“حراس ابن خلدون”.. إصدار جديد للروائي المغربي محمد الهجابي

“حراس ابن خلدون”.. إصدار جديد للروائي المغربي محمد الهجابي

إصدارات:

    رواية “حراس ابن خلدون” هي العمل الروائي الجديد الذي صدر للأديب المغربي محمد الهجابي برسم سنة 2024.

تشغل الرواية مساحة زمنية افتراضية تبتدئ من أواخر الستينات من القرن العشرين إلى غاية مستهل التسعينات منه. عقدان من الزمن طبعا جيلا من المناضلين تواترت أفواجه على السكن بدار بحي الأطلس بمدينة فاس، أطلق عليها اسم “دار ابن خلدون”؛ وهو الاسم الذي سارت به ألسنة مناضلين ارتبطوا بمنظمة “23 مارس” اليسارية المغربية، ولا سيما ممن درس بجامعة محمد بن عبد الله بفاس.

وبالواقع، فمن النادر أن تلفى دارا بفاس، أَمَّها مناضلون، طلبة بخاصة، اجتمع فيها ما اجتمع في هذه الدار. ثم غادروها وهو يبطنون من آثارها غير القليل مما بصم بقوة على مساراتهم النضالية والإنسانية. ولأن هذه الدار بهذا الاستثناء الضارب، فقد توسل بها الكاتب محمد الهجابي لجعلها بؤرة هذا العمل السردي، وعبرها، أي الدار إياها، تابع مسارات لساكنيها بالوطن وخارجه في فرنسا وبلجيكا والجزائر.. من جهة، وبواسطتها تعاطي مع جملة أفكار حركت مناضلي هذا التنظيم و”ميزتهم” عن مناضلي باقي التنظيمات اليسارية ومناضلي القوى الوطنية والديمقراطية، ضمن مرحلة طويلة شهدها المغرب المعاصر عنوانها الرئيس صراع حاد في أغلب أطواره بين إرادتين شرعيتين: إرادة نظام ملكي وإرادة حركة وطنية ديمقراطية من أجل إقرار نظام متوازن يتجه نحو طي صفحة “الحكم الأوليغارشي والثيوقراطي الفردي” وبما يفسح المجال لتطور “الفكرة الديمقراطية” وتغلغلها في الدولة والمجتمع على حد سواء. هذا المد والجزر بين هاتين الإرادتين الشرعيتين حكَما العقدين الزمنيين اللذين أطرا “الزمن السردي الافتراضي” للرواية.

وإذن، فقد سعى هذا العمل السردي التخييلي إلى عرض مسارات أفواج من مناضلي حركة 23 مارس، التي مرت بمرحلة العمل السري وشبه السري بالمغرب منذ أوائل سنة 1970، ثم باشرت مرحلة الشرعية القانونية في سنة 1983، عقب صدور “عفو ملكي” على السياسيين المنفيين خارج الوطن بداية الثمانينات، ضمن وضع سياسي فرضته القضية الوطنية واحتدام الأزمة الداخلية. وكان ولا بد أن ينقل هذا “الزمن السردي” غير قليل من الظلال التي أرخاها العقدان بانغلاقه وعنفه تارة، وهو الغالب، وبانفراجه ومرونته تارة أخرى، على حيوات “حراس ابن خلدون” شأنهم في ذلك شأن باقي فصائل الصف الوطني الديمقراطي.

إن رواية “حراس ابن خلدون”، بهذا المعنى تنتمي إلى النمط الاستبدالي في البلاغة، وبالتحديد إلى قسم “انزياحات التعويض” (من مجاز مرسل وكناية واستعارة) إذا جاز هذا التوصيف.. وبخاصة في ما يهم “ذكر الجزء وإرادة الكل”.

ومن نافل القول إن الرواية لا تنقل الوقائع التي شغلت حيز “الزمن السردي” إياه من مدخل المؤرخ، بما يحيل عليه هذا المدخل من مناهج وآليات في المقاربة، وإنما من مدخل تخييلي بالأساس- حتى وإن اشتغل على وثائق- بصمت عليه شخوص الرواية، بهذا القدر أو ذاك، من المعالجة والسعة وأحكام قيمة كذلك. لذلك، فمن الازورار عن الصواب، كما أشر الكاتب على ذلك، حشر الرواية هذه ضمن خانة “التأليف الروائي التاريخي” بالمعنى الحصري للمفهوم.

وسيلاحظ القارئ، ولا شك، أن الكاتب اختار صيغة جديدة في كتابة رواية “حراس ابن خلدون” تختلف عن الصيغ التي حكمت أعماله السابقة. اختار محمد الهجابي تجريب صيغة جديدة لم تكن في وارد تفكيره لما باشر كتابة هذا العمل قبل أزيد من السنتين. ويبقى هناك سؤال لا بد من طرحه: إلى أي حد يمكن اعتبار رواية “حراس ابن خلدون” استمرار لرواية “بيضة العقر” الصادرة للمؤلف سنة 2015 أو متفاعلة معها؟

جاء في تعليق للهلالي، أحد شخوص الرواية، ما يلي: «أيكون سكان هذه الدار ممن خلد المخلوفي أسماءهم بذكره الدار، قد خلدوها، هم بدورهم، بأثر الأطياف والأنفاس والأصوات التي تزاحمت بين حيطانها وبمضاجعها، فجبوا ما قبلها من معالم ومطارح، وصاروا لها، بالتالي، حراس مقام وأبدال مزار، وصارت لهم، من جانبها، حاضنة أسرار وكاتمة أخبار وموضع أختام؟ وهل دخلوها ولم يخرجوا منها حقا مثلما تشير إلى ذلك المعاجم المفسرة؟

أسوق هذه الشوارد دون أن أجزم بيقين. بل الرأي عندي، في تواضعه الجم، أن هذه الدار التي اصطفاها صديقي العزيز أحمد المخلوفي، دون سائر الدور التي عاقر، وخصّ بها هذا المتن، إنما فعل لكي يقول لنا إن الحيوات التي عمرت بهذه الدار، ضمن سياق سياسي وتاريخي معلوم، لا تمثل الدار بما هي دار، أي بما هي مكان فحسب، بقدر ما ومأت إلى حراك من البشر شملها لسنوات ومنحها سيرة سارت بها ألسنة الأقربين والأباعد. ومن هنا، ففرادة هذا المكان بالذات هي من الرأسمال الرمزي لذاكرته.»

* صدرت الرواية عن دار القلم بالرباط شهر فبراير 2024 في قطع متوسط وفي نحو 350 صفحة. ومن مؤلفات محمد الهجابي:

• زمان كأهله (رواية)، 2004 • بوح القصبة (رواية)، 2004 • موت الفوات (رواية)، 2005 •  كأنّما غفوت (قصص)، 2007 • إناث الدار (رواية)، 2011 • قليل أو كثير أو لا شيء (قصص)، 2013 • بيضة العقر (رواية)، 2015 • نُواس (قصص)، 2015 • زنبركات (قصائد نثرية)، 2016• لك ولهم (قصائد نثرية)، 2016• لغوٌ سائرٌ بيْننا (قصص)، 2021 • المالغيقراط (رواية)، 2023..

Visited 1 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة