هل تساهم الأونوروا في تأبيد كرنفالات إبادة الفلسطينيين؟

هل تساهم الأونوروا في تأبيد كرنفالات إبادة الفلسطينيين؟

  سعيد بوخليط

     في خضمِّ تنامي متواليات بهيمية العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وقد تخلَّص تماما أصحابه ومهندسوه من أيِّ كابح إنساني، وأمام تجليات سادية “أسياد” هذا العالم، ثم جراء كل عذابات الفلسطينيين التي تتداعى بخصوصها الجبال، لم تتردَّد أمريكا يوم 27 يناير الأخير، كي تضرم مزيدا من الحرائق بين ثنايا الجرح الفلسطيني، ودقِّ حفنة مسامير أخرى في نعشه، خلال ظرفية دقيقة للغاية، كمْ تبدو معها البشرية في أمسِّ الحاجة إلى آثار إنسانيتها، مادامت وحدها الخلاص والملاذ، دون شيء ثان، فأعلنت وقف دعمها المادي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة اختصارا بوسم الأونوروا.

مبرِّرات القرار الأمريكي المجحف جدا، تسنده فقط ادعاءات إسرائيلية؛ لازالت تحتاج إلى حجج وبراهين ملموسة، مفادها أنَّ اثني عشر من موظفي المؤسسة الأممية الإنسانية، تورطوا في عملية طوفان الأقصى، التي نفذتها كتائب عز الدين القسام صبيحة يوم السبت سابع أكتوبر 2023.

ضربة أمريكية موجعة بلا أدنى شك، بحيث استمرت خدمات الأونوروا منذ واقعة النكبة عبر أجيال مختلفة سواء بالنسبة للفلسطينيين داخل غزة والضفة الغربية، وكذا باقي بلدان مخيمات اللاجئين على امتداد بلدان الشتات المجاورة، في لبنان، سوريا، الأردن، تمثِّل إحدى مرتكزات المعيش اليومي والأولي، بالنسبة للفلسطيني اللاجئ، الذي يحيا فقط معنويا على ترياق نوستالجيا العودة إلى بيته وأهله وجيرانه.

تأسَّست الأونوروا يوم الثامن ديسمبر 1949، بموجب قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة قصد توفير مختلف خدمات الإغاثة على مستوى التعليم، الصحة، الخدمات، الاجتماعية، للفلسطينيين اللاجئين المسجلين ضمن قوائمها، الذين تنطبق عليهم حيثيات القرار الأممي 194، الصادر عام 1948، أي كل من عاش في فلسطين الخاضعة للانتداب بين يونيو 1946 ومايو 1948، ثم ضاعت ممتلكاته ومدخراته بسبب اندلاع الصراع العربي- الإسرائيلي.

فعليا، تبلور مشروع الأونوروا يوم 1 مايو 1950، كي توفر خدماتها بالتعاون مع الحكومات المحلية لنحو 5.9 مليون فلسطيني، لاذوا إلى ثمان وخمسين مخيم ترامت أطرافها بين: لبنان (12)، الأردن (10)، سوريا (9)، الضفة الغربية (19)، قطاع غزة (8).

تشرف هياكلها التنظيمية، بواسطة خبرة ثلاثمائة ألف موظف وموظفة انطلاقا من عواصم مركزية في فيينا، عمان، بروكسيل، القاهرة، نيويورك، واشنطن، لكن بالتنسيق مع الحكومات المحلية، على تدبير حاجيات تسعمائة مرفق اجتماعي، قوامها المدرسة التعليمية والعيادة الصحية ثم مراكز التأهيل المهني.

الأونوروا التي احتفلت خلال شهر ديسمبر الماضي بالذكرى الثامنة والستين لميلادها، اعتمدت دائما بخصوص موارد تمويل خدماتها الإنسانية على رافد تبرعات مالية  توفرها دول العالم؛ تقارب مستوى 93 %، نجد في طليعتها أمريكا بمساهمات مالية تبلغ  %45، تحديدا مائة وثلاثين مليون دولار، فالاتحاد الأوروبي برصيد يقارب مائة وستة مليون دولار، ثم تأتي بعد ذلك إنجلترا، الدول الاسكندينافية، اليابان، كندا، دول الخليج. 

