التجربة الوجودية والديناميات النفسية في رواية “كيومة إكستازي”

التجربة الوجودية والديناميات النفسية في رواية “كيومة إكستازي”

لحسن أوزين

 (الواقع العربي، محكوم بقانون الاستبداد الرباعي، الاستبداد بالثروة والاستبداد بالإعلام والحزب المهيمن والاستئثار بالسلطة.  وهذا القانون، يُراد به، إفساد من لم يفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوثين ومدانين وتحت الطلب، وبذلك يصمت الجميع، ويصبحون آمنين وطائعين، كالدواب تماماً.)

طيب التيزيني

          تتناول رواية “كيومة إكستازي” للكاتب عزير شراج، البنيات الثقافية الاجتماعية والسياسية، لقانون الاستبداد الرباعي، الذي حلله طيب التيزيني من منظور فكري نقدي للعلوم الاجتماعية. تتجرأ الرواية على أن تكون أداة فنية جمالية بحثية لكشف التجارب الوجودية، و الديناميات النفسية العاطفية الجنسية، والاجتماعية السياسية، والدينية والثقافية، لمجموعة من الشباب، كعينات تمثيلية وتشخيصية لما يحدث في المجتمع ككل. هذا يعني أنها تحفر عميقا في العذابات والآلام والمعاناة، والأوهام والأحلام والانكسارات والخيبات المؤلمة التي عاشها هؤلاء، في تفاوت بين الشدة والحدة والقهر. وهي فظاعات تنال من طاقات وموارد وحصانة المجتمع الذي يرزح تحت عبء وطأتها الرهيب. في الوقت الذي تعري فيه أيضا مختلف أشكال السلطة السائدة اجتماعيا وسياسيا. بالإضافة الى تفكيك  الأنظمة الثقافية والرمزية المؤطرة والمهيكلة، للوعي الاجتماعي، وللدلالات والمعاني، والعلائق. والرؤى والأفكار المتحكمة، أيضا، بأنماط التفكير، والعقليات، والسلوكيات، والتصورات والمعتقدات. مسلطة الضوء على الرضا المجتمعي، الأقرب الى الخنوع والاذعان، للآلية الرهيبة للتكرار القهري للخيبات والخسارات نفسها، بصورة تجمع بين اجترار المعاناة واستعذاب الألم، السادي والمازوشي، بمتعة لا تخلو من رغبة دفينة في تدمير الذات.

    يحدث هذا كله على المستويات ذاتها، التي تتكرر باستمرار، النفسية والاجتماعية السياسية والثقافية…

   كما تعري الرواية الكثير من أشكال الفساد، والتشوهات القيمية والاجتماعية والسياسية والثقافية، التي طالت كل مفاصل المجتمع، بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعية. حيث صار الجميع ملوثا ومدانا ومنحطا وغارقا في  الإدمان على المخدرات، بكل أصنافها السامة والقاتلة. وجميع الشباب عالق في مستنقع المشهدية والمظاهر الاجتماعية، المفعمة بالانتهازية والوصولية، والنفاق القيمي اللاأخلاقي. تُسقط الرواية كل أنواع حجاب الكرامة الملوثة بقذارة الغدر والخيانة والاستغلال. الى جانب سقوط قناع الشرف الرفيع الزائف. ومكارم الاخلاق الغارقة في وحل المزاد السري والعلني للكرامة الإنسانية.

   تطارد الرواية خبث العلامات والدلالات السياسية الاجتماعية، والاخلاقية القهرية التي تجرد الانسان من قيمته وكرامته الإنسانية. وتحوله الى مجرد شيء، أو سلعة رخيصة تباع في السوق، بالمعنى الرأسمالي الذي يسحق الانسان. كما تكشف عن مختلف أشكال القهر والهدر، التي يتعرض لها المواطن وعيا وفكرا وجسدا ورغبة…

   هذا هو الاطار العام الذي تتجذر فيه الرواية، ككتابة فنية أدبية، وهي تفتح ذراعيها لمجموعة من الأصوات الشبابية، رجالا ونساء. تمنحهم حق التعبير الديمقراطي للكلام الحر والجريء عن حالات التمزق والتشظي، النفسي والاجتماعي، والعاطفي والجنسي، والوجودي، التي تسكن في جوف ذواتهم المعذبة من جراء ألم القهر والهدر، والتهميش والوصم الاجتماعي السيئ. النابع من القهر السياسي الاجتماعي، والموروث الثقافي والديني للأطر الاجتماعية الثقافية التقليدية، الاستبدادية، والأبوية الذكورية.

   “الهلوسة هي ذلك العالم الفسيح الذي نسافر إليه دون جواز سفر، دن قيود، دون حواجز في رحلة هروب من مجتمع قاس أو من مجتمع لم نفلح في فك شيفرة التعامل معه والتواصل مع سكانه، في رحلة بحث عن الذات، عن العدالة الاجتماعية المفقودة، عن الحب، عن التوازن…، نجد هناك الطمأنينة، الإحساس بالأمان، ننسى كل آلامنا، أوجاعنا، همومنا لكننا عندما أو حالما نعود الى واقعنا المر لحتظتئذ نكتشف أن ما عشناه في تلك اللحظات التي لا تتجاوز في الغالب سويعات قليلة والتي تمر مر البرق، نكتشف أن ما عشناه خلالها مجرد حلم، مجرد سراب”

   تجد كل التشوهات وأنواع المسخ، التي مست الشباب في عمق كيانهم الوجودي، أسسها في السياسات الاجتماعية السياسية، والاقتصادية التي تتبعها الدولة.  وفي الأنساق الثقافية والقيمية المهيمنة التي تشكل الوعي، والرؤية الى الذات والآخر والعالم. ويتجلى هذا في العمل على ترسيخ آليات الفساد والإفساد الاجتماعي والسياسي والقيمي اللاأخلاقي. تدفع بطاقات الشباب الحية والحيوية، والفاعلة والخلاقة نحو الخراب والتدمير الذاتي، من خلال نشر سموم عدوى الإدمان على مختلف أنواع المخدرات. وما تسببه من تجاوز للواقع بالخيال المشبع بالهوامات المرضية، والأيديولوجية، في عيش السعادة والرفاه الاجتماعي. والحلم بتحقيق الترقي الاجتماعي، داخل آلية طاحونة الصراع الاجتماعي السياسي، التي تتحكم في فائض القيمة، وفائض الكبت.

   تقوم الرواية بصياغة وتركيب هذا الواقع فنيا، بتوسط من مقومات الشكل الروائي. وهذا ما يسمح بفتح العيون وتحريك عقول القراء إزاء البشاعات والفظاعات التي تأسر العلاقات الاجتماعية. وتقهر وتهيمن على الادراك والوعي الاجتماعي. وذلك بما يسمح بإعادة إنتاج الواقع نفسه، والعلاقات الاجتماعية ذاتها. لتكريس السيطرة والهيمنة للفئات الاجتماعية الحاكمة والمتحكمة في اقتصاد البلاد وثرواته، على حساب سحق الانسان، وتدمير النسيج الاجتماعي، وإضعاف مناعة الكيان الوطني.

   “علية القوم مصابيحه حسب فهم الأرضيين لكن الكثيرين منهم في الحقيقة هم خدمة إبليس وسدنته في الأرض يزرعون بذور الموت كل يوم يهلكون الحرث والنسل في حين كان مطلوبا منهم حسب القسم المحنث أن يزرعوا الحياة.”61

أولا / بؤس واقع التجربة الوجودية والديناميات النفسية

   تنسج الرواية متنها ومبناها وشكلها الفني الروائي، من خلال شخصياتها، في تجاربهم الوجودية ودينامياتهم النفسية. ومن صفحة لأخرى، لحركة تطور الكتابة السردية، تؤثث الرواية، عبر فاعلية تحقق جمالية التلقي، الشقوق والبياض المحايث لهذه الشخصيات في تطوره وتعقد مساراتها السردية. وبذلك يمنحها جدل الفني الروائي والجمالي المرتبط بالتلقي أو القارئ، سمات وعلامات وصفات ودلالات محددة، ذات تمييز، وتمايز خاص. كما تزيد من صفاتها وخصائصها ووظائفها، التفاعلات والترابطات والعلاقات التنافسية والتقابلية، المتطابقة، أو المختلفة، والصراعية فيما بينها. أو بينها وبين نظام القهر السياسي الاجتماعي، والموروث الثقافي و الديني الأبوي بنزعته الذكورية. هكذا تؤسس الرواية شكلها الفني الجمالي، انطلاقا من الشخصيات، بوصفها الأرضية الأساس لهويتها السردية، كتخييل واقعي تنسجه عنكبوت اللغة، في شكل كتابة أدبية لها منطق وآليات اشتغالها الخاص. على أساس كونها واقعا تؤشر على صدقه و مصداقيته، تحققها الفني والجمالي.

