لم ولن أرى مثلها ما حييت

لم ولن أرى مثلها ما حييت

لحسن أوزين

     كانوا ستّة والاغتيال سابعهم. تحدّثوا في كل الجوانب التي يمكن أن تنجح عمليّة الاغتيال. صحيح أنّ أفكارهم مشوّشة، وأهدافهم ومصالحهم مختلفة ومتناقضة، لكن الاغتيال الآن يوحّدهم. كل واحد منهم كان يخفي في نفسه غرضه الحقيقي، والهدف الذي يسعى إليه من وراء إنجاح قتل خصمهم السّياسي. امتدّ النّقاش حول كيفيّة تنفيذ عمليّة الاغتيال، وطال كل الجوانب بما فيها طريقة التخلّص من الشّابين بعد نجاح العمليّة لطمس معالم الجريمة والتحرّر نهائيّا من ثقل المتابعة القانونيّة والقضائيّة، ولم لا والشعبيّة أيضا؟ وفي هذا الكم الهائل من حديث نقاشهم لم يتفوّه أي واحد منهم بأية كلمة دينية… لا بسملة ولا حمدلة ولا ما شاء الله…

وفي لحظة معلومة ومحسوبة بدقّة تربّص الذّئاب للانقضاض على الفريسة دخل شابّان في مقتبل العمر. هنا والآن صمت الجميع وفق تخطيط محكم، وأفسحوا المجال لصاحب اللحية الكثيفة ليرخص عمليّة الذّبح الحلال، ويحفّز همّة الشّابين في أداء الواجب والفريضة الدينيّة. قال الذّئب بصوت الشّيخ بعد البسملة متبوعة بدعاء غامض من سجع الكهان: “إنّ العناية الإلهيّة اصطفتكما لتنفيذ الحدّ في حقّ هذه المرتدة الكافرة الزنديقة”. تعمّد الذئب المقنع في جبّة وعمامة الشيخ الصّمت العميق. ورأى الجميع صورة هبة المتعبدة في حرم هموم وقضايا الشعب تترنح عند عتبة منزلها، بعد أن أفرغ الشاب الرصاص في صدرها، وامتطى القاتل درّاجة زميله ليلوذا بالفرار. هل يفرّ “المؤمن المجاهد” من دم أخيه يا شيخنا أم رائحة الدم تثير حواسك يا ذئبنا؟ لم يجل هذا السّؤال بخاطر الشابين، كما لم يعرف طريقه إلى الرّجال الستة المسربلين بثوب دماء غدر الاغتيال. انفرد الرّجل المتفحّم الأعماق بالشّابين وهو يتكلف انشراح وجهه بوضع ابتسامة صفراء على شفتيه. أعاد معهما التّدريب الأخير لخطة العمليّة، مشيرا إلى وجود هبة عند منتصف الليل في الطابق السّفلي لمنزلها، بعد أن يخلد أبناؤها للنّوم، حيث يوجد مكتبها لتمارس أشغالها، حسب ما تجمع من معلومات التحريات، ومشدّدا على اليقظة التامّة في التركيز والدقّة والمدّة، مؤكّدا على أن رعب المفاجأة وقوّة الصّدمة وسرعة التّنفيذ تغير اتّجاه أيّ طارئ قد يعرقل الفرار من ساحة “الجهاد”.

كلّ الذين واللواتي يعرفن هبة، يعرفونها كامرأة سياسة بالمعنى الشعبي المتداول. يحلو لها أن تكرّر على مسامع أصدقائها وصديقاتها بأن الفقير يولد في السّياسة، مهده سياسة، يعيش ويكبر في بيت السّياسة، ويلعب في شارع وحارة السّياسة. وباختصار تقول: قدرنا نحن الفقراء وعامّة الشّعب سياسي لا مفرّ من خوض غماره، من لقمة العيش إلى المشي ميتا حيّا في جنازة السياسة. لكن لا يوجد واحد منهم أو واحدة منهن تعرف أن هبة مسكونة بالفنّ. تعشق الرسم إلى حد الجنون، إلى درجة تمازحها صديقتها بلقب “مجنونة اللوحة” قياسا على مجنون ليلى. فهي تخصّص الطّابق السّفلي لعادتها السرّية في حرفة الرّسم. ولسبب تجهله هي نفسها أحاطت معتقدها بطقوس العزلة التامة بعد منتصف كل ليلة للإبحار خشوعا في محراب صلاة الألوان.

حضر الشابان بعد منتصف الليل بدقائق معلومة بإتقان في خطة الجريمة. وفي تلك اللحظة بثوان نادرة في عمر الإنسان كانت هبة قد عادت من مرسمها تاركة ضوء المصباح لتلقي نظرة على طفلتها أمل المريضة التي تنهش الحمى لحمها الحي. أتلف الشاب الحامل للمسدّس الكاتم الصوت قفل الطابق السّفلي بآلة فعالة، دون أن ينجم عن فعله هذا أدنى حركة أو صوت قد يلكز خاصرة الليل المأخوذ بسحر الصمت الحالم. كانت اللوحة الكبيرة التي أنهكت قوى هبة، وأخذت الكثير من جهد لياليها، في استقبال القاتل الحذر المتفرس لكل شيء في فضاء المرسم. عند سفح الجبل الأخضر امرأة قرويّة مقوّسة الظهر بفعل حزمة الرّبيع الذي تحمله فوق ظهرها. محيّاها ينضح فرحا وحبورا، ويتدفّق من عينيها شلال حبّ كبير للحياة. وقف الشابّ مندهشا أمام اللوحة، ثمّ بعد أن التفت يمينا ويسارا اقترب من اللوحة بثقة عالية من نفسه، فغطته ابتسامة المرأة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. جثا على ركبتيه فمدّت يدها تمسح رأسه الثقيل المتعب بترحال جهاد فريضة طعن الإنسان في الظهر. لم يكن ليشك في أنّها أمّه المرحومة، وهي تعيد الآن تشغيل شريط ذاكرته التي سيجها لصوص الليل بسجع الكهان. انفجرت عيناه بدموع بكاء صامت حارق، وموجع للقلب، أخذته لحظة معزولة عن العالم إلى جب نوم عميق، فيما كانت هبة تراقب الحمى وتعيد وضع الضمّادات الباردة على جبين طفلتها أمل. في الوقت الذي لمّ الليل آخر مزقه السوداء المتعفّنة ورحل بعيدا في أدغال الصّحراء منبئا عن انبلاج فجر جديد، اطمأنّت هبة على سلامة صحّة أمل بعد أن خفت حرارة الحمّى واستسلمت الصّغيرة لنوم عميق خال من تشنّج رهبة التمزّق إربا إربا على سفوح جبال كوابيسها الوعرة المتعبة والمرهقة للقلب والدّماغ. نزلت هبة الدرّج بخطى متثاقلة، ودون أن تنتبه لوجود الشاب أدت صلاة الصّبح بخشوع أقرب إلى التوحد الناذر. وفي رمشة عين فوجئت  بالشّاب النّائم عند أقدام اللوحة. مدّت يدها بهدوء ومسحت رأسه بأمومة مفعمة بانفعال عاطفي جيّاش إلى أبعد الحدود، وبما يتجاوز طاقة المرأة المنهكة بالسّهر والحمّى. فتح الشاب عينيه ونظر إلى المرأة نظرة قالت عنها هبة وهي تحكي الحادثة لصديقتها “لم ولن أرى مثلها ما حييت”. صعدت مع الشاب إلى بيتها وشاركته فطور الصباح الذي أعدته بنفسها للضيف الغريب، قبل أن يشرع الشاب في الحديث عن فريضة الجهاد التي كلفه بها القتلة…

Visited 5 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي