حول “اليسار الديموقراطي” والميلشيات الطائفية وأعطاب الشيوعية

حول “اليسار الديموقراطي” والميلشيات الطائفية وأعطاب الشيوعية

فاطمة حوحو

        مع انهيار الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفياتي وأنظمة دول المحور الاشتراكي، ومعها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية و”التحرّرية” في العديد من دول العالم، بدأت اجتهادات البحث عن بدائل لا تمس بالأهداف العامة، وتحميل المسؤولية لأخطاء ارتكبت في التطبيق لا في النظريات التي قامت عليها، وهو أمر لا يزال ساري المفعول عند الباحثين عن مرتجى للتغيير الديموقراطي.

وعليه، فإن الكثير من نخب الأحزاب الشيوعية في أكثر من بلد، ومنها لبنان، ممن انتقدوا التجربة أو كانوا من المشاغبين المغضوب عليهم، تحولوا إلى البحث عن صيغ تبقي على النظرية الماركسية، لكنها تنتقد التجربة اللينينيّة، وتتقارب مع المفاهيم الليبرالية، لتبني عليها ما سمّي بـ”اليسار الديموقراطي”، في محاولة للبقاء على قيد الحياة السياسية، بعد أفول نجم الشيوعية وقواها المحركة، أحزاباً وانظمة وحركات تحرّرية أصابها الوهن والتعب. فهي عمرت طويلاً من دون أن تقدم أي نموذج ناجح، لا بل تمسكت بماضيها ودعمت ديكتاتوريات بقايا حلفاء العهد البائد بما يناقض الأهداف، مقفلة أبواب النقاش، وبقيت تدور حول نفسها ولا تقدم أي جديد، سواء على الصعيد الفكري أو العملي.
    لذلك خفّ تأثيرها، كونها صارت “ديناً” مقدساً لا يمكن نقده، وبالتالي تحولت إلى تابع صغير الشأن، تقتات بما يُرمى لها من فتات الشعارات والأوهام والأموال، لتبقى على آخر رمق من الحياة. هذا ما حصل مع الأحزاب الشيوعية العربية إجمالاً، وهو ما يمكن قوله بوضوح عن تجربة الحزب الشيوعي اللبناني بالذات، الذي ارتبط بعد استشهاد جورج حاوي بطريقة أو بأخرى بمحور الممانعة وأنظمتها في المنطقة، ويكاد بمواقفه لا يتمايز عن الحزب الديني “حزب الله”، لا بل إن بعض أعضائه يبدون إعجاباً منقطع النظير بتجربته وتبعيته لإيران، التي تعمل على دعم مشاريعها لإقامة جمهوريات إسلامية في البلدان العربية التي سيطرت على قراراتها، بفعل نشاط مخابراتها وحرسها الثوري، الذي يذكّر ربما الشيوعيين اللبنانيين برواية “الحرس الفتي” التي كتبها ألكسندر فادييف، وهي تروي قصة عن مقاومة مائة فتى من “الكومسومول” في كراسندون خلال الاحتلال الالماني، متجاهلين بالطبع أن ستالين منع هذه الرواية، وكان هذا الأمر سبباً في انتحار كاتبها، الذي يحيط بموته غموض كبير.

أين اختفت حركة اليسار؟
     على الرغم من قتامة المشهد، جرت محاولة لم تعش طويلاً، تمثلت بتجربة حركة “اليسار الديمواقراطي”، التي لم يعد يسمع بها اليوم، كونها مختفية تماماً عن الساحة السياسية. فلا يصدر عنها بيان أو موقف سياسي أو نشاط، أو حتى صفحة “فيسبوك” تنشر “نعي الرفاق”. ومع ذلك، هناك يساريون يعملون بـ “المفرق”، موزعين في جمعيات المجتمع المدني، وثمة ناشطون كما ظهر في “ثورة 17 تشرين” (2019)، استفادوا من تجربتهم في انتفاضة الاستقلال 2005، حيث كانوا مبادرين إلى التحريض على تحقيق العدالة وتعزيز المصالحة والتخلص من الاحتلال السوري، ورفض النظام الأمني السوري – اللبناني، والتمسك باستقلال لبنان.

ففي ذلك التاريخ، لعبت حركة “اليسار الديموقراطي”، التي كانت قد تأسست في سبتمبر- أيلول 2004 دوراً مميزاً، خصوصاً أنها ضمّت مثقفين، أبرزهم المفكر والكاتب الشهيد سمير قصير، والروائي الياس خوري، وعدد من الأساتذة الجامعيين، بينهم الدكتور زياد ماجد، ومارك ضو، وغيرهم من ناشطين سياسيين بعضهم كان في قيادة الحزب الشيوعي، وبعضهم في منظمة العمل الشيوعي، من أبرزهم الياس عطا الله ونديم عبد الصمد وحكمت العيد، ومجموعات شبابية يسارية الهوى كانت ناشطة داخل الجامعات ترفع شعارات الديموقرطية، والحريات الفردية والعامة، والعلمانية.

تأثير احتلال بيروت في 7 أيار
    هذه التجربة التي كان يجب أن تغتني بالتنوّع والانفتاح على الآخر لم تعش طويلاً، فهي وإن أوصلت نائبين إلى مجلس النواب، هما الياس عطا الله في العام 2005 وأمين وهبة في انتخابات 2009، حيث ترشح على لائحة تيار “المستقبل”، كانت جزءاً من المعارضة الوطنية، التي تشكلت من “لقاء قرنة شهوان”، وحركة التجدد الديمقراطي، والتجمع الديمقراطي لمعارضة التعديل الدستوري، الذي مدّد ولاية الرئيس إميل لحود الرئاسية بقرار من النظام السوري، حيث كان صوت اللبنانيين يعلو من أجل سحب القوات السورية وتطبيق اتفاق الطائف، قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري وموجة الاغتيالات التي تلته.
في نيسان/ أبريل 2007، حصلت انتخابات داخلية تنافست فيها قائمتان، إحداهما مدعومة من عطا الله، والأخرى من كتلة شبابية تحمل اسم “إلزم اليسار”. وقد حصلت هذه الكتلة على 30% من أصوات الأعضاء في لبنان، و58% من أصوات الأعضاء في الخارج، في استطلاع على الانترنت، فاعتبرت لائحة عطا الله فائزة، وهو ما أدى إلى انسحاب زياد ماجد وإلياس خوري. إثر ذلك، زالت صفة التنوّع عن الحركة التي أبقت على مجموعة من الشيوعيين، وبالتالي جرى التحكم بهم بواسطة الريموت كونترول، فظهرت نتائجها بوضوح، عندما انتخب في العام 2011 وليد فخر الدين رئيساً بعد مقاطعة العديد من الأعضاء الشباب.
    بعد الذي جرى في بيروت بتاريخ 7 أيار- ماي  2008، لم يعد لحركة اليسار أي مركز، وبقي عملها السياسي يجري وفقاً للتجربة الشخصية المستوحاة من الحزب الشيوعي. فلا مواكبة للعصر على الأقل تكنولوجياً، للتواصل مع جيل الشباب، ولا مصادر تمويل، فيما بقي الناشطون اليساريون يحاولون تجميع أنفسهم في محاولة لتأسيس أحزاب جديدة، بينهم “حاويو” الحزب (نسبة إلى القائد جورج حاوي) وغيرهم ممن رفعوا شعارات “كلن يعني كلن”. فيما ارتفعت وتيرة نبرة الانتقادات المتبادلة، وبات الجميع في دوامة.

غياب رمز اليسار والشلل الفكري
     في ذكرى استشهاد رمز اليسار الديموقراطي سمير قصير، التي يعتبر البعض أن تغييبه أصاب هذه الحركة بالشلل الفكري والعملي، سألت أحد المؤسسين والقياديين في الحركة، الذي فضل عدم نشر اسمه، لأنه بات اليوم خارج هذه التجربة، عما إذا كان يوافق على وجهة النظر هذه؟
يقول مصدرنا: “هناك جزء من الحقيقة في ذلك، ولكن ليس كل الحقيقة. بالتأكيد الذي كان يخطط لاغتيالات العام 2005، كان يدرك تماماً التأثيرات السلبية على واقع حركة هذه الانتفاضة، ومن الطبيعي كان عليه أن يوجه عمليات الاغتيالات نحو القوى اليسارية واليمينية على حد سواء، لأن ثورة 2005 لم تكن ثورة اليسارفقط. فاليسار كان مجرد شريك فيها، وهي كانت انتفاضة فيها تنوّع سياسي شاركت فيه كل القوى السياسية من اليمين واليسار والوطنيين اللبنانيين المستقلين، لأن المطلب كان محدداً ومعروفاً، وهو انسحاب القوات السورية من لبنان، خاصة بعد اغتيال الحريري وتحميل مسؤولية اغتياله للنظام الامني السوري ـ اللبناني، ونحن ندرك ماذا يعني هذا النظام البوليسي الذي كان سائداً.

بالتأكيد، أثّر استشهاد سمير قصير سلباً، وكان أحد الأسباب التي ساهمت في أفول دور حركة اليسار الديموقراطي، التي كانت وصلت إلى مكان استقطبت فيه عدداً من الشباب”.
يذكر أنه في “إحدى المرات كان الياس خوري قد أتى مع أحد الأطباء الأساسيين في مستشفى “أوتيل ديو” إلى مركز الحركة، وعبّر هذا الطبيب عن رغبته في الانتساب إلى الحركة، فمازحته قائلاً: “ما بقى فيه محلات اليوم؟!، ” كانت هناك نهضة هائلة في الانتساب للحركة ما بين تشكلها في 2004 حتى 2005، إذ تجاوز عدد أعضائها الألفين عضو، وهذا رقم يشمل كل المناطق اللبنانية في بلد لا يتجاوز عدد اللبنانيين فيه 4 أو 5 ملايين نسمة في ذلك الوقت، وهو رقم ليس بقليل في ظل التشظي الطائفي الموجود، وحيث تنتشر أحزاب هي في الواقع مجرد ميليشيات طائفية، نشاطها محصور ومتقوقعة في مناطق محددة، وليست منتشرة على مساحة الوطن. طبعاً، قسم كبير من أعضاء الحركة جاء من رحم الحزب الشيوعي، وهذا واحد من الأسباب الرئيسية لتراجعها أيضاً. كانت الفكرة أنه بعد انتهاء الحرب الاهلية كان لا بد من إجراء نقد لتجربتنا في الحرب مثل أي عاقل، يناقش الماضي بعقل الحاضر من أجل رؤية المستقبل، فالعيش في الماضي غير مطلوب، ولا تقديس التجربة، ولا حتى تقديس الشهداء، فهم استشهدوا وكانوا مقتنعين بخياراتهم، ولا يمكن أن نقف عند الوقت الذي استشهدوا فيه أو نبقى تحت عبء هذا العنوان العاطفي في ذلك المكان”.

قوة منفتحة ولكن!
    يتابع المصدر: “كان الخيار تشكيل اليسار الديموقراطي كقوة منفتحة قابلة للتشكل من مستويات ومشارب مختلفة من تركيبة البلد، تؤمن بالعدالة والمساواة، وبأن النظام الطائفي القائم في البلد لا إمكانية له للاستمرار، وهذا الأمر كان يحتاج إلى موقفين: الأول توحيد الموقف ضد النظام السوري وإنهاء نظام الوصاية الذي كان قائماً، وهو كان موضوعاً خلافياً، وأنا أتفهم هنا مخاوف البعض من طرحه، لأن هناك فترة زمنية طويلة عاشها الحزب الشيوعي، وحصلت اغتيالات لم يكن الطليان وراءها طبعاً، بل معروف من قام بها، أي نظام الوصاية السورية رسمياً وقوى محلية مرتبطة به لعبت دوراً تنفيذياً. هذه المخاوف التي كانت تواجهنا لم يكن علينا أن نصمت عنها، بل كان لا بد من رفع الصوت ضدها. أنا أتذكر أنه عندما حصل التمديد للحود، وكان أول إعلان رسمي للنظام السوري بأننا نحن مَن نحكم البلد ولسنا قوات ردع، قررنا النزول إلى الشارع والتعبير عن رفضنا للتمديد. كنا نتوقع أن تتم “جرجرتنا” إلى السجون، وبدأت وقتها تعقد لقاءات واجتماعات من أجل حماية الدستور ورفض التمديد، كنا حوالى 150 شاباً ارتدوا الألبسة السوداء ونزلوا إلى ساحة الشهداء، في اليوم نفسه الذي عقد فيه البرلمان جلسته من أجل التمديد للرئيس لحود. كنا نعتقد أننا سنتعرض للقمع، لذا اتخذنا قراراً بأننا لن نقاوم القوى الأمنية، بل سنلجأ إلى النوم على الأرض، وليحصل ما يحصل. المهم أن نصدر صوتاً معارضاً. طبعاً، قيل عنا وقتها إننا مجانين، وفي الحقيقة كانت لدى الضابط المسؤول في حينه عن حماية البرلمان، مخاوف من أن نقتحم البرلمان، بينما كنا نحن في المقابل خائفين من ممارسة القمع ضدنا. فحصل تفاوض بأن لا نعبر نحو البرلمان وهم لا يعبرون إلى ساحة الشهداء، وقد لعبت حركة اليسار دوراً مميزاً في انتفاضة الإاستقلال رغم حجمها الصغير”.
ويوضح: “كانت معظم القوى المعارضة تقبل أن تكون اجتماعاتها في مقر اليسار الديموقراطي، وقيادة هذه التجربة لا سيما وأننا كنا مبادرين في يوم تشييع الرئيس رفيق الحريري، وحيث كان المطلوب أن يدفن ويذهب كل شخص مشارك إلى منزله، ولكننا اتخذنا قراراً جريئاً آنذاك، وقررنا أن نعتصم في ساحة الشهداء، وأول خيمة صغيرة نصبت في المكان كان لونها أزرق، وبقينا ليلتها هناك”.

ما بين المركزية والنسبية
     ويلفت المصدر إلى مسألة خلافية أخرى بين اللبنانيين، وهي التنوّع ضمن الوحدة، “فهذه الفكرة سمحت بتعددية الآراء وتشكيل تيارات داخل التنظيم السياسي كجزء من ممارسة الديموقراطية، وهو كان أمراً مرفوضاً بالمطلق في الحزب الشيوعي، الذي يبني تنظيمه وفقاً للمركزية الديموقراطية، باعتبار أن تعددية الآراء تفكيك للحزب ووحدته، كما كان هناك موضوع آخر هو قانون الانتخاب الداخلي في الحزب الشيوعي، وكانوا يقولون بالنسبية، لكن المفاجأة أن معظم القيادات كانت تسأل ما هي النسبية؟ كيف يسأل عن ذلك وهو يطالب في برنامجه بقانون انتخاب نسبي؟”.
   ويتابع: “المهم انطلقنا في حركة اليسار على امتداد واسع من الجنوب إلى إقليم الخروب وبيروت والشمال والبقاع، وكنا حوالى 2000 كادر منتسب، طبعاً من دون إحصاء العائلات والمؤيدين والجمهور. لكن ويا للأسف، معظم هذه التركيبة كان مصدرها الحزب الشيوعي اللبناني، وبالتالي الطبع غلب التطبّع في الممارسة”.
   وهنا يذكر المصدر أنه في إحدى المرات سأله احد المسؤولين في الحركة التي تشكل نظامها الداخلي على تقبّل التيارات، كيف يمكن أن نسقط  منافسين له من المرشحين، كوننا اعتمدنا النسبية في التمثيل، ولا يمكن إسقاطهم”.
   وهنا كشف مصدرنا أن “العقل الشيوعي لا يزال موجوداً في إدارة التنظيم، رغم التمايز عن الحزب في الموقف السياسي، لم يجر تقبل موقف النخب الذين كانوا من مؤسسي الحركة. فالذين جاؤوا من الحزب الشيوعي أحضروا معهم أمراضهم، وأنا كنت من بين المدافعين عن فكرة الانفتاح وعدم التقوقع على طريقة الحزب، خاصة وأن كثيرين من الأعضاء جاؤوا من الحزب، لكنهم اعتبروا أنهم لا يمثلونه. فالحركة لم تكن انقساماً عن الحزب وفكرتها مختلفة، مما ساعدنا في إبراز تنوّعنا (سمير والياس وزياد ومارك ضو) للدخول إلى فئات اجتماعية جديدة. ففي السابق، كانت العقلية الشيوعية تقدس الفقير وفقاً للنظرية اللينينية، يعني ابن عرسال الذي يفلح الأرض مثلاً كان أهم من مدير مدرسة”.
    وعن الخلاف حول العريضة التي صدرت إثر “أحداث 7 أيار” وسيطرة “حزب الله” على بيروت، يقول: “لم يكن الاعتراض على مضمون العريضة في الموقف من حزب الله، فهي نالت الموافقة، لكن الأسماء وضعت من دون استشارة، وهنا اعتبر البعض أنهم ليسوا مجرد أدوات شطرنج”.

الانتخابات والالتحاق بالحلفاء
    ماذا عن الانتخابات النيابية وحساسياتها؟
 يجيب المصدر: “في انتخابات عام 2005 ترشح الياس عطا الله في جبل لبنان، ثم نقل ترشيحه إلى الشمال، وكان يهمه أن يكون في لائحة مع “تحالف 14 آذار”، في وقت كان علينا أن نفهم بأن هذا التحالف مؤقت، وهم لن يذهبوا معنا إلى ما نبتغي تحقيقه لاحقاً. فمشاركتنا في انتفاضة الاستقلال هي لهدف محدد، فإذا تم تحقيقه فهو غير قابل للاستمرار لأن مهمته انتهت. كان يجب أن تكمل الحركة عملها السياسي من موقع يساري، لكن بقيت “الآذان مدارة” من تيار “المستقبل”، في وقت كنا جهزنا أنفسنا لتكون المعركة في جبل لبنان. لاحقاً لم يكن هناك مشروع قانون واحد قدم باسم حركة اليسار في المجلس النيابي. المشكلة لم تكن في الشخص، لكن الممارسة لم تكن مقبولة”.
     ما هو المطلوب من اليسار؟ لا يتردد مصدرنا في الإجابة: المطلوب أن نسعى لكي يكون لدينا بلد طبيعي، وتأمين مقومات قيامه من إشارة السير إلى الجامعة والمستشفى، يعني ببساطة ليس السعي إلى مقاومة عربية شاملة كما يطالب الحزب الشيوعي اليوم ودول محور الممانعة. فالشيوعي يدعو إلى هذه المقاومة كما يدعو المشايخ إلى دخول الجنة، أي مجرد شعارات. بالطبع المقاومة مطلوبة إذا احتلت إسرائيل أراض، لا يمكن الضرب على مكان بدون هدف. في الوقت الحالي يمكن أن أؤيد الشعب الفلسطيني، ولكن لا يمكن أن أكون مع “حماس” ومع حرب دينية، وبالتأكيد لن أكون مع التطرف الصهيوني. لنفترض أن “حماس” ربحت، ما هو المشروع الذي ستقدمه لنا، مشروع إخواني لن يدفعني لأكون في الجهة الأخرى ولكن لن أكون معه”.
    وينفي المصدر أن يكون سبب الخلافات الداخلية في اليسار يعود إلى خلافات مالية. ويؤكد: “أنا كنت في المكان الذي يقرر، لكن للأمانة، ولا مرة كان الموضوع هو خلاف مالي، نحن كنا ضد التمويل المشروط”.
ويوضح أنه في انتخابات العام 2009 ترشح أمين وهبة في البقاع الغربي، مع أن الفكرة لم تكن واردة لديه، وكان تيار “المستقبل” بحاجة إلى مرشح شيعي في المنطقة، فانضم إلى اللائحة بعدما تبين أن لا مكان للتجديد لنيابة عطا الله في طرابلس، فترشح وهبة على أن يكون ضمن كتلة “المستقبل”، لكن جرت مضايقات وملاحقات من “حزب الله” يوم الانتخاب على الأرض لماكينة الحركة الانتخابية”.

ما بين الحاويين والحدّاديين
    ويرى المصدر أن محاولة بعض الشيوعيين “الحاويين” اليوم لتجميع اليسار غير موجودة. كانت هناك محاولات في السابق، لكن كل مواقف مَن كان يمثلهم هم اليوم أقرب إلى مواقف اليساريين الديموقراطيين. فهؤلاء لا ينشطون حالياً داخل الحزب الشيوعي، بل مَن ينشط هم “الحدّاديون” (نسبة إلى الأمين العام السابق للحزب خالد حدادة). أتمنى لهم النجاح، ولكن لا يمكنهم أن يحققوا شيئاً، فإكرام الميت دفنه، وقد تأخر ذلك كثيراً. تجربة التغيير من الداخل فشلت منذ أكثر من 30 أو 40 سنة، والمحاولات ستفشل في كل مرة”.
    ويؤكد أن من سيبني أي يسار جديد هم الشباب، فالحياة تكره الفراغ، وبالتأكيد سيكون هناك من يملأ هذا الفراغ باسم اليسار، باسم الديموقراطيين. كل التجارب اليسارية، من الحزب الشيوعي إلى منظمة العمل، إلى حركة اليسار ماتت. وإذا نظرنا إلى التجمعات التي قامت في العام 2019 أثناء الثورة فهي كانت من اليسار الديموقراطي، والذين أداروا انتخابات نواب التغيير كانوا أيضاً من اليسار الديموقراطي، ولكن لا يوجد رابط تنظيمي بينهم، ومثل كل المجتمعات التي تشبه لبنان، يعتقد فيها كل واحد أنه الزعيم الأوحد”.
    في المحصلة، لم يعد بالإمكان أن تكون التشكيلات الحزبية كما كانت سابقاً، لا يميناً ولا يساراً، تلك هي الخلاصة التي لا بد من إضافة إليها أن الحاجة إلى اليسار في المجتمع الطائفي حاجة وطنية وقوة لا بد منها من أجل للتغيير.

Visited 28 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

فاطمة حوحو

صحافية وكاتبة لبنانية