جاك بيرك.. شيخ العرب (2-2)

جاك بيرك.. شيخ العرب  (2-2)

 جورج الراسي

باريس في سبعينيات القرن الماضي

   كانت تغلي فرنسيا… وكانت تغلي عربيافرنسيا كانت تعيش تبعات وارتدادات الثورة الطلابية لعام 1968 التي انتهت بخروج شارل ديغول من السلطة عام 1969، بعد خسارته لاستفتاء حول السلطات المحلية، وحلول جورج بومبيدو مكانه… تلك الثورة التي قلبت العلاقات الاجتماعية رأسا على عقب… حتى وصلنا اليوم إلى رئيس وزراء مثلي ويفتخر… ويعين “زوجه” وزيرا للخارجية…!

عربيا أصيبت الأمة العربية عام 1967 بهزيمة نكراء كسرت عظامها إلى أجل غير مسمى فيما عرف بـ”حرب الأيام الستة”، وكانت في الواقع “حرب الساعات الست”، التي كانت كافية لتدمير سلاح الجو المصري واحتلال سيناء والقدس والجولان… في الخامس من حزيران/ جوان من تلك السنة المشؤومة… ولم تكن جراح الانفصال، وسقوط تجربة الوحدة بين سورية ومصر قد اندملت بعد ..

واكتملت المأساة عام  1970برحيل جمال عبد الناصر، و”أيلول الأسود” في عمان، ثم حرب 6  أكتوبر 1973  التي ابتدأت حرب تحرير” وانتهت “حرب تحريككيسنجيرية، شقت ما تبقى من صفوف العرب وانتهت فصولا في  كمب ديفيد”.. وما تلاها من اندلاع “أحداث لبنان” 1975 لمدة خمسة عشر عاما، وصولا إلى الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980، وغزو الكويت… وتدمير العراق

لكن السبعينيات كانت العلامة الفارقة  فبعد رحيل عبد الناصر انكسرت النخوة العربية، و”هج” عديد من المثقفين المصرييين إلى باريس…

ثم ما لبث أن تبعهم كل ما كانت تحويه بيروت من جمال وإبداع مع اندلاع حرب المجانين عام 1975

كنت هناك في تلك السنوات… في مدينة Strasbourg أولا، ثم في باريس

على هذا الركام بنى  Jacques Berque مملكته، فتحلق حوله المثقفون من مختلف الأقطار ( وأنا منهم)، ودخلنا مرحلة المراجعة و لملمة الجراح… فتحقق حلم “شيخ العرب” ودخل المعمعة بكل جوارحه

 من “فرندة” إلى جبال الأطلس..

   رأى Berque النور في 4 حزيران / جوان 1910  في بلدة “فرندة” التابعة لولايةتيارت “الجزائرية في يوم “كانت سماؤه زرقاء”، وتوفي عام 1995 في قريته Saint-Julien –  en Borne  التابعة لمقاطعةLes Landes  جنوب – غرب فرنسا، القريبة من مدينة Bordeaux   

عندما بلغ العشرين من العمر، نصحه والده Augustin  الذي كان يعمل مع الإدارة الاستعمارية، والمتخصص في علم الأنتروبولوجيا، بالتوجه إلى باريس للحصول على إجازة في الآداب الكلاسيكية في السوربون

لكنه بعد عامين شعر بالضجر، و قرر العودة إلى بلدته فرندة”، كان ذلك في العام 1932 .

ولكي يبدد ضجره، أرسله والده عند أحد أصدقائه، زعيم إحدى القبائل في الهضاب العليا في جبال الحضنة”، حيث عاش عيشة الرحل تحت الخيمة، يجوب سهول المنطقة على ظهر فرسه… وخرج حينها بقولة تقول: “… إذا أردت أن تفهم الناس… فيجب قبل كل شيء أن يتقبلوك..“…

عام 1934 ، جاءت النقلة من الجزائر إلى المغرب حيث عين مراقبا مدنيا علىالمحاكم المحلية المغربية”، وانتهى به الأمر مساعدا لرئيس بلدية فاس

لكن بين عامي 1946 و1953 نقل إلى إحدى دوائر الأطلس الأعلى، فيما يشبه عملية الإبعاد، نظرا لتقاعسه في تطبيق توجيهات الإدارة الآستعمارية… لكنه استفاد من تلك النقلة لكي يدرسالنظام الحقوقي” الذي ينظم العلاقات الإجتماعية داخل القبائل وكيفية توفيق القضاة بين القواعد والعادات المتبعة، وبين الشريعة الإسلامية.

وقد تعمق في دراسة هذه الظواهر في جامعة “القرويين” في مدينة فاس. كانت تدهشه شخصية “القاضي” القادر على دمج مقتضيات الدين مع عادات القبائل… ورأى في ذلك مشهدا مذهلا من مشاهد الاجتهاد”… وانتهى به الأمر إلى وضع أطروحته حولالبنى الاجتماعية في الأطلس الأعلى”

وبمجرد الانتهاء من دراسته أرسله المدير السابق لمنظمة اليونيسكو  René Maheu  في مهمة استطلاعية إلى كل من مصر ولبنان… وكان يحتقر علماء الأنتروبولوجيا في الغرب الذين يجهلون اللغات واللهجات المحلية

في عام 1957 تمت تسميته في الـ Collège de France  حيث احتل مقعد التاريخ الاجتماعي للإسلام المعاصر ”  L’ Histoire sociale de l’islam contemporain..

(المكتب رقم 10 ).

وظل في هذا الموقع حتى إحالته على التقاعد عام 1980

وقبل وفاته عام 1995 ترك وصية يهدي فيها جميع كتبه والمخطوطات التي تركها ومكتبته التي حوت نحو 30 ألف كتاب، إلى مسقط رأسه مدينة فرندة في ولاية تيارت.. وقد حرصت أرملته جوليا على تنفيذ وصيته ثلاث سنوات بعد وفاته حين تم تدشين “مكتبة جاك بيرك” في فرندة، بوصفها ملحقة تابعة للمكتبة الوطنية

بالمناسبة فإن ولاية تيارت هي ولاية ابن خلدون، كما هي مسقط رأس رئيس الوزراء السابق عبد العزيز بلخادم، وهو صديق عزيز اعتز بصداقته

وتاريخيا، هي الولاية التي احتضنت اكبر دولة للخوارج في المغرب العربي، وهي الدولة الرستمية التي أسسها عبد الرحمن بن رستم عام 761. وهي محجة لثلاثة أولياء صالحين نشروا القباب على هضابها…  

كمال جنبلاط بين المجددين الخمسة الكبار

يتوقف بيرك كثيرا عند ضرورة التجديد في الإسلام فيم يسميه “إسلام الانوار  L’ Islam   des Lumières.  ويعطي امثلة كثيرة على محاولات مهمة في هذا المجال أهمها خمسة في رأيه :

 المحاولة الأولى التي اتخذت طابعا ليبراليا وبورجوازيا تمثلت بشكل أساسي في أعمال طه حسين

 المحاولة الثانية كانت تسعى إلى التوفيق بين الإسلام والماركسية في آسيا الصغرى، ومن أبرز الذين قاموا بها سلطان عالييف، لكن الستالينية أسقطتها

 المحاولة الثالثة جرت في الهند حيث سعى أحد كبار مفسري القرآن لإيجاد نقاط التقاء مع الهندوسية، فيما يشبه الوصول إلى دولة علمانية… وقد عين ذلك المفسر وزيرا بعد الاستقلال

 المحاولة الرابعة تعود إلى الشاعر الكبير إقبال الذي تأثر بالصوفيين الفرس وبأفكار الأوروبيين، دون التخلي عن الاورتوذكسية الدينية.. وهو صاحب كتاب صدر في ثلاثينيات القرن الماضي بعنوان “إعادة بناء فكر الإسلام”.

 أما المحاولة الخامسة فصاحبها الزعيم اللبناني كمال جنبلاط، ومسمى للتوفيق بين الإسلام والديموقراطية، مستوحاة من مسيرة غاندي الذي كان جنبلاط يستمد الوحي منه في زياراته السنوية إلى الهند. والواقع أن بيرك كان شديد الإعجاب به

وهو يستعيد صفحات خالدة من تاريخ الإسلام قائلا ان المسلمين إلى عهد المأمون كانوا أناسا يجتهدون ويفكرون ويترجمون أهم النفائس العالمية… ويضيف أن التمسك بالأصالة يجب أن يكون دافعا إلى الاجتهاد وأداة للأخذ بأسباب العلم والتكنولوجيا…

العربي الأخير

   كان بيرك يعول كثيرا على تجربتين في العالم العرب هما تجربة مصر الناصرية، وتجربة جزائر بومدين… ونحن نعرف كيف انتهت هاتان التجربتان

وهو عندما يتكلم عن العرب تخاله منخرطا في احد التنظيمات القومية. فطالما دعا إلى الوحدة العربية معتبرا  “أن حل أزمة الشرق الاوسط… يمر عبر الوحدة العربية “.

في عام 1969  حل ضيفا على مجلس الأمة المصري، واختصر الوضع بقوله: أن الداء قديم… الصهيونية أعدت نفسها بإستراتيجية ونسقت جهودها مع الاستعمار العالمي القديم والحديث طبقا لمتطلباتها، وعلى العكس من ذلك لم يتغق العرب على استراتيجية مقابل استراتيجية الصهيونية وإسرائيل، وربما لم يفكروا حتى في وضع هذه الاستراتيجية …”

ويذهب ابعد من ذلك حين يقول إن حل أزمة الشرق الاوسط يمر عبر الوحدة العربية “…. أين نحن من هذا كله في زمن الحروب الأهلية العربية..؟

ولا أعرف كيف نجا من تهمة معاداة السامية حين تساءل في مقابلة له تعود إلى العام 1978، ” 100 مليون عربي سيحلون القضية الفلسطينية… هذا ما يرددونه باِستمرار     لكن يجب على هذه القوة المعنوية  الشفهية في جميع الأحوال     أن تؤثر في الأحداث، وتلغي الصهيونية من الخريطة نهائيا “…  

 هيهات…!!

   ويتساءل في مكان آخر: هل تستحق فرنسا مصيرها العربي؟

رحل بيرك الآن، ولكنه ظل شيخ العرب حتى آخر لحظة من حياته… وتمسك بعاداتهم… حتى أنه اطلق على ابنه اسم والده : Augustin….

والولد سار على خطى أبيه، فاختار الاستشراق… لكن إلى الصين هذه المرة… لعل حظه يكون أفضل.. ولسان حال العائلة يقول:

أطلب العلم ولو في الصين”…!

شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *