سيرة ذاتية عن شغف الثقافة لدى المصطفى اجماهري

سيرة ذاتية عن شغف الثقافة لدى المصطفى اجماهري

مبارك بيداقي

      “في ظل الجديدة، ذكريات وشهادات”، هو عنوان السيرة الذاتية للأستاذ المصطفى اجماهري، الصادرة باللغة الفرنسية في باريس عن دار النشر “لارماتان”. صاغ المؤلف هذا العمل الأوتوبيوغرافي على شكل شذرات، بدأت من طفولة الكاتب في حي الوازيس بالدار البيضاء في بداية الخمسينات، ثم رجوع الأسرة إلى مدينتها الأصلية، “الجديدة”، فعودة الكاتب إلى الدار البيضاء كتلميذ داخلي، ثم الفترة الجامعية باضطراباتها السبعينية، فتجربة العمل بإذاعة عين الشق. كما تطرق العمل أيضا إلى المشروع البحثي للكاتب وعلاقته بكتاب مغاربة وأجانب.

     وعلى خلاف ما يظهر من العنوان، فوقائع السيرة لا تنحصر فقط في فضاء مدينة الجديدة، بل تتعداه إلى فضاءات أخرى عاش فيها الكاتب، أو عمل بها كصحفي، كما في الدار البيضاء والرباط.

    وتتميز هذه المذكرات بكونها انطلقت من الأمكنة التي ارتبطت بها ارتباطا خاصا، وهي الأمكنة التي جعلها الكاتب عناوين للفصول. ويمكن للقارئ أن يستكشف من شريط الذكريات المسترجعة الأجواء الثقافية التي طبعت فترة السبعينات من القرن الماضي، حيث كانت الدراسة والمطالعة والكتابة والسينما ومسرح الهواة، بمثابة الأركان الأساسية في تكوين شخصية الشباب وصقل معارفهم وتطوير وعيهم النقدي. وتفيدنا السيرة، من جهة أخرى، في معرفة نوع القراءات التي كانت سائدة وقتها باللغتين العربية والفرنسية، وأسماء بعض الأساتذة الذين كان لهم الباع الطويل والتأثير الواضح على مجموعة من الشباب المتمدرس.

    يتضمن الكتاب فصلا في تاريخ عائلة الكاتب وأصولها ونزوحها الاضطراري زمن السيبة، من أولاد رافع بدكالة إلى آزمور، كمحطة في طريقها إلى مرسى الجديدة، وارتباطها هناك بالمهن البحرية مند بداية القرن التاسع عشر. كما يقف الكتاب عند سيمياء الاسم العائلي المشترك بين عائلات تمتد من دكالة نحو الجنوب والشرق.

   في الفصل المخصص لتجربة فرقة “مسرح البخلاء”، يتعرف القارئ على حماسة مجموعة صغيرة من التلاميذ الداخليين بثانوية الإمام مالك (بحي بلفدير)، وأغلبيتهم قدمت من المدن المجاورة للدار البيضاء، والذين كانوا وراء خلق فرقة مسرحية نشطت في إطار مسرح الهواة، دون أن تتوفر لها أية إمكانيات مادية، سوى عزيمة قوية وشغف غير محدود بالمجال الثقافي والفني.

    وقد حفلت السيرة بمجموعة من أسماء المبدعين والمفكرين مغاربة وأجانب، من الذين تقاطعت طريقهم مع طريق الكاتب. ويمكن أن نذكر من بينهم: فؤاد العروي، وغي مارتيني، وسالم يفوت، وعبد الكبير الخطيبي وبول باسكون.

   يشير المؤرخ كرستيان فوشير في مقدمة الكتاب، إلى أن هذه السيرة الذاتية، فضلا عن غناها بالتفاصيل والوقائع المختلفة، إلا أن جامعها المشترك وخيطها الناظم يبقى التباهي بالثقافة، بما هي عامل من عوامل الانسجام في الحياة والسلوك.

Visited 8 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

مبارك بيداقي

من قدماء ثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء