أوكرانيا لم تكن الهدف.. بل مجرد ساحة لمواجهة روسية – غربية مؤجلة

أوكرانيا لم تكن الهدف.. بل مجرد ساحة لمواجهة روسية – غربية مؤجلة

د. زياد منصور

           منذ الساعات الأولى لانطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصَّة في أوكرانيا في فبراير- شباط 2022، أكدت موسكو أن ما يجري ليس حربًا مع أوكرانيا وحدها، بل مواجهة مع ما سمّته “الغرب الجماعي”. آنذاك، رأى كثيرون في هذا الطرح محاولة روسية لتبرير الحرب أو التخفيف من وطأة تعثرها، ووُصِفت روسيا من قبل الأوساط الغربية الداعمة لكييف وحلفاء الغرب في العالم العربي، بأنها دولة احتلال تخوض حربًا ضد دولة أضعف منها بكثير.

ولا حاجة إلى التذكير بأن قسمًا كبيرًا من الذين تبنّوا هذه النظرة إلى الحرب كانوا قد حسموا موقفهم مسبقًا، وانطلقوا من افتراض ضمني مفاده أن كل ما يصدر عن الدوائر السياسية والإعلامية الغربية صحيح ومقدّس ولا يقبل النقاش. ولم يكن موقفهم، في حالات كثيرة، ثمرة دراسة متأنية للتاريخ الروسي أو للوقائع التي سبقت الحرب، بقدر ما كان امتدادًا لتصوّرات إيديولوجية جاهزة عن روسيا.

والأخطر أن كثيرين ممن تصدّروا النقاش حول روسيا لا يعرفون إلا القليل عن تاريخها، ولم يطّلعوا على مفاهيمها السياسية والأمنية، ولا على المصطلحات التي تشكّل رؤيتها لذاتها وللعالم المحيط بها. وقد نشأ بعضهم، في حقيقة الأمر، داخل بيئة ثقافية وإيديولوجية قائمة على الروسوفوبيا والعداء لروسيا، ثم للاتحاد السوفييتي، الذي قُدّم لهم بوصفه «بلد الكفر والكفار»، وبلد الفقر والتخلّف والاستبداد، ضمن خطاب دعائي طويل اختزل مجتمعًا كاملًا وتجربة تاريخية بالغة التعقيد في مجموعة من الصور النمطية الجاهزة.

ولم تتوقف آثار هذه الحرب الإيديولوجية عند حدود السياسة؛ بل امتدت إلى الثقافة والتعليم والبحث العلمي. فقد بلغ الأمر ببعضهم حدّ التقليل من قيمة خريجي الجامعات الروسية والسوفييتية، والتعامل مع النتاج العلمي الروسي وكأنه غير موجود أو غير جدير بالاهتمام، بصرف النظر عن مستواه أو إسهاماته الفعلية. وهكذا تحوّل الموقف من روسيا، في بعض الأوساط، من نقد سياسي مشروع إلى إنكار شبه شامل لتاريخها وثقافتها ومؤسساتها العلمية وإنتاجها المعرفي.

وهذا موضوع آخر يحتاج، في ذاته، إلى مقالات عديدة تتناول جذور الروسوفوبيا، وآليات تشكّلها في الثقافة العربية، ودور الخطابات الدينية والسياسية والإعلامية في ترسيخها، فضلًا عن أثرها في تقييم التعليم الروسي والإنتاج العلمي السوفييتي والروسي بعيدًا عن المعايير الأكاديمية الموضوعية

غير أن مسار الحرب، بعد أكثر من أربع سنوات، يدفع إلى إعادة قراءة هذا التوصيف. فالمشهد العسكري والسياسي والاقتصادي الذي تكشف تدريجيًا يجعل من الصعب النظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة ثنائية بين موسكو وكييف فقط، بل أقرب إلى صراع تخوضه روسيا ضد منظومة غربية واسعة سخّرت إمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية لدعم أوكرانيا.

الضربات الأخيرة… مؤشر على تطور الحرب

المراكز التي استهدفها الأوكرانيون خلال اليومين الماضيين ي مراكز تابعة لشركة وايلدبيريز (Wildberries)، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا. وهذه ليست مجرد مستودعات تقليدية، بل عقد لوجستية عملاقة تضم مراكز للتخزين والفرز والنقل البري، وشبكات بيانات، وأنظمة تتبع للشحنات، وأساطيل من الشاحنات والمتعهدين، بما يضمن نقل كميات هائلة من البضائع بسرعة عبر الأراضي الروسية.

أما المجمع الثاني الذي تعرض للهجوم فهو مجمع إلكتروستال، الذي يضم مركز بيانات بطاقة أربعة ميغاواط ويحتوي على آلاف الخوادم، ما يمنحه أهمية كبيرة في البنية الرقمية واللوجستية للشركة.

قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تصور أن تصل المسيّرات الأوكرانية إلى موسكو أو إلى منشآت استراتيجية بهذا العمق داخل روسيا. لكن الحرب أثبتت أن ميدان القتال يتغير باستمرار، وأن التكنولوجيا والابتكار قادران على إعادة رسم قواعد الاشتباك.

أوكرانيا… ندّ عملياتي لا ندّ استراتيجي

ورغم هذه التطورات، لا يمكن اعتبار أوكرانيا ندًا استراتيجيًا لروسيا، وإنما ندًا عملياتيًا. فروسيا لا تزال تتفوق بفارق كبير في عدد السكان، والموارد الطبيعية، والقدرات الصناعية والعسكرية، والقوة الجوية، والصاروخية، والنووية.

إلّا أنّ أوكرانيا لا تقاتل بإمكاناتها الذاتية وحدها، بل تعتمد على جيش أوكراني يحظى بدعم آلاف المستشارين العسكريين الغربيين، إلى جانب متطوعين ومقاتلين أجانب ينتمون إلى جنسيات مختلفة، من بينهم ألمان وفرنسيون وبولنديون، وبريطانيون، وبلجيكيون، وغيرهم. كما تستند إلى تمويل أوروبي واسع، وتسليح وتقنيات أميركية وغربية متقدمة، فضلًا عن منظومة متكاملة من الاستخبارات والاتصالات والتدريب والصيانة والتخطيط واللوجستيات تشارك في تشغيلها ودعمها عشرات الدول.

كيف أبقى الغرب أوكرانيا صامدة؟

لقد كان العامل الأكثر أهمية يتمثل في إبقاء الدولة الأوكرانية نفسها قادرة على العمل. فالحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تحتاج الدول إلى رواتب، وكهرباء، ومستشفيات، وطرق، ومؤسسات، وخدمات عامة.

ولهذا ضخ الاتحاد الأوروبي ودوله، حتى اليوم، أكثر من 250 مليار يورو من مختلف أنواع الدعم، منها نحو 143 مليارات يورو للموازنة والاقتصاد والإغاثة، ونحو 80 مليار يورو للدعم العسكري. كما أقر الاتحاد الأوروبي قرضًا جديدًا بقيمة 90 مليار يورو لعامي 2026 و2027، يخصص جزء كبير منه للدفاع والصناعة العسكرية.

وفي الوقت نفسه، موّلت الولايات المتحدة الموازنة الأوكرانية بعشرات مليارات الدولارات عبر البنك الدولي، الأمر الذي حال دون انهيار الحكومة والعملة والخدمات الأساسية.

أمّا الدعم العسكري الأميركي، فلم يقتصر على تزويد أوكرانيا بالذخائر ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى والصواريخ الدقيقة، بل شمل أيضًا وسائل الاتصالات الآمنة، وشبكات القيادة والسيطرة، وصور الأقمار الصناعية، وقدرات الاستطلاع والمراقبة، والتخطيط العملياتي، والتنسيق اللوجستي، وقطع الغيار، والصيانة، وربط مختلف المنظومات العسكرية ضمن شبكة قتالية موحّدة. كما أدّت منظومة ستارلينك التابعة لشركة إيلون ماسك دورًا محوريًا في تأمين الاتصالات الميدانية والقيادة والسيطرة ونقل البيانات على امتداد الجبهات، إلى جانب ما وفرته الولايات المتحدة وبريطانيا من صور أقمار صناعية وبيانات استخباراتية ووسائل مراقبة واستطلاع فضائي عززت قدرة القوات الأوكرانية على كشف الأهداف وتوجيه الضربات ومتابعة التحركات الروسية بصورة شبه آنية.

ومنذ عام 2025 أُنشئت آلية PURL، التي تتولى من خلالها دول حلف شمال الأطلسي تمويل شراء الأسلحة الأميركية التي تحتاج إليها أوكرانيا. وحتى هذا الشهر، موّل الحلفاء أكثر من ستة مليارات دولار من المعدات العسكرية الأميركية عبر هذه الآلية، ولا سيما ذخائر الدفاع الجوي ومنظوماتها. وتعكس هذه الصيغة مستوى غير مسبوق من التكامل داخل المنظومة الغربية؛ إذ تتولى الدول الأوروبية جانبًا كبيرًا من التمويل، بينما تؤمّن الولايات المتحدة الإنتاج والتوريد، مستفيدةً من تفوق قاعدتها الصناعية العسكرية وقدرتها على تصنيع الذخائر والصواريخ والأنظمة المتقدمة بكميات وسرعة لا تزال معظم الصناعات الدفاعية الأوروبية عاجزة عن مجاراتها. وبهذا لم يعد الدعم الغربي لأوكرانيا قائمًا على المساعدات المباشرة فحسب، بل أصبح نموذجًا متكاملًا لتقاسم الأعباء، حيث تموّل أوروبا جانبًا مهمًا من الكلفة، فيما توفر الولايات المتحدة التكنولوجيا والإنتاج والقدرات الصناعية التي تشكل العمود الفقري لاستمرار المجهود الحربي الأوكراني.

العمق الأوروبي للحرب

وخارج الحدود الأوكرانية تشكّلت شبكة عسكرية ولوجستية واسعة تضم مراكز للتدريب، ومستودعات للسلاح، وورشًا للإصلاح والصيانة، وخطوطًا للسكك الحديدية، ومطارات، وغرفًا لتنسيق الإمدادات، فضلًا عن منشآت الصناعات الدفاعية في عدد كبير من الدول الأوروبية. وقد نُظّمت برامج تدريب للقوات الأوكرانية في فرنسا وبولندا وليتوانيا وبريطانيا ودول أخرى، شملت التدريب الأساسي والمتخصص، واستخدام منظومات السلاح الغربية، والقيادة والسيطرة، والاستطلاع، والطب العسكري، وإدارة العمليات المشتركة. وتُعد بولندا وألمانيا مركزين أساسيين لمهمة الاتحاد الأوروبي لتدريب القوات الأوكرانية، فيما درّبت فرنسا آلاف الجنود الأوكرانيين داخل أراضيها وفي بولندا، وتولت بريطانيا، ضمن عملية «إنترفليكس»، تدريب عشرات الآلاف من العسكريين الأوكرانيين بمشاركة دول حليفة عديدة.

كما شاركت السويد وفنلندا، اللتان تخلّتا عن حيادهما العسكري التقليدي وانضمتا إلى حلف شمال الأطلسي، في تدريب القوات الأوكرانية وتقديم المعدات والذخائر والدعم الصناعي والدفاعي. ولم يقتصر الأمر على تدريب الأفراد، بل شمل إعدادهم لاستخدام منظومات غربية متطورة، من بينها منظومات الدفاع الجوي «باتريوت»، وراجمات «هايمارس»، والمدفعية الغربية، والعربات المدرعة، فضلًا عن تدريب فنيين على أعمال الصيانة والإصلاح والتشغيل.

وتزامن دعم أوكرانيا مع تعزيز الوجود العسكري لحلف الناتو على الجناح الشرقي. فقد أنشأت ألمانيا اللواء المدرع الخامس والأربعين في ليتوانيا، تمهيدًا لنشر نحو 4800 عسكري ألماني بصورة دائمة، إلى جانب وحدات متعددة الجنسيات ومنشآت ومراكز دعم في دول البلطيق. كما عزز الحلف دورياته الجوية فوق ليتوانيا وإستونيا، ووسّع مناوراته البرية والجوية والبحرية في المنطقة، وهو ما جعل المجال الممتد من بحر البلطيق إلى كالينينغراد واحدًا من أكثر مناطق الاحتكاك العسكري حساسية بين روسيا والناتو.

وفي هذا السياق، لم تعد كالينينغراد وأساطيل روسيا في البلطيق تواجه مجرد حضور عسكري رمزي، بل باتت محاطة بشبكة متنامية من الرادارات، والقواعد الجوية، ووحدات الدفاع الجوي والصاروخي، والقوات البرية والبحرية التابعة للناتو. وقد أدخل نشر الصواريخ القادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية في المنطقة عنصر الردع النووي المتبادل في الحسابات العسكرية، وجعل أي مواجهة في بحر البلطيق قابلة للتصعيد السريع، وإن لم يصل الأمر حتى الآن إلى إعلان غربي موثق عن تهديد نووي مباشر بتدمير أسطول البلطيق أو ضرب كالينينغراد

وقد تخرج من هذه المنظومة أكثر من 95 ألف جندي أوكراني تلقوا تدريبات متقدمة، بينما امتنعت روسيا عن استهداف هذه المنشآت لأنها تقع داخل أراضي دول الناتو، وهو ما كان سيؤدي إلى توسيع الحرب بصورة مباشرة.

لماذا تغيرت الاستراتيجية الروسية؟

في بداية الحرب، اعتقدت موسكو أن الحسم سيكون سريعًا، لكن الواقع فرض حسابات مختلفة. وأصبحت العقيدة الروسية تقوم على التقدم البطيء، واستنزاف القوة البشرية والاقتصاد الأوكراني، مع المراهنة على تراجع الإرادة السياسية في أوروبا والولايات المتحدة قبل تراجع القدرة الروسية. ولا شك أن روسيا تستطيع تصعيد الحرب إلى مستويات أكثر تدميرًا، لكنها لا تملك ضمانًا لتحقيق نصر شامل وسريع بكلفة مقبولة، أو فرض السيطرة الكاملة على أوكرانيا من دون مخاطر توسع الصراع. ولو كان تحقيق هذا الهدف ممكنًا بكلفة مقبولة، لما استمرت الحرب كل هذه السنوات.

روسيا بين الغرب والصين

ورغم أن المواجهة المباشرة تدور مع الغرب، فإن التحدي الروسي لا يقتصر عليه وحده. فالعلاقات الروسية الصينية شهدت عبر التاريخ مراحل من التعاون والتنافس. فمنذ العهد الإمبراطوري عرف البلدان نزاعات حدودية، ثم شهد القرن العشرون الانقسام السوفييتي–الصيني والاشتباكات المسلحة على الحدود عام 1969، قبل أن تنتقل العلاقات لاحقًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

واليوم تبدو الصين شريكًا مهمًا لروسيا، لكنها ليست حليفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي. فلكل دولة مصالحها القومية وحساباتها الاستراتيجية الخاصة، ولا توجد مؤشرات على أن بكين قدمت دعمًا عسكريًا مباشرًا لروسيا أو أن العلاقة بينهما وصلت إلى مستوى تحالف مؤثر في مسار الحرب.

ويرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية أن بكين تسعى إلى ترسيخ موقعها بوصفها القوة الاقتصادية الأولى عالميًا، وأنها تنظر إلى الموارد الروسية، والطاقة، والتكنولوجيا، والخبرات العلمية باعتبارها عناصر مهمة في مشروعها الاستراتيجي طويل الأمد. وفي المقابل، تدرك موسكو أن تعميق التعاون مع الصين لا ينبغي أن يتحول إلى علاقة تبعية، لأن التاريخ يبين أن العلاقات بين القوى الكبرى تحكمها المصالح المتغيرة أكثر مما تحكمها التحالفات الدائمة.

الصين وأوكرانيا -علاقات مستمرة

ومن المفارقات التي كثيرًا ما تُغفل في قراءة الحرب، أن الصين، رغم شراكتها الإستراتيجية مع روسيا، حافظت في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية مع أوكرانيا. فقبل الحرب كانت الصين أكبر شريك تجاري لأوكرانيا، واستمرت المبادلات التجارية بين البلدين خلال عامي 2023 و2024، ولا سيما في السلع الزراعية والمواد الأولية وبعض المكونات الصناعية، وإن كانت بمستويات أقل من مرحلة ما قبل الحرب. كما أن الشركات الأوكرانية، مثلها مثل الروسية، اعتمدت بدرجات متفاوتة على المكونات والإلكترونيات والمنتجات الصينية ذات الاستخدام المدني أو المزدوج، ولا سيما في قطاع المسيّرات. وفي المقابل، لم تظهر أدلة موثقة على تقديم بكين دعمًا عسكريًا مباشرًا لأوكرانيا، كما لم تعلن الصين انحيازها العسكري لأي من طرفي الصراع، بل سعت رسميًا إلى الحفاظ على موقعها بوصفها شريكًا اقتصاديًا للطرفين، مع ميل سياسي أوضح نحو موسكو في مواجهة الضغوط الغربية. وتُبرز هذه المعادلة أن بكين تنظر إلى الحرب بمنظار المصالح القومية والاقتصادية، أكثر من كونها التزامًا بتحالفات عسكرية تقليدية.

معركة تتجاوز أوكرانيا

لقد تحولت أوكرانيا، عمليًا، إلى رأس حربة لتحالف يتفوق على روسيا اقتصاديًا، وتقنيًا، وماليًا، وصناعيًا. ومن هنا، فإن تفسير الحرب على أنها مواجهة روسية–أوكرانية فقط لم يعد كافيًا لفهم طبيعتها. كما أن تصويرها على أنها دليل على ضعف روسيا يتجاهل حجم المنظومة الدولية التي تقف خلف كييف.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع موسكو الاكتفاء بإدارة المواجهة مع الغرب، بل عليها أيضًا أن تدير بحذر علاقاتها مع شركائها الكبار، وفي مقدمتهم الصين، بما يحفظ استقلال قرارها الاستراتيجي ويمنع تحول أي شراكة إلى مصدر ضغط مستقبلي.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى الدولية. وفي قلب هذه المرحلة تقف روسيا أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة ضغوط الغرب الجماعي من جهة، والحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، من جهة أخرى. ولذلك، فإن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد حرب على أوكرانيا، بل إحدى أهم ساحات الصراع على شكل النظام الدولي الذي سيتبلور خلال العقود المقبلة.

وبات الجميع، في الشرق والغرب، يدرك أن مآل الحرب في أوكرانيا لن يحدد مستقبل هذا البلد وحده، بل سيسهم إلى حد بعيد في رسم ملامح النظام العالمي الجديد. فهذه الحرب تحولت إلى اختبار واسع لموازين القوة الدولية، ولقدرة الغرب على فرض إرادته، ولقدرة روسيا على الصمود ومنع محاولات تطويقها وإضعافها.

وعلى الغرب أن يدرك أن الاستمرار في بناء استراتيجيته على وهم إمكان تحقيق انتصار حاسم على روسيا قد يقوده إلى نتائج معاكسة تمامًا، وأن استنزاف روسيا لن يبقى بلا كلفة على الدول الغربية نفسها، بل قد يفاقم أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويزيد الانقسامات داخل مجتمعاتها، ويقوض الثقة بمؤسساتها ونخبها الحاكمة.

غير أن بداية الانهيار قد لا تأتي من الغرب، بل من الداخل الأوكراني نفسه؛ من دولة أنهكها الفساد، وتنازعتها الضغائن والصراعات الداخلية وتناقض المصالح، فيما بدأت تظهر داخل المجتمع الأوكراني أصوات أكثر واقعية تتساءل عن الكلفة الحقيقية للتحالف غير المشروط مع الغرب، بعد أن دفعت البلاد مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وتعرض اقتصادها، وبنيتها السكانية، والعمرانية، لدمار واسع.

كما أن الرهان على القومية المتطرفة، واستدعاء رموز مثل ستيبان بانديرا، وصعود جماعات تتبنى إرثًا قوميًا راديكاليًا ومعاديًا لروسيا، أسهما في تمزيق الذاكرة التاريخية المشتركة بين الروس والأوكرانيين، وأضعفا الروابط السلافية والثقافية التي جمعت الشعبين قرونًا طويلة. لقد جعل هذا المسار من أوكرانيا دولة أكثر انقسامًا وهشاشة، وحوّلها من جسر محتمل بين الشرق والغرب إلى ساحة صراع مفتوح بينهما.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمن يربح معركة أو يتقدم بضعة كيلومترات، بل بمن يستطيع الصمود أطول، والحفاظ على تماسكه الداخلي، وتحمل الكلفة الاقتصادية والبشرية والسياسية للحرب. وفي نهاية المطاف، قد لا يكون المنتصر هو الطرف الذي يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، بل الطرف الذي يحافظ على دولته ومجتمعه وإرادته السياسية عندما تبدأ منظومات خصومه بالتصدع من الداخل.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!