رفضت دولتا النرويج وإسبانيا مبدئيا القرار الأمريكي الأخير، الذي يعكس ضمنا وصراحة، تحقيق خبايا رغبة إسرائيلية دفينة تكتنفها حساسية مَرَضية نحو عمل الأونوروا، فقد أبان نتنياهو خلال مناسبة أخرى، عن موقفه الداعي إلى تصفيتها وإغلاق مقراتها، لأنها بكل بساطة تستمر في جعل مفهوم اللاجئ الفلسطيني متداولا، قائما، حيَّا لايموت.

بينما، أبدت دول سويسرا، فرنسا، ثم هيئة الاتحاد الأوروبي، تردُّدا فيما يتعلق بمسايرة واشنطن، مؤكِّدة عدم تبنيها لموقف نهائي سوى بعد إعلان خلاصات نتائج التحقيق.

فئة ثالثة من الدول، أعلنت عن توقيف مؤقت لمنسوب مساعداتها، أقصد تحديدا: كندا، أستراليا، إيطاليا، بريطانيا، فنلندا، هولندا، ألمانيا، اليابان، النمسا، رومانيا، نيوزيلندا.

إذن، يتجلى بلا ريب، زخم العدوان الرمزي والمادي، من طرف إدارة بايدن، كي يتمِّم بسخاء حاتمي الخطوة التي أقدم عليها ترامب إبان ولايته، حينما قلَّص مستوى المساعدات الأمريكية إلى النصف، عقابا للفلسطينيين على رفضهم قراره الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

أثار موقف الانتقام الأمريكي/الإسرائيلي، حفيظة المتابعين للإعدام الجماعي اليومي المتواصل في غزة، فبادروا متسائلين بخصوص مدى اكتفاء سريان قرار شلِّ مفعول صنيع الأونوروا على فلسطينيي الداخل، أو تشمل ارتدادات إبادته المتعمَّدة جلّ دول اللجوء؟

مرت الآن مائة وثلاث وعشرون يوما، على بداية المجزرة، بلغ عدد القتلى27,585  فلسطينيا؛ أغلبهم من الأطفال والنساء، وإصابة 66,978 آخرين، فيما لا يزال أكثر من 8 آلاف شخص مفقود تحت أنقاض الركام أو ملقاة جثتهم على الطرقات، لأنَّ القوات الإسرائيلية تمنع عمليات الإنقاذ، في خضم تسيُّد شبح المجاعة والأوبئة، ضمن صفوف ساكنة القطاع المحاصرين بلا رحمة تذكر، سماء وأرضا، ومن طرف الجميع؛ الإخوة كالأعداء.

دقَّ أنطونيو غوتيريش، ناقوس تحذير بليغ يستشرف راهن الحقبة الفوضوية التي ولجها العالم. حقيقة، إشارة ليست بالمعطى العجيب، قدر خطورتها الجسيمة، وقد أبلغ عنها رئيس الدبلوماسية الدولية، العارف بأدقِّ دقائق دهاليز صنَّاع القرار الفعليين.

مأزق، تستفحل أكثر فأكثر، أبعاد نزعاته التدميرية، كلما أبانت المنظومة الكونية عن عجزها بخصوص توطيد حلول عادلة ومنصفة وإنسانية وشاملة، للصراعات المأساوية التي تعرفه مناطق كثيرة عبر الجغرافية المعاصرة، في مقدمتها طبعا المشكلة الفلسطينية، ثم اندلاع نيران شتى هنا وهنا، وتمدُّد شرارات عدَّة توشك على الانفجار جراء أدنى هفوة عبثية، يؤكد حقا وفعلا، بأنَّ الأسوأ لم يحدث بعد، والقادم أفظع حتما.

شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *