاب والتيارات والتنظيمات التي تدّعي الوطنية والحرية والاشتراكية والتقدمية والديموقراطية والقومية والثورية ابن من هنا وصهر من هناك وزوجة من هنالك إلى المناصب الرئيسية العليا.. في أعلى مراتبها…هذا فضلًا عن بقية أفراد العائلات الروحية الحاكمة في القطاع العام والقطاع الخاص من الذكور والإناث والأشقاء والشقيقات.. الحلقة، أو الحبكة التاريخية في سردية احتكار السلطة في لبنان الدولة الوهمية.. الحلقة المكيافيللية التي تعتقد بعض النخب الفكرية للأسف.. إن هذه القطبة أو الحبكة أو الحلقة هي الركن الأساسي والوحيد لاستمرار (النظام السياسي الواقعي) وليس المكتوب في دستور الجمهورية اللبنانية الأولى والثانية والقادمة…   إذا كنت مت من دون أن أعرف فمن سأسأل عن الوقت؟ أين إذاً، في (…)، يستنفد الربيع كثيراً وكثيراً من الأوراق حيث يستطيع أعمى أن يعيش يطارده طيران النحل! إذا اختفى الأصفر يوماً ما فبمَ سنصنع الخبز؟

     الإرث الثقافي الحضاري، ومجموعة النظم والقيم والنماذج الثقافية التي يتوارثها جيل من جيل عن الأجيال السابقة. وليس كل ما هو في التراث قيمًا وإيجابيًا، فالتناقض من طبيعة الأشياء ومن غير المعقول أن يكون الماضي خاليًا تمامًا من المثالب، إلا أنه كثيرًا ما يكون حافزًا للمزيد من الدراسة والتطور والابتكار والتجديد والتقدم الحضاري. وللتراث قيمة كبيرة، تعطي إحساسًا بالعمق الثقافي للأمة والشعوب والأوطان ويلعب الوعي على جوانبه المشرقة دورًا في تماسك الشخصية التاريخية للأمة، ويمنحها الثقة بالنفس في المحن، ويساهم في تعزيز إرادة رفض الهزيمة والانسحاق والتغلب على الشعور بالضياع والذوبان، الأمر الذي يقوّي من عزيمة الأمة في مقاومة الإمبريالية ومخططاتها المتعددة الوجوه ومن خلال الشعور بالتحدي وبالقدرة علي مجابهة التحدي، يتحول التراث من مجرد ذكريات باردة، إلى تذكر حي، يستنفر طاقات الامة واستعدادها للنهوض، وتفهمه من خلال نضالها، وتلتقي به عبر محاكته في حركيته وتاريخيته ومعانيه الكونية المتجددة. إلا إن تلك المعاني تغيب وتنتفي في غياب الحركة والشعور بالتحدي، ويصبح التغني بالتراث وتمجيده تعبيرًا عن العجز والجفوة والرهبة أمامه، فيصبح التراث عبئًا عوض أن يكون حافزًا. ومن الواجبات التي يفرضها الوعي على التراث، الحفاظ عليه، وإبراز وجهه المشرق لصالح الأجيال القادمة ولصالح الإنسانية كلها.

     ماذا تخبئين هنا تحت حدبتك؟ قال الجمل للسلحفاة. أجابته السلحفاة: وأنت ماذا تقول لأشجار البرتقال؟ أيكون لشجرة الإجاص من الأوراق أكثر من “بحثًا عن الزمن الضائع؟”.. لماذا إذ تحس الأوراق باصفرارها تنتحر؟… نمشي نمشي متعطشين للأوهام، ووجوهنا الممسوحة بالحزن والتعب ومع هذا نغني.. بعيداً في الغابة نجد الينبوع المنعش المنشود. نصل متعبين، نحني جباهنا وشفاهنا الملتهبة، الناشفة والمجعدة تشرب وهي ترتعش من العطش والانفعال عندها، بهدوء المياه الهادئة نرى الضوء ينبعث في بؤبؤنا وينبعث عطش الأوهام من قلوبنا… من “النهر غير المرئي”!؟..  أغمضي عينيكِ العميقتين، فالليل يجنح فيهما. آه..! عرّي جسدك من التمثال الخائن والأصنام… تمتلكين عينين عميقتين تصطفق فيهما أجنحة الليل وأذرع طرية للزهر.. آه! أيتها الصامتة! ها هي الوحدة وأنت غائبة عنها تمطر.. وريح البحر يطرد بجعاً تائهاً.. والماء يمشي بخطى عارية في الدروب المبللة… وورق الشجر يئن كمريض… أيتها النحلة البيضاء، الغائبة، فيّ طنينك يدوم… تنبعثين في الزمن، نحيلة وصامتة.. آه أيتها الصامتة!

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

محمود القيسي

كاتب لبناني