   هكذا نتعرف مع سيرورة القراءة على مجموعة من العلاقات بين أصدقاء، في الغالب، جمعتهم مقاعد التحصيل الدراسي: كيومة، أحمد إيراتيك، ريم، خنسة، أسامة، حسونة، سلمى…

   كما شملهم المحيط الاجتماعي الثقافي نفسه، في بنياته المادية والرمزية. خاصة على مستوى التمثلاث والتصورات والمعتقدات، والمعايير القيمية الأخلاقية، في تحديد الروابط الاجتماعية، لاكتساب حق الانتماء لدائرة العضوية المجتمعية. في الزواج والإنجاب والتربية والتنشئة الاجتماعية الثقافية…

  • كيومة إكستازي

   “كنت منبوذا مفلسا من الكل عائلتي أصدقائي أجتر فشلي في اجتياز فشلي في اجتياز الامتحان اللعين وحدي، لم أجد غير سجائر الماريخوانا لتهدئ أعصابي”.52

   عاش كيومة تجربة وجودية مشحونة بالاحتقار والدونية، والوصم السيئ للكرامة الشخصية والاعتبار الاجتماعي. فمعايير الذكاء والتقدير والاحترام المجتمعية كانت فظيعة وقذرة في حقه. وفي رسم صور وتمثلاث سلبية تحرمه من الحب والتقدير اللامشروط لوجوده الإنساني. فقد نظرت إليه الاسرة والمجتمع وجماعة الشلة من أصدقائه، نظرة ملؤها التبخيس والتحقير والتصغير القدحي لقيمته وحصانته الإنسانية. وهذا ما ولد في داخله ديناميات نفسية عنيفة وسادية، شوهت بعده البشري، و سلخت قيمته الإنسانية في احترام الذات والأخر والعالم. لذلك كان من السهل أن يتورط في حبوب الهلوسة كدفاعات مرضية مؤقتة، ضد التراكمات النفسية لعدوانية داخلية تهدد وجوه بالتدمير والحرائق المروعة.

    “عدت الى المدينة التي طردت منها سيدا على سيارة شبابية أنيقة وعدت الى المعهد الذي طردت  منه أيضا لأصبح شريكا له بل مؤسسة أخرى تضاهيه قوة وتربية أنا صاحب المقهى الثقافي المعراج71”.

   لذلك وجد ضالته في الهروب عبر بساط حبوب سفر السعادة. فقد تحول الى تاجر مخدرات يحسب له ألف حساب في الوجاهة والمكانة الاجتماعية المادية والرمزية. وفي خلق الثروة المادية، ونيل الحظوة والاحترام الاجتماعي. وذلك تبعا لمعايير الفوز والنجاح والترقي التي رسختها آليات الفساد والإفساد السياسي والاجتماعي والثقافي. ضاربا عرض الحائط بثقافة النزاهة والكفاءة والجد والاجتهاد والمسؤولية في اختيار المسارات الأخلاقية، والأدوات العقلانية التربوية والعلمية، في عملية بناء وإثبات الذات، للتحكم في زمام بناء المصير، المحقق للمشروع الوجودي للذات.

   “أنا الغبي سابقا في نظر الأساتذة والزملاء والعائلة، كنت غبيا لفترات طويلة في نظر الكل، وأصبحت بين عشية وضحاها النجم في نظر زمرة الأغبياء نفسها تلك، أنا الذي يقول عني أبي وهو ينعتني أمام الجميع بالفاشل الغبي الذي لا يصلح لشيء51

   حدث الامر صدفة لاكتشف ذاك الكم الهائل من القوة في داخلي المحطم من قبل مجتمع غبي يقيدني بمناهج غبية لا أستطيع فك رموزها وطلاسمها52.”

