مُحاورَات على شُرفات قصر الحَمْرَاء مع الشّاعر أدونيس

مُحاورَات على شُرفات قصر الحَمْرَاء مع الشّاعر أدونيس

 د. محمّد محمّد خطابي

خلال أحد لقاءاتي ومُحاورَاتي على ضفاف شُرفات قصر الحَمْرَاء بغرناطة الفيحاء مع الشّاعر السّوري الكبير علي أحمد سعيد إسبر ـــ أدونيس، وأثناء دردشة خاصة لي معه ونحن جلوسٌ والشفق الغرناطي البهيج يعلن انصرام يوم، وانسدال ستائر الليل الجميل في تؤدةٍ، وتأنّ، ورفقٍ، وهدوء على آكام ومرتفعات حدائق “جنّة العريف” الغنّاء، إذا بصوتٍ شاعري صادحٍ رخيم ينتهي إلينا من بعيد، من وراء الأفق الأحمر القاني البعيد يترجىّ الشمس المائلة نحو المغيب أن تتمهّل وأن تتأخر قليلاً عن   الغروب :

يا شمس العشيّة أمهلْ لا تغبْ بالله رفقا

هيّجتِ ما بيّا حتى زدتني في القلب شوقا

وفي تلك الأمسية الحالمة، في مدينة السِّحر والعِطر والصّبا والصّبايا الحِسان والجَمال الظاهر والحُسن الباهر، أطلّ علينا على حين غرّة طيف  شاعرٍ أندلسيٍّ آخر وهو ابن سهل الإشبيلي مشرئبّاً بعنقه من على أكمة  قصر الحمراء، وكأنّي به  يخاطب أدونيس صادحاً :

كيف خلاص القلب من شاعرٍ رقت معانيه عن النقد يصغر نثر الدرّ من نثره  ونظمه جلّ عن العقد.

 ويضيف:

أنظر إلى لون الأصيل كأنّه 

لا شكّ لون مودّعٌ لفراقِ

والشّمس تنظر نحوه مُصفرّة

قد خمشت خدّاً من الإشفاقِ

لاقت بحُمرتها الخليج فألف 

خجل الصّبا ومدامع العشاقِ

سقطت أوان غروبها مُحمرّة 

كالخمر خرّت من أنامل ساقِ.

يؤكد أدونيس وسواه من الشعراء في الماضي والحاضر والآتيّ أنّ غرناطة هي حاضرة الشعر والأدب والإبداع من دون منازع في إسبانيا، كلّ ركن من أركانها يبدو وكأنه عالم سحري رومانتيكي حالم، حافل بالأساطير والخيال، يفوح بعطر الشعر، وعبق التاريخ، فقد كانت هناك دائماً صلة وثقى، وآصرة لا انفصام لها بين هذه المدينة وبين الشعر وقصر الحمراءوشعراؤه ابن زمرك وابن سهل ولسان الدين ابن الخطيب وابن الجيّاب ومرافقه جنّة العريف وحيّ البيّازين وفيدريكو غارسيا لوركا من العلامات البارزة التي تؤكد هذه الحقيقة، ناهيك عن ماضي المدينة الزاهر إبّان الوجود العربي والأمازيغي فيها، حيث ازدهرت مختلف أنواع العلوم والمعارف، وفنون القول والإبداع وفي مقدّمها الشعر والموسيقى، وها هي ذي حيطان الحمراء تقف شامخة شاهدة على ذلك، فقد خلدت جدرانها عدداً من القصائد الشعرية الرقيقة، لهؤلاء الشعراء الأندلسيين المجيدين، الذين نُقشت أشعارُهم على أعمدة جدران هذه المَعْلَمة الحضارية والعمرانية الرائعة، أو عُلِّقت كما كانت تعلق قديماً قصائد أصحاب المعلّقات أوالمذهّبات على الكعبة، وقصائد شعرائنا الأندلسيين ما زالت موجودة إلى يومنا هذا ماثلة أمامنا وأمام الفيض الهائل والكبير من الزوار الذين يتقاطرون على «الحمراء» كل يوم من مختلف أصقاع العالم. وفي المكان نفسه الذي اغتيل فيه زنبقة الشعر الإسباني المعاصر فيدريكو غارسيا لوركا، وكذا في منزله بفوينتي باكيروس ما فتئت تُنظّم قراءات شعرية، وتُقام عروض موسيقية على امتداد الحول تقديراً للشعر ولعبقرية هذا  الشاعر الفذ 

لغة الضاد ولغة سيرفانتيس

الشاعرة الإسبانية راكيل لانسيروس عندما ألقت على ادونيس ذات مرّةٍ جملةً من الأسئلة حول مختلف المجالات التي لها صلة بالشعر، والإبداع على وجه العموم، وبعض مشاغل واهتمامات حياتنا المعاصرة في العالم العربي بوجه خاص، قال الشاعر أدونيس متحدّثاً بلغة «بودلير» مخاطباً الحضور الذين كان معظمهم من الاسبان: “كان بودّي أن أتحدث إليكم باللغة العربية لا بلغة ” موليير”، لأن العربية أعطت الكثير للغة الإسبانية، كما أن الشعراء العرب تعلّموا الكثير من الأندلس التي نحبّها كثيراً”.

وجّه أدونيس في مستهلّ كلامه تحية حرّى إلى الشعراء الاسبان ثم قال: “دعوني أؤكّد لكم لا السياسة، ولا التجارة تعبّران عن هوية شعب ووجدانه، فالذي يعبّر تعبيراً حقيقياً عن هوية شعب هو الخلق والإبداع، والشعر هو أسمى وسائل التعبير في مختلف المجالات وهو أعلى منازل الإبداع، هناك أناس يكتفون بالنظر إلى العالم، وهناك أناس آخرون وهم الشعراء يذهبون إلى أبعد من ذلك، إنهم يحاولون الدخول في عقول القرّاء وقلوبهم، ويعملون على تحويل العالم إلى مكان أكثر أمناً وشاعرية. فالشاعر هو شاهد على كلّ ما هو حقيقي أو مخادع، ومن ثمّ يأتي إهتمامه وانشغاله بالكائن البشرى”.

ويؤكّد أدونيس: إن الشعر يتجاوز الكلمات وهو ضربٌ من ضروب الوجود، ذلك أن دور الشاعر هو الكفاح الدائم، ودعم الثورات الحقيقية”. ويُضيف – مُجيباً على أسئلة الشاعرة الاسبانية راكيل -:”  إنّه لم يساهم بمفرده في تطوير الشعر العربي ـ كما ذهبت  الى القول الشاعرة الآنفة الذكر ـ بل هناك شعراء كبار كثيرون تعلّم منهم. فقد رافقه شعراء آخرون قبله وبعده  من الذين ساهموا  بالفعل في تطوير الشعر العربي الحديث”.

وأردف أدونيس قائلاً: “إن الشعر بالنسبة إليه هو الحب، وهو أبعد من الكلمات والتعبير،وإنه يكتب ليعيش أحسن، وليتفاهم أكثر ولكي يفهم الآخرين والعالم الذي يعيش فيه، وهو لا يستطيع العيش من دون شعر، والخلق أو الإبداع عنده هو التعبيرعن مختلف ميادين الأدب،  من شعر، وتشكيل، وموسيقى ومسرح والإبداع الحقّ هو إعطاء صورة حقيقيّة للعالم، وخلق صورة جديدة للكلمات”. وقال: “ينبغي لنا تغيير العلاقات بين العالم وبين النصّ والشعراء والإبداع في جميع الميادين، والقصيدة ليست إنتاجاً، التصنيع هو إنتاج، فالشّعر إبداع، والشعر رحلة جوّانية للبحث عن صورةٍ أكثر إنسانية للعالم الذي يحيط بنا”.

جوهر الصّداقة والصّديق

وذكّر أدونيس الحاضرين إنه هاجر من بلده سورية عام 1956، وهو يقيم في فرنسا منذ أوائل الثمانينات من القرن الفارط، وهو مناهض للأيديوجيات التي تستأثر بالسلطة، ولا تولي أهميّة لتغيير المجتمع، ليصبح أكثر عدالة وأكثر حرّية”. وتحدّث أدونيس عن فصل الدّين عن الدولة. وقال إن الإسلام عقيدة وثقافة، ولا ينبغي أن يُستعمل لأهداف سياسية، وهو يتفهم الحركات التي عرفها العالم العربي، وأن الشباب العربي قام بحراكٍ  رائع، وعلى الرغم  من العراقيل فإن الشباب سيستمر في هذه الثورة. وقال أدونيس: “إنّه ينبغي على الشعراء والكتّاب أن يقفوا إلى جانب المقهورين، وهو ضدّ التدخلات الأجنبية، والأميركية على وجه الخصوص، وأن هذه التدخلات لا يمكن لها أن تفضي سوى إلى مزيدٍ  العنف”. وضرب أدونيس مثالاً بالأوضاع التي عاشتها العراق واليمن وليبيا وتونس وإن الغرب يتظاهر أنه يدافع عن الحريات وحقوق الإنسان بقدر ما يدافع عن مصالحه الاستراتيجية وعن البترول والغاز والطاقة”.

وقال في هذه الأمسية الغرناطية الغراء: “إن الشعب الفلسطيني الذي طُرد من أرضه منذ عقودٍ بعيدة لا يقول عنه الغرب شيئاً، ولا يفعل شيئاً للدفاع عن حقوقه المهضومة”، ودافع أدونيس عن حرّية المرأة وقال: “لا يمكن أن يكون هناك مجتمع حرّ من دون حرّية المرأة”.

وعاد أدونيس إلى الشعر، فقال إن “الشعر تقليد مشترك بيننا وبين الإسبان، وهو يشعر أن فيديريكو غارسيا لوركا، وسائر الشعراء الإسبان هم عرب، مثلما يشعر هو بأنه شاعر إسباني”، وقال إن “الشعر يمحي ويزيل الحدود بيننا”، واستشهد أدونيس بـالعالم “التوحيدي” الذي كان يقول: “الصّديق هو الآخر، وهذا الآخر هو أنت نفسك، وهكذا يغدو الآخر عنصراً مكوّناً أو مُؤسّساً للأنا، والشعر هو الذي يلقننا ذلك “.

سَردُ العالم يعني نَسْخُه والشِّعر إبداعٌ حقيقيّ

ويرى أدونيس أن “الروائيين ليس لهم أيّ تأثير كبير في المجتمع المعاصر، حتى وإن كان لهم قرّاء أكثر ممّا لدى الشعراء، فالروائيون يمرّون في عقول القرّاء بطريقة أفقية وسطحية، وهم يؤثّرون في القرّاء المستهلكين، أما الشعراء فإنهم يؤثّرون في القراء المبدعين، فسرد العالم يعني نسْخُه وإذا كنا ما نقوم به هو إستنساخ الحياة، فإننا لا نقوم بأيّ شئٍ حقيقي، فالفن والإبداع ينبغي لهما خلق طاقة منتجة والشعر يتميز برؤيا خاصّة وشاعرية نحو العالم”.

وعندما سئل أدونيس ــــ خلال هذا المهرجان الشعري الغرناطي الدولي ــــ عن دور الشعر في المجتمع المعاصر، قال: “الآن يبدو أنه لم يعد للفلاسفة والعلماء ما يقولونه ولكن الشعراء نعم”. وهو يرى أن الشعر لا ينطوي على جانب علمي، ولهذا فقد لا يكون في مقدوره تغيير العالم، إلاّ أنه يمكنه تغيير رؤية الإنسان حيال هذا العالم. وقال إن علاقته بالشعر هي أكثر غنىً وثراءً الآن ممّا كانت عليه عندما بدأ ينظم الشعر منذ سنوات بعيدة خلت، وطالب أدونيس بمزيد من الحوار البنّاء، والتفاهم المتبادل، وقال إن لديه الثقة الكاملة في الطاقات البشرية المتوفرة في حوض المتوسّط شريطة ألا نظلّ حبيسي السياسة والتجارة والعسكرة، وقال “يبدو للناس أن هناك ثقافة متوسطية واحدة، ولكن هذا ليس صحيحاً، فالمتوسط يقدم لنا تنوعاً وثراءً رائعين، ولهذا ينبغي لنا أن نهتدي لتوفير مزيدٍ من الحوار والتفاهم بيننا “.

مأساة الهجرة والمُهجّرين

وقال الشاعر أدونيس إنه عندما يرى آلاف الأشخاص من المهاجرين أو بالأحرى المُهجَّرين واللاجئين يتسكّعون في الطرقات الأوروبية بحثاً عن مأوى أو  ملجأ وهم يسامون سوء المعاملة من طرف الأوروبيين الذين يتردّدون في قبولهم، يشعر أننا أمام مأساة عالمية حقيقية. ووجّه أدونيس تحية إلى ألمانيا التي قال عنها إنها كانت من أكثر الأقطار الأوربية كرماً، حتى وإن لم تكن قد استعمرت البلدان العربية، وأما الدول التي استعمرت البدان العربية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا، فقد كانت أقلّ كرماً من ألمانيا. وهو يرى أنّ الثقافة أمر ينقص العرب، كما ينقصهم العمل كذلك، فالبطالة تعتبر مشكلة كبرى، فضلاً عن المشكلات الاجتماعية والقبلية والاعتقاد والروابط الأسرية والعرقية كلّ هذه العناصر ما زالت هناك”.

أدونيس وكتابه المثير للجدل

عندما صدرت الطبعة السويدية لكتابٍ أدونيس “العنف في الإسلام” المثير للجدل كان قد استقبل بحفاوة وترحاب بالغيْن في هذا البلد المنظِّم والمانِح لجائزة نوبل العالمية (التي رُشّح لها أدونيس مرّاتٍ عديدة) ولكنه لم يحظ بالحصول عليها حتى اليوم، كان الأستاذ المتخصّص في علم الإسلاميات في جامعة “لوند” ريكارد لاغرفال قد كتب عن كتاب ادونيس مقالاً نقدياً لاذعاً بعيداً عن أيّ  محاباة أو إطراء.

ويشير هذا العالم إلى أن أدونيس يقرّر في هذا الكتاب أنه لا إبن رشد، ولا إبن سينا، ولا الراوندي كانوا مسلمين بالمعنى الحقيقي. كما يشير أنه لم يوجد في أي وقتٍ شاعر عربي كبير ولا متصوّف ولا فيلسوف مسلم صادق الإيمان، إذ إنّهم اتّسموا في نظره برفض الشريعة. ويشير ريكارد لاغرفال إلى أن ذلك قد يمكن أن ينطبق على الفيلسوف الراوندي الذي رمي بالإلحاد، علماً أن معظم أفكاره كانت قد روّجتها كتب خصومه ومناوئيه. كما اتّسمت آراء أدونيس في السياق نفسه بنوعٍ من المبالغة، والمغالاة حيال هؤلاء المفكّرين المسلمين الآنفي الذكر مضافاً إليهم المتصوّف الشهير ابن عربي المُرسي نسبة إلى مدينة مرسية الإسبانية صاحب “الفتوحات المكية” وسواهم. ويعتب الأستاذ ريكارد لاغرفال على أدونيس كونه لم يتعرّض في كتابه لموضوع حّرية المرأة، ولا إلى نضالها في مختلف بلدان المشرق العربي. كما أنه لا يتعرّض بتاتاً للنقاشات الحامية الوطيس التي دارت رحاها حول هذا الشأن خلال القرون أو بالأحرى العقود الأخيرة التي خلت. ويشير عالم الإسلاميات لاغرفال في ذيل مقاله إلى أن أدونيس عندما يتحدّث كشاعر يكون في وضعٍ مريح، إلّا أنه عندما ينأى عن المجال الشعري يغدو عكس ذلك. تُرى ماذا كان ردّ فعل أدونيس من هذه التصريحات التي كالها له من دون رحمة الأستاذ المتخصّص في علم الإسلاميات في جامعة “لوند” ريكارد لاغرفال عن كتابه الآنف الذكر؟!

Visited 14 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا