الرباط تحتضن الذاكرة الحية للمناضلة ليلى شهيد
عبد الرحيم التوراني
يوم أمس السبت، المصادف للسادس عشر من ماي 2026، لم يكن مجرد يوم عابر في مفكرة الأيام الرتيبة، بل كان يوما استثنائيا وخارجا عن سياق الروتين اليومي الذي بات يثقل كواهلنا. في زمن أصبحت فيه الفضاءات العامة والمنصات الرقمية مشحونة بأخبار وتفاهات تندرج تماما ضمن ما رصده المفكر الكندي ألان دينو في مؤلفه الشهير “نظام التفاهة”…
جاء هذا اليوم ليعيد لزمننا معناه ويمنح الوجدان الجماعي فرصة للتنفس والاستشفاء بالقيم النبيلة والذاكرة الحية التي لا تطالها يد النسيان.
بدأ اليوم في الدار البيضاء بصباح ممطر، حمل معه آخر أمطار السنة ليرسل إشارات التطهير والخصوبة، لكنني ما أن استقللت القطار ووصلت إلى العاصمة الرباط، حتى فوجئت بشمسها المشرقة.. ولم يكن هذا الشروق مجرد ظاهرة مناخية، بل كان تجسيدا رمزيا لحدث دافئ.. كيف لا تشرق الرباط وقد عادت إليها الروح الرمزية للمناضلة الدبلوماسية الاستثنائية ليلى شهيد؟ عادت لتحتضنها العاصمة في كنف الرفاق والأصدقاء، في هذه المدينة التي عاشت بها زمنا وأحبتها وأحبت أهلها ومثقفيها وفنانيها، بقدر ما أحبوها هم واحتضنوها بصدق. إن المغاربة لطالما اعتزوا بليلى شهيد كمغربية الهوى والوجدان، تماما بقدر محبتهم الأزلية لفلسطين وقضيتها العادلة.
أتت الدعوة الكريمة من مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، وكان اللقاء التكريمي والاحتفائي في مدرج الشريف الإدريسي برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.. هذا الفضاء الأكاديمي والتاريخي العريق شهد مشهدا استثنائيا لم نعد نألفه منذ سنوات وأعوام.. إذ غصت القاعة عن آخرها واضطر كثير من الحاضرين لافتراش الأرض في مظهر يعيد إلى الأذهان العصر الذهبي للمد النضالي والفكري بالمغرب.
لقد أتوا من كل فج عميق… مناضلون خبروا السجون والساحات.. سياسيون بارزون، فاعلون حقوقيون، دبلوماسيون، فنانون صاغوا بوعيهم ملامح جيل بأكمله، وشعراء وأدباء وأصدقاء مخلصون للقضية.. أتوا جميعا من أجل ليلى شهيد، ذلك الاسم الذي تخطى حدود الفرد ليوضع في مصاف الرموز التي تختزل معاني القضية الفلسطينية برمتها.. لقد كانت لحظة نادرة مشحونة بكل معاني الوفاء والمحبة الحقيقية والتفاؤل العميق، ولم تكن أبدا لحظة نعي أو بكاء بالمعنى التقليدي، وإن كان الحزن النبيل والبكاء الدفين حاضرين في القلوب والأفئدة، وباديين على الملامح والوجوه التي لفتها جلالة الذكرى.
إن السمة البارزة في هذا اللقاء تجلت في كون كل الذين تناوبوا على المنصة لم يأتوا بالكلمات الرنانة أو الخطب المكرورة والقول المجتر الذي يُلقى عادة في مثل هذه المناسبات.. بل جاءت مداخلاتهم مخفورة ومشحونة بصدق جارف وإيمان عميق، أدارتها وسيرت فقراتها باقتدار وحنكة كبيرين الدكتورة لطيفة البوحسيني، التي أضفت على اللقاء مسحة من الرصانة والعمق.
افتتح التناوب على المنصة الشاعر والروائي محمد الأشعري، بصفته رئيسا للجهة المنظمة والداعية لهذا المحفل (مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد). وفي كلمته حرص الأشعري على التأكيد بأن هذا اللقاء هو “احتفاءٌ أكثر منه تأبينا”.. احتفاء بمسار امرأة استثنائية وبفكرة ولدت لكي لا تموت، وبذاكرة حية تقاوم الاندثار. وأوضح أن ليلى شهيد لم تكن مجرد اسم عابر في سجلات التاريخ الدبلوماسي للقضية الفلسطينية، بل كانت وما زالت جزءا لا يتجزأ من وعينا الجماعي ووجداننا العربي والإنساني، مؤكدا في الوقت ذاته أننا كشرفاء ومثقفين ومناضلين نعتبر أنفسنا جزءاً من إرثها الرمزي والنضالي.
تلاه بعد ذلك رفيق درب الراحلة وشريكها في محطات ومبادرات نضالية وفكرية عديدة، الكاتب والمفكر الفلسطيني إلياس صنبر. كانت كلماته قوية.. دالة وناطقة بالنوستالجيا الثورية والحنين الموجع. وقد بلغت العاطفة الصادقة بإلياس صنبر مداها إلى درجة لم يستطع معها تماسك نفسه، فغصت عيناه مرات بالدموع، وتهدج صوته شجنا وهو يستحضر محطات النضال المشترك وشراسة الدفاع عن الهوية الفلسطينية في المحافل الدولية.
وعندما جاء دور المخرجة السينمائية المغربية سيمون بيتون، ارتجلت كلمة دافئة منبثقة من القلب، تحدثت فيها بكثير من الحب عن ليلى شهيد، وعن الأوقات والأيام الطويلة التي تقاسمتها معها في دروب الحياة والنضال… عرجت سيمون بيتون على فلسطين الحاضرة في الوجدان، وعن انخراطها الشجاع في حركة مناهضة الصهيونية، ومشاركتها الفعالة برفقة ليلى وإلياس صنبر وآخرين في تحرير النسخة الفرنسية من مجلة “دراسات فلسطينية” في باريس، المجلة التي كانت منبرا لتفكيك السردية الاستعمارية. ولم تنس بيتون الحديث عن الأمل والمستقبل، مشيرة إلى أن ليلى شهيد كانت تؤمن إيمانا راسخا بإمكانية بناء مستقبل إنساني قائم على المساواة والعيش المشترك، معتبرة أن الشعار التاريخي “تحرير الأرض من البحر إلى النهر”… لا يمكن أن يتحقق في جوهره الإنساني إلا عبر إقرار العدالة والمساواة الكاملة بين جميع من يعيشون فوق هذه الأرض، بعيدا عن الأبارتهايد والإقصاء.
بدوره أخذ الكلمة المفكر علي أومليل، متحدثا بعمق ورصانة عن علاقاته التاريخية والفكرية التي جمعته بليلى شهيد وبزوجها ورفيق عمرها الأديب والروائي المغربي محمد برادة. وهي الصداقة التي زاوجت بين الهم الثقافي والالتزام السياسي.
وفي السياق ذاته تحدث الناشط الحقوقي أنيس بلافريج عن روابط الصداقة المتينة التي جمعته بالراحلة، مؤكدا أن العنوان الأبرز والرابط المقدس الذي شد أواصر هذه العلاقة كان دائما وأبدا هو فلسطين والقضية الفلسطينية.
ولأن الوفاء يتجاوز المسافات والجغرافيا، فقد تعذر الحضور الجسدي على الفنان اللبناني مارسيل خليفة، لكنه حرص على أن يكون حاضرا بروح صوته وموقفه، فأرسل تسجيلا مصورا بالصوت والصورة، تحدث فيه بكلمات مؤثرة عن مناقب ليلى شهيد وعن الأثر العميق الذي تركته في الساحة الثقافية والنضالية العربية والعالمية.
أما الختام فقد كان بدوره بالصوت والصورة، وعبر كلمة عميقة هزت مشاعر القاعة بكاملها.. كلمة رفيق حياة الراحلة الأديب محمد برادة. والمفارقة المؤثرة هنا أن السي محمد برادة لم يتعذر عليه الحضور جسديا إلى رحاب كلية الآداب بالرباط، بل كان هناك يزين الصف الأول من الحضور بوقاره وجلال حزنه… لكن يبدو أن وضعه الصحي وكبر سنه، علاوة على ثقل اللحظة العاطفية أمام قاعة غاصة بالمحبين والرفاق، جعلته يفضل إلقاء كلمته عبر شريط مسجل، إذ ربما خشي ألا يقوى على مغالبة دموعه وإتمام كلمته مباشرة على المنصة… لقد بدا عليه التعب، وكأن السنوات والعقود قد أخذت من جسده أكثر مما ينبغي وأكثر مما يجب، لكن روحه ظلت متقدة ببريق الوفاء لرفيقة العمر والقضية.
في نهاية المطاف يدرك المرء أن أي تقرير صحفي أو مقال ثقافي، مهما بلغت درجة تنميقه واختيار كلماته وسلاسة عباراته، سيبقى عاجزا وقاصرا عن نقل الأجواء الحقيقية الشفافة والمهيبة التي سادت ذلك الحفل التكريمي…
إن الحضور المادي والمعايشة البصرية والوجدانية لتلك اللحظات الفاصلة في مدرج الشريف الإدريسي كانت أقوى بكثير، وأثقل وزنا وقيمة من أن تُختزل في أسطر أو كلمات…
لقد كان يوما للتاريخ.. يوما أكد فيه المغرب من خلال عاصمته وثقافته ومناضليه، أن ليلى شهيد ستظل حية في تفاصيل وعينا، وأن قضية فلسطين ليست قضية خارجية، بل هي مكون أصيل من مكونات الهوية والضمير المغربي الحركي.
