الضبع البولندي -صلصال أوروبا أم مشرذمها

الضبع البولندي -صلصال أوروبا أم مشرذمها

د. زياد منصور

الكتابة عن بولندا  محفوفة بالمخاطر بعض الشيء، ذلك أنَّ سياستها التوسعيَّة في العصر الحديث كادت أن تنتهي في عام 1939  بمأساة وطنية،  ذلك عندما تخلى حلفائها  الغربيين عنها “لتأكلها” الآلة العسكرية الألمانية وتفقد بالفعل استقلالها ودولتها. وبفضل الاتحاد السوفييتي، وبفضل موقف ستالين، حصلت بولندا على أراضٍ كبيرة في الغرب، وعلى أراض في ألمانيا. فعليًّا كان هذا هو الحال ، فالأراضي الغربية لبولندا الحالية هي هدية ستالين للبولنديين.

هذا كان منذ حوالي قرن من الزمن، أما اليوم فإنَّ رهاب القيادة البولندية من روسيا قد وصل اليوم إلى أبعاد غير مسبوقة، وأن رغبتها في تركيز “قبضة ” حلف شمال الأطلسي على أراضيها ضد روسيا يهدد أمن روسيا، تمامًا كما فعلت أوكرانيا وبسبب ذلك  بدأت العملية العسكرية الروسية هناك، لإزالة هذا التهديد.

تجدر الإشارة إلى أنه وعلى مدى أكثر من قرن من الزمن، كانت بولندا جزءًا من الإمبراطورية الروسية (من عام 1815 إلى عام 1917)، والتي ساعدت سياستها المتوازنة حينها  في خلق وضع فريد احتفظت فيه المقاطعة البولندية-الروسية، على الرغم من أنها لم تكن مقاطعة  مستقلة، بدولتها وهويتها الوطنية لمدة مائة عام. .

 لقد أنهى البلاشفة  عام 1917 تاريخ “بولندا الروسية”، مما أتاح للبولنديين الفرصة لإقامة دولتهم الخاصة. وكما نعلم فإن بولندا انتقمت ولا تزال تنتقم لما سميَّ “سجن الأمم”. ويشمل ذلك احتلال أجزاء من بيلاروسيا وأوكرانيا وروسيا، والإعدام الجماعي لأسرى الحرب، وما زال مستمراً حتى يومنا هذا.  لقد اعترف الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي، في خطابه الذي خصصه بمناسبة الذكرى السبعين لاندلاع الحرب العالمية الثانية، بأن مشاركة بلاده في اتفاق ميونيخ كانت “خطيئة جسيمة وتكاد لا تغتفر”. المقصود هنا معاهدة ميونخ في 30 أيلول 1938، بين ألمانيا النازية، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والتي كانت بمثابة تسوية تسمح بضم ألمانيا النازية لمنطقة “السوديت” التابعة لـتشيكوسلوفاكيا، والتي يعيش فيها مواطنون ناطقون بالألمانية، في محاولة من الحلفاء لاحتواء ألمانيا النازية وتجنب اندلاع حرب عالمية. كان الهدف من المؤتمر مناقشة مطالب أدولف هتلر حول منطقة “السوديت” التي يقطنها مواطنون ناطقون بالألمانية، حيث كانت المنطقة تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية ثم ضمت إلى تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الأولى.

في كتابه «العاصفة القادمة »، الذي نُشر عام 1954، كتب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل: «…والآن، بعد أن أهدرت كل هذه الوسائل والامتيازات وألقيت في مهب الريح، تتقدم بريطانيا العظمى، وتقود فرنسا بيدها لضمان سلامة بولندا – هي نفسها بولندا التي بشهوة الضبع، انضمت قبل ستة أشهر فقط إلى نهب وتدمير الدولة التشيكوسلوفاكية”.

بهذا المعنى عندما يقول المؤرخون أن ونستون تشرشل، الذي جاء بالعبارة القاتلة “بولندا هي ضبع أوروبا”، لم يكن ببساطة يحب البولنديين وبولندا، إذ إنهم باعتقاده لا يقولون الحقيقة كاملة. فالسير ونستون ليونارد سبنسر تشرشل لم يكن يحب أحداً على الإطلاق سوى وطنه وسلطته وواجبه، بل أنَّه  لم يحترم البولنديين على الإطلاق.  على سبيل المثال، تاريخيًّا  أيضًا لم يكن يحب الروس كثيرًا ، ولكن كان يحترمهم  ولذلك أسبابه، على عكس نظرته للبولنديين.

في الواقع، هذه الملاحظة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني لها خلفية تاريخية حقيقية للغاية. فبولندا، بعد أن نسيت بسهولة جميع التزاماتها تجاه حلفائها- وليس تجاه الاتحاد السوفييتي فقط، بالمناسبة، ولحسن الحظ لم يكن السوفييت حلفاء للبولنديين في تلك الأيام بل كانوا حلفاء لإنجلترا وفرنسا بحيث قطَّعوا بسرور وبهجة كبيرتين  تشيكوسلوفاكيا مع هتلر كما يقطَّع قالب الحلوى. كما لا يمكن تناسي أنَّ  فوهرر الشعب الألماني في سنوات ما قبل الحرب كان معبودًا حقيقيًا للنخبة البولندية بأكملها تقريبًا.

على سبيل المثال، كانت صورة أدولف هتلر تزيِّن مكتب وزير الخارجية البولندي جوزيف بيك حتى في يوم الغزو الألماني لبولندا – وهذه مجرد حقيقة تاريخية. ويشتهر هذا الوزير أيضًا بحقيقة أنه هو الذي كان مسؤولاً عن السياسة الخارجية في الحكومة الثلاثية البولندية آنذاك “بعد بيلسودسكي”، الذي كان، في “زمن بيلسودسكي” سيئ السمعة،  هو الذي أعدَّ  اتفاقية مماثلة ومشابهة  تقريبًا لاتفاقية  مولوتوف-ريبنتروب، والتي لم تسفر إلا  عن “اندماج” أعمق لبولندا مع ألمانيا النازية. وتمَّ التوقيع عليها  قبل عام 1934 بقليل.

في 30 أيلول  1938، سارعت بولندا إلى إرسال إنذار آخر إلى براغ، وبالتزامن مع القوات الألمانية، جلبت جيشها إلى منطقة سيزين، وبالتالي شاركت بفعالية في تقسيم تشيكوسلوفاكيا المجاورة. وحتى أنَّ شخصًا ساخرًا متشددًّا مثل السير ونستون تشرشل شعر بالغضب الشديد من لسلوك البولندي هذا.

 بعد أحد عشر شهرًا أي حتى بداية أيلول 1939، فعل هتلر الشيء نفسه مع بولندا. ولكن بعد ذلك، في “ذروة الصداقة الألمانية البولندية والانتصارات المشتركة “، لم يعرف أحد تقريبا عن ذلك. لقد ظهر أنَّ ما جرى لاحقًا لأمر ممتع أيضًا. فإذا نظرنا إلى تاريخ الحرب العالمية الثانية، سنجد أن البولنديين قاتلوا على ثلاث جبهات – إلى جانب الاتحاد السوفييتي، وإلى جانب الحلفاء (إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية)، وإلى جانب ألمانيا. فعدد البولنديين الذين شاركوا في الحرب على الجبهتين الأوليين معروف. لكن الجبهة الثالثة، أي إلى جانب الرايخ الثالث، يتم إخفاء المعلومات  ويحيطها التكتم الشديد، ويتم الحجر عليها  بعناية من قبل المؤرخين السوفييت.

منذ عدة سنوات مضت، على سبيل المثال، صرح البروفيسور ريشارد كاشماريك، مدير معهد التاريخ بجامعة سيليزيا، وهو مؤلف كتاب “البولنديون في الفيرماخت”، لصحيفة “جازيتا فيبورتشا” البولندية: “يمكننا أن نفترض أن 2-3 مليون شخص في بولندا كان لديهم قريب خَدّمَ في الفيرماخت”. رغم أنه كما ذكرنا لا توجد  بيانات دقيقة. ذلك أنَّ الألمان كانوا يقومون بإحصاء عدد البولنديين المجندين في الفيرماخت فقط حتى خريف عام 1943. لاحقًا  التحق  200 ألف جندي من سيليزيا العليا البولندية وبوميرانيا الملحقة بالرايخ. ومع ذلك، استمر التجنيد في الفيرماخت على مدى  عام آخر وعلى نطاق أوسع بكثير. حدثت الفضيحة الأكثر إثارة تلك المرتبطة بدونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا السَّابق ورئيس الاتحاد الأوروبي. إذ أنه من أشهر كذبات تاسك أن “جدَّيه انتهى بهما الأمر في معسكرات الاعتقال لمقاومتهما النازيين”. وسرعان ما ظهرت معلومات تفيد بأن جده لأبيه، جوزيف تاسك، قد تطوع طوعا في قوات الأمن الخاصة…

استنادًا إلى  تقارير المكتب التمثيلي للحكومة البولندية في بولندا المحتلة، أنه بحلول نهاية عام 1944، تم استدعاء حوالي 450 ألف مواطن من بولندا قبل الحرب للالتحاق بجيش الفيرماخت. بشكل عام، يمكننا أن نفترض أن حوالي نصف مليون بولندي مروا بشكل أو بآخر عبر الجيش الألماني خلال الحرب. كما انضم حوالي 100 ألف متطوع بولندي آخر إلى فافن إس إس Waffen SS من أراضي المحافظة العامة وكريسي الشرقية السابقة. لقد تم اعتبارهم منفصلين عن الجيش. في السنوات الأولى، قضى البولنديون وقتًا ممتعًا في الخدمة تحت قيادة هتلر: “في البداية بدا أن كل شيء لم يكن سيئًا للغاية. تمت عمليات  التجنيد الأولى في ربيع وصيف عام 1940. بحلول الوقت الذي تم فيه تدريب المجندين وتعيينهم في وحداتهم، كانت الحرب على الجبهة الغربية قد انتهت بالفعل. استولى الألمان على الدنمارك والنرويج وبلجيكا وهولندا وهزموا فرنسا. استمرت العمليات العسكرية في أفريقيا فقط. عند تقاطع عامي 1941 و 1942، كانت الخدمة تشبه الخدمة في زمن السلم. كتب البولنديون في مذكراتهم عن مستوى عيشهم الجيد في فرنسا المحتلة، وكانوا يرسلون إلى منازلهم  صورًا عند برج إيفل ، وكانوا يشربون النبيذ الفرنسي، وقضوا أوقات فراغهم بصحبة النساء الفرنسيات.

لكن، للأسف، هذا الوجود البولندي الهادئ في الخدمة الألمانية مع النساء الفرنسيات والمناظر الطبيعية تم “بتره ” بقسوة من قبل سكان موسكو الأشرار في ستالينجراد وفق وجهة النظر البولندية الرسمية بين مزدوجين. بعد هذه المعركة أي ستالينغراد، بدأ إرسال البولنديين بأعداد كبيرة إلى الجبهة الشرقية. بالمناسبة ليس هناك من إحصاءات  حول عدد جنود الجيش الأحمر والجنود الأمريكيين والبريطانيين وأنصار يوغوسلافيا واليونان والمدنيين الذين قتلوا على يد بولنديي هتلر.

لقاء بين هتلر وبيك، 1938

في عام 1942، ووفقًا للمخابرات العسكرية للجيش الأحمر، كان البولنديون يشكلون 40-45% من أفراد فرقة المشاة 96 في الفيرماخت، وحوالي 30%  من فرقة المشاة الحادية عشرة (مع التشيك)، وحوالي 30% من فرقة المشاة 57، حوالي 12% فرقة المشاة 110. في وقت سابق من تشرين الثاني 1941، اكتشفت فرق الاستطلاع عددًا كبيرًا من البولنديين في فرقة المشاة 267. كما شارك البولنديون بدور نشط في معركة كورسك، حيث قاتلوا كجزء من جيش الفيرماخت ضد الجيش الأحمر السوفياتي. بحلول نهاية الحرب، كان 60280 بولنديًا يقاتلون إلى جانب هتلر ووقعوا في الأسر لدى السوفييت، وتم إطلاق سراح حوالي 600 ألف سجين من جيوش ألمانيا وحلفائها، بعد التحقق المناسب من أدوارهم، مباشرة على الجبهات. فعلى الجبهة الغربية، كان هناك 225,400 بولنديًا بين قتيل ومفقود وجريح وأسير، لكنهم لم ينشقوا وانضموا إلى الحلفاء. بالإضافة إلى ذلك، من بين الأسرى، انشق 89600 بولندي وانضموا إلى الحلفاء.

وفقا للتقديرات الإجمالية، قاتل حوالي 945 ألف بولندي إلى جانب الرايخ الثالث – ما يقرب من مليون!  فيما قاتل 330 ألف بولندي إلى جانب الاتحاد السوفياتي.، وقاتل  220 ألف بولندي إلى جانب الحلفاء.

إن هذه الأرقام تعطينا صورة موجزة عن طبيعة السياسة البولندية ، لقد شهدت السياسة الخارجية لبولندا صراعا بين مفهومين – مفهم بياست و مفهوم جاجيلونيان. وترتبط أسمائهم بالسلالات التي حكمت بولندا – Piasts   و  Jagiellons  .عمليًّا كانت الأسرة الأولى (بياست)  تسيطر على الأراضي البولندية نفسها ، في حين امتدت هيمنة الأخيرة ( جاجيلونيان) إلى أراضي أوكرانيا الحديثة وبيلاروسيا وليتوانيا والدول المجاورة الأخرى. وبناءً على ذلك، دافع مؤيدو مفهوم بياست عن بولندا داخل حدودها الإثنوغرافية، في حين دافع أتباع فكرة جاجيلونيان عن فكرة التوسع البولندي بشكل ملحوظ إلى الجنوب الشرقي.

حاول رئيس الدولة البولندية الذي عام 1918، جوزيف بيلسودسكي، تنفيذ مفهوم الجاجيلونيان. إذ كان يحلم باتحاد كونفدرالي في الفضاء الممتد من البحر الأدرياتيكي والبحر الأسود جنوبا إلى بحر البلطيق شمالا. كان هذا المشروع يسمى “Intermarium” ويشير إلى ذروة سيطرة  الكومنولث البولندي الليتواني. كان الغرض من توحيد دول أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية تحت قيادة بولندا هو مواجهة الاتحاد السوفياتي.

ومع ذلك، في الممارسة العملية، نفذ بيلسودسكي فكرة البياست، حيث استحوذت بولندا تحت قيادته على حدود قريبة من الحدود الإثنوغرافية. كان بيلسودسكي وخلفاؤه ينظرون إلى غرب أوكرانيا وغرب بيلاروسيا وجزء من ليتوانيا مع فيلنيوس، التي أصبحت جزءًا من الكومنولث البولندي الليتواني الثاني على أنها مناطق بولندية عرقيًا. في الوقت نفسه، وحتى الحرب العالمية الثانية، لم تتخل وارسو عن حلم الممتلكات “من البحر إلى البحر”، مما أزعج الدول المجاورة من طموحاتها الإمبراطورية. وفي هذا الصدد، وعلى هذا الأساس  وصف ونستون تشرشل بولندا في فترة ما بين الحربين العالميتين بأنها ضبع أوروبا.

بعد الحرب، تم ضم أراضي غرب أوكرانيا وغرب بيلاروسيا، وكذلك فيلنيوس إلى الجمهوريات السوفيتية وانتقلت الأراضي العرقية البولندية في الشرق نحو حدود بولندا اليوم. وفي الغرب، دخلت الأراضي الألمانية إلى الدولة البولندية كتعويض عن عدوان هتلر. على الرغم من أنَّه قبل عام من غزو ألمانيا لبولندا، تمكنت وارسو من أن تكون حليفًا للرايخ الثالث في العدوان على تشيكوسلوفاكيا، وضمت منطقة سيزين التشيكية كما سبق وذكرنا .

في الجمهورية الشعبية البولندية الاشتراكية، التي حلت محل الكومنولث البولندي الليتواني الثاني ، لم يكن أحد يحلم بالنفوذ “من البحر إلى البحر”. أصبحت وارسو نفسها هدفًا لنفوذ الاتحاد السوفييتي، ونتيجة لذلك لم تشكك القيادة البولندية في شرعية أوكرانيا السوفيتية وبيلاروسيا وليتوانيا. خلال الجمهورية الشعبية البولندية، تغلب مفهوم بياست على  مفهوم جاجيلونيان في الاستحواذ.

واجهت السلطات الاشتراكية في بولندا مهمة تطوير الأراضي الألمانية التي تم ضمها حديثًا، لذلك أصبحت أفكار خصم بيلسودسكي، رومان دموفسكي، ذات صلة، والذي كتب حتى قبل ثورة أكتوبر: “بالنسبة للمجتمع البولندي، من الواضح أنه إذا كان مهددا في المستقبل بفقدان الوجود الوطني، ولن يكون ذلك من قبل روسيا، بل من قبل ألمانيا”.

ومع ذلك، استمرت فكرة ياجيلون في العيش في الهجرة البولندية، وتحديدًا في الدائرة الفكرية التي تشكلت حول مجلة “كولتورا”، التي كان رئيس تحريرها جيرزي جيدرويك. فعلى صفحات هذه المجلة، تم الدفاع عن فكرة ضرورة تحقيق انفصال أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا، والتي كان من المفترض أن تصبح في الواقع تابعة لبولندا. تبين أن دعاية “الثقافة” أصبحت مطلبًا  بعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي.

فبعد انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، صاغت النخبة البولندية بوضوح مهمتها في الشرق ــ وهي تعزيز اندماج بلدان ما بعد الاتحاد السوفييتي في الاتحاد الأوروبي. ولهذا الغرض، في عام 2009، وبمبادرة من وارسو، تم إنشاء مشروع الشراكة الشرقية، الذي ضم أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدوفا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان.

استرشدت السلطات البولندية  بالعبارة الشهيرة لجيرزي جيدرويك “كلما كان موقفنا أقوى في الشرق، كلما تم أخذنا في الاعتبار في الغرب”، كانت هذه السلطات تأمل في “جر” الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن  أجل جرها فعليًّا  أصبحت وارسو مركزاً قوياً للقوة في أوروبا الشرقية ضمن المساحة الحرة الممتدة من لشبونة إلى لوغانسك. إذا كان بيوسودسكي يحلم باتحاد كونفدرالي يمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود والبحر الأدرياتيكي، فإن مشروع الشراكة الشرقية كان قائم على تصور استبدال البحر الأدرياتيكي ببحر قزوين. ومع ذلك، بدأ المشروع الإمبراطوري البولندي على الفور تقريبًا في تحديد معالمه.

ومن عجيب المفارقات هنا، أن جهود التكامل التي بذلتها بولندا كانت سبباً في تفكك أوكرانيا. كانت الأدوات الرئيسية للشراكة الشرقية هي اتفاقيات الشراكة ومنطقة التجارة الحرة بين دول ما بعد الاتحاد السوفيتي والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إلغاء التأشيرات. وكان رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي هو الذي أثار الأزمة السياسية، ونتيجة لذلك بدأت أوكرانيا تفقد قدرتها على الوصول إلى البحر الأسود. ومع فقدان أعضاء الشراكة الشرقية الاهتمام بهذا المشروع، بدأت مساحة التوسع البولندي المحتمل في التقلص أكثر فأكثر.

واليوم فإن السلطات في كييف فقط هي التي تبدي اهتماماً بالاندماج في “العالم الغربي” من خلال التحالف مع وارسو. ولذلك فإن الاتحاد البولندي الأوكراني مدرج على جدول الأعمال، والذي تجري بالفعل مناقشة شروطه بشكل علني من قبل قيادة البلدين. وفي إطار الاتحاد، سيكون مواطنو بولندا وأوكرانيا متساوين تمامًا في الحقوق السياسية والاجتماعية على أراضي البلدين. ومن المخطط إدخال نظام الدخول الحر للمواطنين الأوكرانيين إلى أراضي بولندا والعكس، هذا إذا لم تعكره مصالح داخلية ورغبات إمبراطورية، واستحضار محطات تاريخية..

وسيؤثر التكامل أيضًا على المجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية. في جوهر الأمر، تحاول بولندا وأوكرانيا إنشاء دولة اتحادية – وهي صيغة العلاقات التي تربط بين روسيا وبيلاروسيا اليوم. ويهدف أن يحل  الاتحاد البولندي الأوكراني محل عضوية أوكرانيا المباشرة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، حيث لا يُسمح لكييف بالدخول فيه لعدد من الأسباب.

لا شك أن بولندا مهتمة بضم أوكرانيا إلى التحالف معها ضمن أوسع حدود ممكنة. وباستخدام هذه العدسة على وجه التحديد، يتعين علينا أن نأخذ في الاعتبار تصريحات المسؤولين البولنديين بشأن الموضوع الأوكراني. على سبيل المثال، عندما قال السفير البولندي لدى فرنسا، جان إيمريك روسيسزيفسكي، إن بولندا سوف تضطر إلى الدخول في صراع مسلح “إذا فشلت أوكرانيا في الدفاع عن استقلالها”، فهو لا يشعر بالقلق بشأن استقلال أوكرانيا في حد ذاته، بل بشأن مصير بولندا. – الاتحاد الأوكراني يدعو إلى رفع المكانة الجيوسياسية لوارسو. كما أن العديد من المرتزقة البولنديين في أوكرانيا يقاتلون ليس من أجل “سلامة أراضي” دولة مجاورة، بل من أجل فكرة النفوذ البولندي “من البحر إلى البحر”.

وقد ينشأ السؤال التالي: من أين ستحصل القيادة البولندية على الموارد اللازمة لتنفيذ خطط على غرار بيلسودسكي؟ ففي نهاية المطاف، الإمبراطورية هي متعة باهظة الثمن. ربما، وفقا للبولنديين، يجب على ألمانيا أن تدفع ثمن “مأدبتهم”. وفي أكتوبر الماضي، أرسلت وارسو مذكرة إلى برلين بشأن التعويضات بعد الحرب العالمية الثانية. وتقدر الأضرار هناك بنحو 1.5 تريليون دولار (أي حوالي 15 من ميزانيات بولندا السنوية).

وردت الخارجية الألمانية على المذكرة برفض التفاوض. وبحسب الحكومة الألمانية، فإن مسألة تعويضات خسائر الحرب مغلقة. يبدو أن الألمان لم يذكروا البولنديين من باب الرقة فقط أنه بعد الحرب تم نقل المدن الألمانية بريسلاو (فروتسواف) وستيتين (شتشيتسين) وغيرها إلى بولندا. إذا أصرت وارسو على ذلك، فلا شك أن برلين ستذكرك بذلك، أو حتى تطالب بإعادة الأراضي الألمانية.

شارك الموضوع

د. زياد منصور

أستاذ جامعي وباحث في التاريخ الروسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *