أينك يا مسرح الهواة.. أينك؟

أينك يا مسرح الهواة.. أينك؟

نجيب طلال

     في هـذا الشهر المكـَنـَّى: بـ(مارس/ آذار/ ربيع الأول/ بـرْمَهات) والموحي، والمبشر بربيعية الفضاءات، وتغير وتغيير ملامح الطبيعة وأجوائها. وتغيير نفسية المرء لعوالم رومانسية أخاذة في التمعن، لملكوت الرب، وزينة أرجاء الوجود…

 كنا “نحن” – الهواة – التجريبيين ، نستعد بشغف وعشق جنوني، ومنافسة نصفها بريء، ونصفها مزاحمة، وبعضها يحمل الشراسة، تجاه الجمعية المنافسة في الإقصائيات الجهوية، قبل الوطنية. فالمؤسف تاريخ أجيال ضاع في رمشة عين، واغتيل المهرجان، وماتت الجمعيات الثقافية/ المسرحية!!  وبالتالي فلسان الحال، يقول: أيــنك يا مسرح الـهواة… أينك؟ قول لا يحمل نوستالجيا، بقدرما يحمل صرخة غضب عن وضع انهار بأيدي ممارسيه، وإن كان للجهات الوصية نصيب من ذلك!!

 ونعيد القول ثانية. فطرحي هذا، لاعلاقة له برحاب النوستالجية، ولا بعوالم البكائية، ولا من عتبة هلوسات ذهنية. بل هـو رحلة استفزازية بين التخوم المترامية، لفتح سِـفر الذي أمسى منسيا! إنه مسرح الهواة؟ رحلة  تندرج ضمن إيقاظ السريرة في تاريخ مسرح الهواة، كمحاولة لإعادة الاعتبار لهذا الشق، الذي كان حقيقة مدرسة بحق، ووجها مشرقا للمسرح في المغرب، ولـو أن بعض العقليات، كانت تسعى لتقزيمه من خلال صفته (الهواة) ورغم ذلك ظلت فعاليات لها موقعها وصوتها متشبثة بصف الهواة، ممارسة واشتغالا وإنتاجا وحضورا، هنا فلا داعي لسرد تلك الأسماء الشغوفة  بالإبداع الفني، والتي كانت مؤمنة بأن المسرح في جوهره رسالة نبيلة وسامية. وهاته الإشارة مردها للسنوات الأخيرة، وفي ظل مشاهدة عـروض ما يسمى بـ (الاحتراف) وعـروض خريجي المعهد التنشيطي للفن المسرحي، وحتى مسرح الشباب (؟) إلا ونفس السؤال يطرحه العديد من المسرحيين، الذين أنجبتهم مرحلة السبعينات من (ق، م) أينك يا مسرح الهواة؟ وأين عروضك المدعمة بتضحيات، وعـروق شباب المسرح ورواده؟ فمثل هذه الحسرة: تارة تنبع  كـ “نوستالجيا” وفي لحظات تشير رمزيا لتذمر فقدانه، ومساهمتهم بشكل أو أخرفي إقباره واغتياله؟ ربما سأكون متجنيا  ومتطاولا على “هؤلاء” الذين كانوا في معمعان المشهـد الهاوي/ التجريبي! زمن الشموخ والعطاء بلا حساب ولا مقابل سوى نسمات روحانية ديونيزوس، وتشجيعات الأحبة والمشاهدين، هي الزاد والتقوى لجل المبدعين. لكن بالعودة لزمنية (1992) لمن يريد الإجهاز على الذاكرة الثقافية والمسرحية الوطنية، لأن تـلك السنة تشكل جزءا من الذاكرة  التاريخية، وتـعـد لحظة فارقة في النسيج المسرحي بالمغرب، وبالتأكيد هي الآن تحتاج للتحليل ولنقاش راهني، للبحث عن مكامن الخلل في البنية المسرحية، و للتذكير لمن لا ذاكرة له! بعدما وجه المغفور له الملك الحسن الثاني رحمه الله رسالة ملكية سامية، لمسرح الهواة في [27 نونبر 1992] رسالة سامية تعتبر السند والمرجع البيداغوجي والقانوني فيما يخص لدعم “الهواة” الذي تشرف عليه وزارة الشبيبة والرياضة (الاسم القديم) مقابل هذا لم يتم بخـس حق الشق “الاحترافي” بإنزال برسالة ملكية سامية بتاريخ [14 ماي 1992] والتي تعتبر المرجع الأساس في صياغة قانون مرجعي يخص ”الاحتراف” والرسالة المولوية هي قرار ملكي في دعمه، ودعم المسرح المغربي، وتقويته بشكل عام. وإشارة واضحة للفصل بين الشقيين. لكن المشهد انقلب، إلى مشاهد ما هي سوريالية ولا عبتيه، بقدر ما هي كوميديا سوداء، حينما هرول أغلب رواد وأحباء ومريدي شق “الهواة” إلى أحضان شق “الإحتراف” في ظرف (سبعة أشهر) لا أقل ولا أكثر!! مما انقلبت مسرحية سعد الله ونوس [رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة] إلى [رحلة حنظلة من اليقظة إلى الغفلة] أليست هاته كوميديا سوداء؟ حينما عاش “حنظلة” معاناته وهمومه وانكساراته، رغم طيبوبته وسلميته، وفي النهاية لم ينقذه سوى البوح بكلمة [لا] لتتولد الـيقظة،  يقظة نحو وعي بديل ومتجدد، من خلال تراكمات ما سبق. بخلاف من كانوا منتسبين في (شق) هوايته “المسرح المغربي”. مع بعض الاجتهادات والاستثناءات، طبعا. اندحر الأغلب الأعم  لشق الغفلة! إنه انقلاب من عجائب السيرورة التاريخية، ومظاهر النشوء والارتقاء! فـَلولا “الغفلة”؟ لما صرح البعض بأن مسرح الهواة ومهرجانه توقف منذ 17سنة، وذلك لتمرير نسخة خليجية، رديئة الطبع والإخراج؟ مما أشرنا بالقول الواضح: “فمهرجان مسرح الهواة المغربي، الذي لم يتوقف منذ سبعة عشر (17 سنة) كما يزعمون! بل اغتيل على يدي ممارسيه! والجل ملتزم الصمت والخرس، كأن الطير على رؤوسهم. وباسم (واو المعية) تم إحياء توأمه بشكل (معـوق) (1) وفي باب الصمت، بداهة لا أحد حاول أن يكسره، أو يخرج سيفه الخشبي، ولو في لحظات (ما ) للانخراط في المكاشفة، والمساهمة في محاولة إزالة الأقنعة، التي كانت فاعلة في الاغتيال أو مساهمة في أسبابه ، لأنه قبل سؤال التأجيل والإلغاء المرتبط بنسخة مسرح الهواة في طبعته الخليجية (2) لامناص من المكاشفة، من له اليد الطولي في إعدام مسرح الهواة ؟ فهل إعدامه جاء عفويا أو بترصد؟ ما أعتقد: باعتبار أن أي فعل له أسبابه ومسبباته ؟ وبالتالي إذا نظرنا بافتراض: “هاهنا الإنزال المهرجاني الذي تطاول بشكل سافر على مسار تاريخي بأكمله؛ فحبذا لو أعـطي للمهرجان صفة أخرى كمهرجان – الناشئة أو المستقل أو الرديف أو النواتي أو الشباب الحيوي أو المستقبل أو الطلائع….لخلق التميز وتلافي التطاول. وذلك احتراما وتقديرا لتاريخ وعطاء مسرح الهواة بالمغرب؛ الذي يعتبر بحـق المؤرخ الحقيقي للحظات السياسية / الثقافية/ الاجتماعية (3) ولكن هاهو المهرجان  الذي نزل بدون شرعية!  بدوره انهار واندحر فيما بعد  نسخته الثانية، في (آسفي) ولهذا ألا نفترض  بأن اغتيال مسرح الهواة / التجريبي، وإقبار شرعيته  كان تمهيدا للإنزال؟ ربما. وبناء على (ربما) كاحتمالية بعدية عن عملية الاغتيال؟ طرحنا سؤالا عريضا: مـن أهـــدر دم مسرح الـهـواة المغربي؟ (4) وكذلك كان الصمت المريب! الذي يفرض طرح عدة تساؤلات، منها المشروعة ومنها الاحتمالية؟ إذن فما دوافع هذا الصمت؟ بعيدا عن كثرة التساؤلات؟ أرجحه، وأتمنى أن أكون مخطئا، إلى انوجاد اضطراب ورهاب اجتماعي، يعانيه أغلب المسرحيين الذين انقذفوا لشق [الإحتراف] أوكما أسميه [الاغتراف] والهرولة نحو الدعْـم المسرحي، مما يصعب عليهم الدخول في غمار نقاشات ومطارحات، لتبريئة ذمة البعض!!  والإسهام في إعادة نسبية وجه “مسرح الهواة “للساحة الفنية والثقافية، كمحاول لتحريك ديناميته كالمعتاد، ألم يقاوم مسرح الهواة الأعاصير؟ ألم ينمو هذا الكائن المتفرد في الثقافة المغربية، في جو الضغوطات وتضييق السلطة/ السلطات، أنفاسه في عدة محطات؟ هل التاريخ سجل يوما ( ما) نقطة انهيار للعاملين بالحقل الفني الحر؟ فلو كان هنالك انهيار لما تأثث المشهد الإبداعي والفني، بالبحث عن نماذج بديلة للهيكلة (الفيدرالية/ الرابطة/ الشبكة) الوطنية للمسرح التجريبي، ولما توج وجوده وحضوره، بملتقيات وأيام ومهرجانات مسرحية ، في عـدة مناطق متعددة ونائية / مهمشة (مثل) “المهرجان المسرحي بواد أمليل” أو الأيام المسرحية  برشيد…هذا قبل إغلاق بوابة مسرح الهواة. وبالتالي هل سنظل نردد  ونعيد القول بالقول إنـه: مسرح الهُــواة !ولكن  هل يمكن أن ينبعث كالفينق؟ أم سنظل ننشد جنائزية الوهـم؟  ونردد: هـيهات… هيهات… أن يعود الفارس لصهوة جـواده، بعْـدما اندحر في دماء حربه، وأطاع اللئام على مصارعـة حقيقة وجوده. مما ساد صمت مطـلق للمشهد المسرحي؟ وربما صمت مـدان؟ من لدن من كانوا فوق صهوته وجوانية الصرخ أو من مكوناته الأساس، هـذا ما لمسته من صرخات بعـض المسرحيين في إحـدى اللقاءات… إذ فـعلا هناك صمت مطلق، وعَـدم اهتمام أولفت انتباه كتابة أو نقاشا حتى، جَـوانية النسيج الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي حول ضياع [مسرح الهـواة] ببلادنا، ضياع إرث لا يـعَـوض مهما اختلفنا حول معياره وتقييمه، ضـياع بالـكاد يفرض علينا أن نتساءل بكل تلقائية وبصوت مرفوع:                      

   هل أمسـى جُـثة: فـــمن قـتـله؟ هل أضحى مومياء: فمن حَــــنطـه ؟هل تحول لشبح: فمن ضيع  ملامحه؟ هل فقد معناه وذكراه: فمن نسف معنى المعنى وحنط ذكراه؟ تساؤلات كثيرة، وغائرة في جـرح المسرح المغـربي. ولكـن حـبذا لو  تتعدد الإجابات… (4)

الإستئناس:

1) مهرجان مَسرح الهواة تأجيل أم إلغاء ؟؟- الحوار المتمدن بتاريخ 2020 / 9 / 26

2) أنظر موضوع: أين مسرح الهواة بطبعته الخليجية ؟؟ – جريدة جسر التواصل بتاريخ 18/ أكتوبر/2022

3) مهرجان الهواة بين الغواية والهاوية- مدارات ثقافية في- 13 /أكتوبر/ 2019

4) مـن أهـدر دم مـسرح الـهـواة المغربي؟: لنجيب طـلال – ديوان العرب- بتاريخ 13/ مايو/2018

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

نجيب طلال

كاتب مغربي