«أكشن»… إنهم يصورون…؟!

«أكشن»… إنهم يصورون…؟!

خالد بريش

     خمسة أشهر ونيف، ونحن نعيش على أعصابنا، وعلى وقع أحداث اقتحمت يومياتنا، فغيرت كل تفاصيل حياتنا، وقلبتها رأسا على عقب.
نستيقظ على نقطة الصفر ومسافتها، وننام على الرغم من كل الدمار والموت على أحلام وأمنيات استجدت في حياتنا، ولم نكن نعرفها قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
صمود أسطوري ومعجزة حقيقية أن تصمد هذه المقاومة التي قد لا نجد لها وصفا يوفيها حقها بسالة وإقداما وشجاعة وتخطيطا، وحسابات دقيقة للغاية.. وها هي ذي تقف صامدة بعنفوان في وجه الكيان الصهيوني وكل داعميه، وآلتهم العسكرية المدمرة، ووسائلهم التجسسية المتطورة… ولكن المعجزة الأهم هي في الصمت العربي والإسلامي المقزز، والذي صدم كل الشرفاء، وحتى الغرب والكيان والآلهة أمريكا، وفاجأهم حقا…!

مخيم البريج

     تعطي أمريكا ومعها الغرب الوقت الكافي للكيان الصهيوني لكي يُجْهز على المقاومة في غزة، وتمده بكل أنواع الأسلحة اللازمة، فيرتكب أبشع المجازر المحمية بالفيتو، ثم يطلب شهرا إضافيا لمخيم البريج، وأسبوعا إضافيا لمخيم الشاطئ، ويعدهم أن خان يونس ستكون عملية سهلة لن تزيد عن إسبوعين وتسقط، لكونه دمر كل مقومات الحياة فيها من مستشفيات ومدارس وجامعات وآبار مياه ومنع عنها الغذاء والدواء… فيعطونه من الوقت ما يريد، ويمدونه بكل ما يصلهم من معلومات عبر أقمارهم الصناعية، ثم يعود والحمد لله بخفيّ حنين حزينا، وعلى ما يبدو أنه سيسقط قريبا، وتبقى خان يونس صامدة…
يستنجد الكيان طالبا المعونة سرا من أجل الخلاص من مأزقه، متمنيا أن ينتهي من أوحال غزة، وفي أسرع وقت، لكنه أمام العالم يُكابر، وتنتفخ أوداجه، ويُهدد ويتوعد.. فيُرتبون له المواعيد على مزاجه، وكما يحب وسكر زيادة كمان.. ويخوضون بالنيابة عنه مفاوضات ناقشوا فيها الفاصلة والكلمة وأطلعوه على كل التفاصيل.. وتضغط مصر العروبة بكل إمكانياتها على المقاومة التي تعض على جراحها بحسرات، وتكتم آلامها، لكون مصر هي الباب العربي الوحيد بالنسبة لغزة… ويضغط الأمريكان بدورهم، ويفعل الكيان الأفاعيل لمضيعة الوقت، ويرتكب مجازر أصبح الواحد منا كلما رأى صورها يتساءل فيما لو بقي طفل أو امرأة أو عجوز عاجز في غزة هاشم ولم يقتلوه بعد، ولكن، أكشن (ACTION).. إنهم يتابعون التصوير…!؟

هندسة معادلة جديدة

     الجوع كافر.. ونظام عالمي رتبت كل أوراقه وقواعده وكراسيه بدون أن يكون فيه للرحمة والإنسانية أي مكان، اللهم إلا على شاشات التلفاز، وصفحات الجرائد، وبعض الصور الفوتوغرافية التي يأخذها الساسة أحيانا مع بعض فقراء الله، أو حيواناته المنسية ليضحكوا بها على السذج… إلا أن الكيان الصهيوني ومن ورائه الآلهة أمريكا والغرب، اكتشفوا أن الجوع أجدى من القنابل والصواريخ والرصاص… فتمت هندسة معادلة جديدة في إدارة هذه المعركة التي خسروها منذ اليوم الأول.
والآلهة أمريكا هي من يضع المعادلة، كما وضعتها في العراق سابقا: النفط مقابل الغذاء… وعلى القاعدة نفسها تود أن تسير الأمور: الأسرى، مقابل الرغيف مع بعض المساعدات الأخرى، أو الموت البطيء جوعا…
طبعا وهم يصورون على أنغام سيمفونية المدافع والانفجارات، التي تهدم المربعات السكنية، وتجعل عاليها سافلها، وعويل الثكالى وبكاء الأطفال… وسط تصفيق وإعجاب غير معلن من الغرب الاستعماري والأعدقاء، ونقطة أول السطر..
وعندما سيستلمون أسراهم سيدمرون بلا شك آخر حجر بقي منتصبا في غزة، ولا يوجد أي ضامن مطلقا، لأنهم لا يعرفون للشرف وللأخلاق معنى، ولم ترد هذه العبارات في قواميسهم أصلا، وكم.. وكم من عهود قد قطعوا يوما، ولم يحترموا فيها فاصلة، أو كلمة واحدة، وهم ينتظرون التنفيذ لكي يصوروا، أكشن.. أكشن…

مجزرة الطحين والخبز

     انتبهوا يا سادة يرحمكم الله.. الرئيس الأمريكي بدأ يقلق بعدما شاهد مجزرة الطحين والخبز، وأعلن أنه يتابع الأمر بنفسه.. ولكن لا ندري أي أمر من الأمور سيتابع، هل هو عدد الضحايا يوميا يا ترى…؟ أم أسلوب الدمار والقتل والإمعان فيه…؟ أم متابعة عمليات الإذلال لأهلنا في الضفة الغربية والاعتقالات العشوائية، والاستيلاء على أراضيهم، وتفجير بيوتهم…؟ أم بذل جهود مضنية لكي يعطى كل ذلك صبغة قانونية، وبالتالي تشريع كل ما حدث ويحدث من تجاوزات…؟
أما الوزير الأمريكي إياه، فقد انزعج جدا، عندما سمع أن الغزازوة يأكلون علف الحيوانات، وأوراق الشجر… ولكن لم يقل لنا لماذا وصلوا إلى هذه المرحلة، ولا الأسباب والمسببات…؟! وبحزن تحدث عن ذلك « وبراءة الأطفال في عينيه »… مع الاعتذار من نزار قباني ونجاة الصغيرة…
ولهذا قررت الآلهة أمريكا منذ أيام، اختصار الطرق المؤدية إلى غزة، وأن تقوم بإنزال عبر المظلات لبعض المعونات والمساعدات الغذائية، التي في الأساس لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يمكن أن تكفي حارة أو زاروب من أزقة غزة. وسوف يتشارك معها في ذلك دول عربية لها خبرة في موضوع الإنزال الجوي.
ومن ساعتها والعالم ينتظر ويترقب، ويحبس أنفاسه، متسائلا كيف ستتم هذه المعجزة الأسطورية…؟!
أو ليس بمقدور الآلهة أمريكا يا ترى، أن تهمس في أذن السيسي لو أرادت، ويفتح الحدود فورا على مصراعيها صاغرا، كما أقفلها مطيعا.. أو أن تتوقف هي نفسها عن « الفيتو » الوقح، الذي تحتقره كل شعوب الأرض المغلوبة على أمرها، في مجلس الأمن مثلا…! ولكن، سيخلو الأمر عندها يا سادة يا كرام، من الإثارة التي عودتنا عليها الآلهة أمريكا كلما قامت بجريمة من جرائمها التي غدت لا تعد ولا تحصى..
ولن يرى العالم عندها المزيد من المجازر والدمار، ولا لون الدماء الذي تحبه وربيبتها الصهيونية حتى الثمالة.. ولهذا قررت إنزال المساعدات من الجو، إرضاء لابنها المدلل نتنياهو، بهدف تعميده من جديد حارسا لمصالحهم في المنطقة، على الرغم من هزيمته الشنعاء…

ضجيج إعلامي

     ضجيج إعلامي، وهرطقات مقززة، والغزاويون يموتون جوعا، وأمريكا تبحث في تفاصيل خطة الإنزال والاستعراض الممل، الذي لا يستحق كل هذا الضجيج، ولكن المهم في الموضوع هو الأكشن.. وإعلاميون يتساءلون بخبث فيما لو ستنجح الآلهة، كما نجحت في إجلاء قواتها وعملائها بشكل مذل من فيتنام، ومن بعدها بشكل كوميدي مضحك من كابول على طريقة الأفلام الهوليودية الكوميدية التي تجيد تمثيلها، والتي لا تمت للمشاعر الإنسانية بصلة…
سوف يتم إسقاط المعونات من الجو.. وهو ما تم فعلا.. والجوع الكافر أجبر بعض أهالي غزة على اللهث وراءها.. اركضوا إلى الأمام قليلا.. لا ليس هنا… بل هناك.. تتبعثر أغلب المعونات في البحر وتتلاعب فيها أمواجه الجائعة.. الحمد لله، كانت الكاميرات تصور.. أكشن.. وقوات الكيان الغاصب تنتظر في بوارجها لكي تصطاد كل من تسول له نفسه أن يضع رجليه في بحر غزة.. فأخيرا سوف يتلهى جنودها في اصطياد الغزازوة كالأرانب.. يتقدم بعض الجياع البائسين دون خوف من الموت، تغوص أقدامهم في البحر.. يعلو صوت المفرقعات، أقصد الرصاص، أكشن.. يتلون الشاطئ بلون الدم الزكي القاني.. تتبعثر أشلاء الأبرياء الجوعى في كل الأنحاء على رمل الشاطئ.
يصل الجنود وأسيادهم الذين يراقبون كل شيء لمرحلة الشبق.. تغمض منظمات حقوق الإنسان أعينها، وتدير القوانين الدولية ظهرها، فهم الذين يتحكمون بمفاتيحها.. وذلك لكي لا تصبح سابقة ويقال أمريكا وربيبها الكيان الغاصب قد اخترقا النظم والشرائع الدولية يوما.. تعود الطائرات أدراجها، وتكتب النهاية لفيلم العبث هذا.. توزع بعض الميداليات لمن ساعدهم من الأنظمة العربية.. استعدوا أكشن، الصور كانت جميلة، والجريمة واضحة المعالم متكاملة الأركان.. وكل من لا يعجبه فليشرب بحر غزة.. أو ليذهب إلى محكمة العدل الدولية، أو مجلس الأمن، أو المنظمات الحقوقية، وما أكثرها…!
لقد غدت مآسي الفلسطينيين الأبرياء فيلما سينمائيا عبثيا، ينقذ حكام الغرب من حالات الروتين والقلق.. إنه نوع جديد من التمثيل الحي والمباشر على أنواعه: تمثيل في الجثث.. وتمثيل في أساليب القتل والدمار.. وتمثيل في التعاطي مع أعداد الضحايا والأبرياء.. وتمثيل في كيفية أداء الخطب والكلمات المقززة والمقرفة على المنابر الدولية والأممية.. وتمثيل في القرارات التي ينسفها فيتو عنصري حقير بكل المواصفات، مما يجيز الإمعان في القتل المجاني والتدمير… تمثيل في تمثيل.. ومن يقول لآلهة الاستعمار والغرب العاهر: أنتم ممثلون فاشلون من الدرجة العاشرة، ومسلسلاتكم مملة، ولا تشبه شيئا سوى وجهوهكم القميئة…!

Visited 5 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

خالد بريش

كاتب وباحث، باريس