   هكذا قلبت ثروة حبوب الهلوسة نظرة الأسرة، والمجتمع. وزجت بالمعايير والقواعد الاجتماعية  المقنعة برداء الأخلاقية الكاذبة. وكشفت حقيقة المجتمع في نظرته ودلالاته وقيمه البراقة عن مدى انتصارها للثراء اللامشروع. ذلك الثراء الذي ينتجه الفساد والقهر السياسي والأمني والثقافي والديني. مما جعل المجتمع مجرد خراب يتآكل من الداخل، بفعل التمزق والتشظي والتذرر والتفكك للروابط والقيم الاجتماعية الانسانية. بالإضافة الى الهدر العنيف للقوى الإنتاجية والقيم الاجتماعية الثقافية الأصيلة. لذلك كان طبيعيا أمام مرارة الوصم البشع، والتحقير الاجتماعي الذي تعرض له كيومة، أن ينخرط في قذارة التخريب والتدمير للذات والأخر والعالم. بوصفه مجرد أداة في يد قوى التسلط والقهر السياسي والقمع الأمني.

   وفي ظل هكذا واقع، تبرز التناقضات والمفارقات في حدتها المؤلمة والصعبة التصديق. حيث انحلت فيه الاعتبارات الأخلاقية والقيمية الإنسانية، وصار كيومة وأسياده نموذجا للنجاح، والتقدير والاحترام .

   “إذا كانت علية القوم  بهذه الاخلاق وما أعرفه وتعلمته إن كان صحيحا بأن الاخلاق عماد الشرف فإنني بحثت عنها وفي قاموس أغلب علية القوم الذين قابلتهم ولم أجد لها أثرا أصبحنا نقيس الشرف بالمال ولا يهم المصدر.63”

   إلا أن سعادة وثراء حبوب الهلوسة، لم تستطع علاج وترميم وتغيير، رعب التجربة الوجودية التي عاشها كيومة، الموسوم بالوصم السيئ المنحط: الغبي والفاشل في مساره الدراسي.”  كيومة كان غبيا  بأتم معنى الكلمة، أمضى في معهد الفارابي أكثر من خمس سنوات12″

   وقد خلف هذا الوصم في أعماقه خرابا وتشوهات وشراسة وعدوانية ملتهبة، لا تجد ممرات آمنة للتصريف إلا عبر عنفه العاطفي الجنسي، الموشوم بحرائق سطوة المجتمع الأبوي بنزعته المركزية الذكورية التي كانت وراء موته. فقد كان للموروث الثقافي البطريركي، المنتج للفحولة الذكورية قسوتها وتسلطها على دينامياته العقلية النفسية الشديدة التعقيد في عنفها وانحرافها وشذوذها، الباحث عن ترضية العدوانية  الحارقة لجوفه الحي الى حد الموت.

  • أحمد إيراتيك

   “ماذا تنتظر مني أيها المجتمع وكيف تريدني أن أكون إنسانا”.5

    هو تمثيل وتشخيص فني لما يعتمل في جوف الواقع الاجتماعي السياسي، من هدر للطاقات والكفاءات الشبابية. وتشريح دقيق للتناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية والعاطفية والقيمية. انطلاقا من النظرة الأسرية والمجتمعية للأبناء، تبعا لرهانات وأهداف وانتظارات الأسرة. باعتبارها لهم مجرد أدوات للإنتاج والترقي الاجتماعي. كموارد للاستثمار المستقبلي، خارج دائرة الاعتراف بإنسانيتهم المستقلة. وما يتطلبونه من الحب والتقدير اللامشروط . ومرورا بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التربوية التي تتخذها الدولة. وهي سياسات بعيدة عن الطموحات والتطلعات والمصالح الوطنية والشعبية. الشيء يدفع بالكثير من الشباب نحو العراء والضياع والتهجير بطرق محفوفة بالمخاطر القاتلة. بما في ذلك الهروب من بؤس الواقع وقساوته وقهره عبر السفر القاتل على بساط حبوب الهلوسة للموت البطيء.

   يغتصب عمر الانسان، وتغتال تلك السياسات الجد والاجتهاد، وسنوات الكفاح العلمي والمعرفي تصبح مجرد شهادات علمية جوفاء أمام الفساد السياسي والاقتصادي. وتمنح القيمة والاعتبار الاجتماعي للتفاهات والتحايل والخداع والمخدرات. وكل الطرق الممنوعة والملتوية تنال القيمة والتقدير. ويتم تبخيس قيم وثقافة الإنجاز، والانتصار لثقافة الولاء. هكذا يسود ذكاء تدبير الحال في كل شؤون الحياة.

   فالكثير من أمثال أحمد إيراتيك عاش المهانة والمذلة والتهميش والتبخيس. قصت أجنحتهم ودمرت تطلعاتهم وأحلامهم. حيث تم مسخ وتشويه وعيهم، حيث صاروا يعتقدون على أنهم مجرد عبء كبير على أسرهم والمجتمع. وأنهم يتحملون مسؤولية اختياراتهم وتوجهاتهم العلمية والتعليمية غير الموفقة والبعيدة عن احتياجات سوق العمل.

   تبعا لهذه المسار الوجودي المؤلم، وما يكتنفه من عذابات مرهقة للنفس والذات، كان من الطبيعي أن يكون إيراتيك واحدا من المولعين بحبوب السعادة، والسفر السعيد في السماوات السبع والعشر. كما أن كل تلك النفايات المتأصلة في النفاق الأخلاقي والقيمي، ووسط العلاقات الاجتماعية، والتنشئة الاجتماعية الثقافية الأسرية، تودي الى إنتاج بشر مشوهين نفسيا ومقليا واجتماعيا وثقافيا وعاطفيا….

   شباب تعرضوا للمسخ الأبوي بثقاته الذكورية العمياء عن القيم الإنسانية. فقد عطلت جوارحهم وعقولهم عن صناعة وتخليق الحب والتواصل الهادئ والحوار العقلاني والتفكير النقدي في الواقع الحي، والعلاقات الاجتماعية. لذلك كانوا جميعا ضحايا لعصاب الفشل في علاقتهم مع أنفسهم والآخرين والعالم.

  • أسامة

   الوجه الاخر للقهر والنبذ الاجتماعي، والاقصاء من العضوية الاجتماعية والقيمة الإنسانية. ففي دائرة المسخ والتشوه التي طالت كل مفاصل المجتمع، يستحيل أن يحظى أسامة الموصوم بلعنة ولوثة الشذوذ الجنسي، بالتقدير الإنساني لحالته الإنسانية، من منطلقات نفسية جسدية وجدانية، وميولات جنسية خارج القوالب الجندرية للثقافة الاجتماعية الابوية الذكورية.

   لهذا وجد هروبه هو الاخر عبر حبوب الهلوسة، للتستر على عذاباته النفسية أمام العار المجتمعي الذي يلاحقه نفسيا و اجتماعيا وثقافيا وعلائقيا…

   تأتي هذه الشخصية في الرواية لتعمق البنية الدالة والرؤية للعالم التي تنسجها استراتيجية الكتابة، على أن أمام مجتمع منخور ومتآكل من الداخل. ويعج بالكثير من التناقضات والمفارقات، والصراعات وأشكال من التضاد والتباعد، بين ما يحجبه الظاهر من قيم وأخلاق ونظرة ورؤى وأفكار ومعاني وعلاقات مسكونة بالازدواج في الشخصية، وتفكك الأنا وفقدان البعد النرجسي لقيمة الذات في تاريخها الشخصي.

   لامجال للمطابقة والادعاء المجاني بالسمو الأخلاقي، والمثالية الاعتقادية بخير أمة. شتان بين قناع الطهارة والقداسة والصفاء والنقاء ومكارم الاخلاق والثورية والتنوير والوعي النقدي…، وبين المدنس والقذارة والانحلال ومختلف أشكال الشذوذ واللاسواء، القابعة في جوف الذات، وبين طيات اللاشعور المعذب للفرد.

   في هذا الجدل بين الظاهر والخفي تعري الرواية الحقائق والفظاعات، والقذارات العطنة التي يتستر عليها المجتمع. تميط الحجاب عن الوجه الحقيقي للمفارقات البشعة، التي يكبتها ويحظرها ويقمعها هذيان الشرف الرفيع، و هوامات مكارم الاخلاق الصعبة المنال والتحقق، والوجود الحي الملموس في المجتمع والثقافة والدولة …

  • ريم، سلمى، خنسة…

   رغم اختلاف التجربة الوجودية لكل واحدة منهن، وما يتولد عن ذلك من ديناميات نفسية وعقلية، فإنهن الحلقة الأضعف في المجتمع الأبوي بنزعته الذكورية. فرغم الوعي والتمرد والقناعات الصلبة التي تميزت بها كل من ريم وخنسة، فإن عبء وسطوة النظام الابوي وثقافته الذكورية كان قاسيا في حقهن جميعا. وسبب لهن الكثير من المتاعب النفسية والوجودية والاجتماعية.

   لم تكن مختلف أشكال الصراع التي خاضتها كل واحدة منهن، والمعاناة التي تجرعن مرارتها وقسوتها الشرسة، سهلة. لأن ثقل النظام الابوي، في ثقافته ومعاييره وأحكامه وقواعده الذكورية، كان ظالما وقاسيا في تعميق آلامهن وعذاباتهن. حيث كان من السهل التخلي عنهن وتجاهل قيمتهن الإنسانية، في التفاعل والتواصل والتقبل والقبول والاعتراف والتقدير.

   “رغم أن كيومة كان مثلي لكنه لم يتخلص البتة من كونه ذكرا شرقيا، وأن ما يفعله ويقوم به لا يعيبه بقدر ما يعيب الأنثى أو المرأة التي تشاركه قذارته تلك إن صح التعبير91.”

   صحيح أن خنسة كانت رمزا للوعي النقدي والتحدي. كما كانت ريم رمزا  للنهوض والتغيير والقدرة على البناء الذاتي، إلا أن معركتهما تتطلب الكثير من الألم والعذابات في ظل مجتمع جعل التناقضات المجتمعية النابعة من السياسات الاجتماعية الاقتصادية، والحياة اليومية بصفة عامة خاضعة لقوانين اجتماعية تقنعت برداء القوانين الطبيعية، القائمة على تغلب سطوة الذكورة، و خرافة الحظ والنحس والقدر المحتوم، وما شابه ذلك من الغيبيات والخرافات، كشكل إيديولوجي، تخفي مبدأ التناقض المجتمعي، وما يكتنفه من صراع اجتماعي سياسي اقتصادي، هو المسؤول عن أحوال وأوضاع الناس، بفعل السياسات الرسمية للأنظمة السياسية الحاكمة، المحجبة وراء الطبيعي والموروث الثقافي والديني.

ثانيا / حدود ومحدودية البوح والنقد الذاتي

   “أحمد الجديد غدا يعتبرني حياته، كل شيء فيها لكن الى أجل مسمى فقط هذا هو حال ذكور بلادنا، هو يعاني جفافا عاطفيا وجنسيا بما أنني الأولى في حياته فقد تشبث بي تشبث الغريق بقشة في وسط البحر سيستيقظ فيه الجن الذكوري وسيحاسبني على كل تاريخي97”

   اعتمدت الرواية تقنية التعدد الصوتي، والمونولوج الذاتي الداخلي في البوح، الى حد نشر الغسيل القذر الذي تورطت فيه الذات. كانت جريئة في الكشف عن مصادر التشوهات النفسية والاجتماعية، التي نالت من تاريخها الشخصي. ومن سيرتها الذاتية الى درجة خسارة ما يشكل حصانة وحرمة نرجسيتها الخاصة. كأفراد ومشاريع وجودية مستقلة ومستقبلية. متحررة من تسلط رهانات وانتظارات تملك الآباء للأبناء، واستغلال الدولة لهم، أو التنكر لإنسانيتهم. واعتبارهم مجرد أدوات وأشياء وسلع في طاحونة المصالح الاقتصادية الضيقة. وبالتالي اغتصاب حياتهم بين مخالب المخدرات والدعارة والعنف القاتل. تبوح الشخصيات بهذه العذابات المتراكمة وأنواع الاكراهات الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية، التي حالت دون انطلاقها الرحب في الحياة. وعيش تجربتها الوجودية والاجتماعية والثقافية والعاطفية الجنسية…، بكامل الحرية والكرامة، من شرف لقمة العيش، دون أي ابتزاز، أو تحكم في الحقوق، الى المشاركة في القرارات السيادية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

   تمارس في اعترافاتها وبوحها نوعا من النقد الذاتي لسقوطها البشع في دائرة القذارات. تعترف بكل المسخ الذي ساهمت فيه بنوع من الهدر الذاتي، القريب من العبودية المختارة، في الاستسلام للأمر الواقع. لكن حدودها النقدية كانت ملجومة باضطرابات وتوترات وشذوذ دينامياتها النفسية. الشيء الذي حال دون تخلصها النقدي من عبء النظام الأبوي في ثقافته الذكورية.

    “غبي أنا اعتبرتها عاهرة وأقدمت على فعلي ذاك وأنا فخور بفحولتي. أكثر من عامين مع ريم كنت سعيدا معها لكن اعتقادي الراسخ بأنها عاهرة من منظوري جعلني لا أفكر فيها كما يجب وقتها وأنا مغرور بإنجازاتي… أنا كيومة الذي يزرع الفساد أينما حل وارتحل أبحث عن الشرف، عن الطهارة، عن العذرية، انفصام أو ربما هو أكثر من ذلك بكثير76

   هذا يعني أن شخوص الرواية، كانت في بوحها واعترافاتها غارقة في عقدة الذنب والتأثيم، أكثر من حقيقة تشكل وعيها النقدي بضرورة التخلص من الرؤى والأفكار والدلالات ونمط العلاقات الاجتماعية التي تعمل على إعادة إنتاج النظام الأبوي في سياساته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية. وهذا ما جعل تجربتها الوجودية محدودة في الوعي بالمخاطر التي تتهددها نفسيا وفكريا واجتماعيا وإنسانيا، في التفكير والممارسة والعلاقات…

   وهذا لا يقلل من جرأتها في الفضح والتعرية للذات والآخرين. بوح واعتراف حارق مؤلم، وتمثيل فني رائع لواقع نعرفه ونعرف خباياه العفنة في الأفراد والجماعات والمجتمع. وقبل ذلك في الدولة والمؤسسات الجوفاء، وفي القيم و التصورات والمعتقدات الدينية والثقافية…

   وصريحة شفافة الى درجة لم تعد تقبل بالتستر لغة وفكرا وثوبا عن الحقارات والقذارات، ومختلف أشكال التعهر الذاتي والاجتماعي السياسي، والثقافي والديني، التي نحملها في داخلنا، بحرص سيزيفي في تعذيب وإنهاك الذات ساديا ومازوشيا.

   وتتضح مثالا لا حصرا محدودية هذا البوح، والقراءة النقدية للتاريخ الشخصي للذات في العلاقة بالمرأة. حيث كانت المرأة أم أحمد إيراتيك وريم وخنساء أكثر تجذرا على مستوى الوعي النقدي بفظاعات النظام الأبوي الذكوري. فرغم ثراء التجربة الوجودية للرجال، ووعيهم بالتحولات السوسيولوجية التي سمحت بكفاح المرأة، في سبيل تغيير الدونية والتهميش والثقافة الاجتماعية الذكورية. فإن الشخصيات الرجالية كانت عاجزة عن التخلص من وحل عبء الذكورة الشرقية.

   “زوجي الذي تغيرت لغته ونظرته للمرأة تحولت بعد الزواج الى النقيض. كل ذلك التفهم، ذلك الحب، تلك التضحية، كل شيء تبخر، واختفى بعد أشهر قليلة من الزواج، زوجي الذي ادعى قبل الزواج التفتح وبأنه يفكر بشكل متحرر وأن المرأة كما الرجل غير مجبرة على تقديم تقرير عن ماضيها لأي كان.78″/ يتبع…

______________________________________________________

عزيز شراج “كيومة إكستازي”، دار نشر المقدمة، الطبعة الأولى 2023

Visited 30 times, 2 visit(s) today
شارك الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي