بلجيكا بين تحديات تشكيل الحكومة وناقوس التدهور الاقتصادي

بلجيكا بين تحديات تشكيل الحكومة وناقوس التدهور الاقتصادي
نضال آل رشي
       بدأت في بلجيكا رسمياً مفاوضات تشكيل الحكومة الفيدرالية الجديدة، وسط توقعات بأنها قد تكون الأسرع في التشكيل في حال سارت الأمور بشكل جيد.
تأتي هذه المفاوضات بعد موافقة الحزب الاشتراكي الفلمنكي (Vooruit) على الانضمام إلى ائتلاف يضم الحزب الليبرالي الفرانكوفوني ( MR) و الحزب اليميني الفلمنكي (NV-A)، بالإضافة إلى الحزبين المسيحيين الفرانكوفوني والفلمنكي (Les Engagés، CD&V)، مما يضع البلاد على مسار جديد نحو الاستقرار السياسي، رغم غياب اليسار عن المشهد السياسي البلجيكي للمرة الأولى منذ فترة طويلة.
    هذا وقد تم التوصل إلى توافق حول تسمية الحكومة الجديدة باسم “حكومة إصلاح”، بدلاً من “حكومة يمين وسط”، وهو ما يعكس تركيز الحكومة الجديدة على تنفيذ إصلاحات حقيقية في عدة مجالات رئيسية. السيد بارت دي وافر زعيم الحزب اليميني الفلمنكي سيستمر في دوره كمنسق عام فيدرالي لتشكيل الحكومة وقيادة المفاوضات.
 
ملفات دسمة على طاولة المفاوضات:
استمرار الطاقة النووية:
    يعد استمرار استخدام الطاقة النووية قضية رئيسية، حيث توفر هذه الطاقة جزءًا كبيرًا من احتياجات الكهرباء في بلجيكا. تسعى الحكومة لتحقيق توازن بين الاستفادة من الطاقة النووية وتقليل المخاطر المرتبطة بها، مع النظر في التوجه نحو مصادر طاقة متجددة في المستقبل.
 
شروط أكثر صرامة متعلقة بالهجرة واللجوء:
    ستتبنى الحكومة الجديدة سياسات أكثر صرامة لتنظيم الهجرة واللجوء، تشمل تشديد الفحوص الأمنية، تقليص أوقات معالجة طلبات اللجوء، وزيادة الرقابة على الحدود. تهدف هذه الإجراءات إلى ضمان نظام عادل ومستدام للأشخاص الذين يطلبون الحماية وبنفس الوقت تخفيض ملحوظ في عدد طلبات اللجوء على طاولة النفقات.
 
عودة العاطلين عن العمل إلى سوق العمل:
    تعتزم الحكومة قطع الراتب عن غير العاملين بعد سنتين من تاريخ توقفهم عن العمل ما لم يكن هنالك أسباب مقنعة لعدم العودة إلى سوق العمل كما ستسعى الحكومة الجديدة لتنفيذ برامج تدريبية وتحفيزات للشركات لتوظيف العاطلين، بالإضافة إلى تحسين برامج البحث عن عمل وتعزيز التعليم والتدريب المهني وتهدف هذه السياسات إلى خلق بيئة عمل شاملة وزيادة نسبة التوظيف لتحفيز الاقتصاد.
 
تحديات واختلافات:
    رغم التوافق على العديد من الملفات، لا تزال هناك خلافات حول كيفية تطبيق السياسات المتعلقة بالتقشف وتقليل نفقات الرعاية الصحية التي ستشكل محاورًا رئيسية في المفاوضات القادمة.
    كل هذا سيحصل بينما تنتظر أوروبا تقريرًا جديدًا من السلطات البلجيكية في 20 سبتمبر القادم حول مكافحة العجز في الميزانية، وهو أمر حيوي لتقييم الوضع المالي للبلاد.
فبلجيكا، كغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، تواجه تحديات اقتصادية متعددة تشمل النمو الاقتصادي، الديون العامة، وعجز الميزانية. في السنوات الأخيرة، شهد الاقتصاد البلجيكي تباطؤًا في النمو مع زيادة في مستويات الديون والعجز المالي.
    في العام 2023، نما الاقتصاد البلجيكي بنسبة 1.2% فقط، وهو تباطؤ ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. يُعزى هذا التباطؤ إلى ضعف الطلب الداخلي والخارجي، وتأثيرات التضخم المرتفع. بينما بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 106% في نهاية عام 2023. هذه النسبة تعتبر مرتفعة بالمقارنة مع المتوسط الأوروبي، مما يضع ضغوطًا كبيرة على الحكومة للحد من الديون العامة، إضافةً إلى عجز الميزانية من المتوقع أن يصل العجز المالي إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مما دفع المفوضية الأوروبية لفتح إجراءات العجز المفرط ضد بلجيكا، مطالبة بتخفيض العجز بنسبة 0.5 نقطة مئوية سنويًا. 
    على الحكومة البلجيكية الجديدة مواجهة كل هذا وسط انقسامات سياسية ولغوية عميقة تعرقل قدرتها على تحقيق إصلاحات شاملة وتشكيل حكومات مستقرة، فالبلاد مقسّمة إلى ثلاث مناطق لغوية رئيسية: الفلمنكية (الهولندية) في فلاندرز، الفرنسية في والونيا، والألمانية في بعض المناطق الشرقية. أما بروكسل العاصمة هي منطقة ثنائية اللغة حيث يتحدث السكان باللغتين الهولندية والفرنسية.
    هذه الاختلافات اللغوية انعكست توتراً بين المجتمعين الفلمنكي والفرنكفوني توتر يعود بدوره لعدة عقود، حيث تتمتع كل منطقة بحكم ذاتي واسع النطاق في مجالات متعددة مثل التعليم والثقافة. هذه التوترات غالبًا ما تؤدي إلى صعوبات في تشكيل حكومة فيدرالية تمثل جميع الأطراف بشكل عادل. فبعد الانتخابات العامة في عام 2010 احتاجت بلجيكا إلى 541 يوماً لتشكيل الحكومة وهي أطول فترة تشكيل حكومة في تاريخها. 
    هذه الانقسامات تؤثر بشكل مباشر على فعالية الإدارة الاقتصادية، حيث يواجه صناع القرار صعوبات في تنفيذ سياسات مالية واقتصادية منسقة. الانقسامات تؤدي أيضًا إلى تفاوتات في التنمية الاقتصادية بين المناطق، حيث تتمتع فلاندرز بمعدلات بطالة أقل واقتصاد أقوى مقارنة بوالونيا.
    ختاماً، بالرغم من كونها واحدة من الدول المتقدمة في الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ بلجيكا تواجه تحديات اقتصادية كبيرة وانقسامات سياسية ولغوية معقدة. معالجة هذه التحديات تتطلب تعاونًا وثيقًا بين جميع الأطراف السياسية واللغوية لتحقيق استقرار اقتصادي ونمو مستدام. تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل، ولكنه ضروري لضمان مستقبل و وحدة البلاد.
 
Visited 54 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

نضال آل رشي

كاتب و باحث في الشؤون الدولية