لم تعد باريس حلما للمثقفين العرب
تولوز- المعطي قبال
لم تعد باريس تلك العاصمة الثقافية الذي كانته فيما مضى، مجال معرفي وإبداعي، بؤرة لتجليات الآخر إعلاميا، فنيا، روائيا الخ..أضحت اليوم محجا سياحيا للآخر الأجنبي، الثري الذي يصرف ميزانية خرافية في الحفلات الليلية، في اقتناء العطور واللباس والخمور الموقعة باسم الماركات العريقة. وفي ذات الوقت تغيرت تركيبة المجتمع الفرنسي حيث تضاءل الحس النقابي وانتقل قسم من الطبقة العاملة من الفكر اليساري المعارض إلى اليمين المتطرف تاركا الساحة لانتشار العنصرية ونبذ الأجنبي. ثقافيا لم تصمد الثقافة أمام حملات النبذ والتمركز العرقي والتنديد بالثقافة كشكل من أشكال المقاومة لنشر التعدد والاختلاط. ويتربع اليوم مفكرون، كانوا بالأمس معارضين، على رأس صحف اليمين واليمين المتطرف مثل لوفيغارو، لوجورنال دي ديمانش، فالور آكتيال الخ…في هذا المناخ جفت أقلام المثقفين العرب، وبهت صوتهم. في هذه الظرفية، لم تعد ثقافة الشتات على ما كانت عليه. من هنا طرح السؤال التالي: هل لا زالت باريس عاصمة الثقافة العربية؟ كانت هذه التيمة محور الندوة التي عقدت بالرباط في إطار المعرض الدولي للكتاب بمساهمة فاروق مردم بك، المعطي قبال وشوقي عبد الأمير. بتنشيط من سعاد زعيتراتي. في هذه الورقة أقدم مساهمتي في هذه الندوة والتي اكتفيت أثناء المداخلة بالإشارة إلى بعض أقسامها.
الثقافة العربية ثقافات أو ثقافة بصيغة الجمع. لا تلخصها ثقافة مؤسسة واحدة ،بل هي حصيلة ممارسات لعدة مؤسسات . تواجدت هذه الثقافات من عربية، فرنكوفونية، أمازيغية في حقب وأزمنة متباينة. تجسدت في الأغنية، في الرواية، الفن التشكيلي، التحقيقات والدراسات الأكاديمية وفي السينما أيضا. على مستوى الرواية فقط، استطاع كتاب من أمثال مولود فرعون، محمد ديب، إدريس الشرابي، محمد خير الدين، كاتب ياسين أن يصدروا أعمالهم في عز الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على بلدان المغرب العربي. ومررت نصوصهم المخيال المغاربي والعربي بمركباته المتنوعة. وكانت تربطهم بالمهاجرين علاقة عضوية مع تيمة « الغربة » التي كانت محورا مفصليا آلف بين المغترب وبلده الأصل.
لكن المشرق كان متواجدا منذ نهاية القرن السابع عشر ممثلا في شخص أنطوان سلامة الراوي الذي عمل مترجما بالمكتبة الوطنية. من بين هذه الأعلام المشرقية البارزة نذكر على سبيل المثال رفاعة رافع الطهطاوي صاحب كتاب « تخليص الإبريز في تلخيص باريس » الذي ألفه عام 1834م. سافر إلى باريس سنة 1826 ضمن البعثة العلمية الأولى لمحمد علي باشا، وبقي هناك 5 سنوات حتى عام 1831م. يُعد الكتاب أول وصف عربي حديث لباريس وأوروبا، وضمّنه الطهطاوي مشاهداته عن المجتمع الفرنسي، النظام السياسي، العلوم، الفنون، والتعليم، وكان له أثر كبير في حركة النهضة العربية. وفي بعض توصيفه لباريس يقول: «وﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ ﻓﻬﺬه المﺪﻳﻨﺔ؛ ﻛﺒﺎﻗﻲ ﻣﺪن ﻓﺮاﻧﺴﺎ وﺑﻼد اﻹﻓﺮﻧﺞ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ، ﻣﺸﺤﻮﻧﺔ ﺑﻜﺜيرﻣﻦ اﻟﻔﻮاﺣﺶ واﻟﺒﺪع واﻻﺧﺘﻼﻻت، وإن ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺪﻳﻨﺔ »ﺑﺎرﻳﺲ« ﻣﻦ أﺣﻜﻢ ﺳﺎﺋﺮ ﺑﻼد اﻟﺪﻧﻴﺎ ودﻳﺎر اﻟﻌﻠﻮم اﻟﱪاﻧﻴﺔ، وأﺛﻴﻨﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﺎوﻳﺔ، وﻗﺪ ﻗﺎﺑﻠﺘﻬﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻘﺪم ﻧﻮع ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺑﺄﺛﻴﻨﺔ- أي: ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺣﻜﻤﺎء اﻟﻴﻮﻧﺎن – ﺛﻢ رأﻳﺖ ﺑﻌﺾ أﻫﻞ اﻷدب ﻣﻦ اﻟﻔﺮﻧﺴﺎوﻳﺔ ﻗﺎل ﻣﺎ ﻣﻌﻨﺎه:إن اﻟﺒﺎرﻳﺰﻳين أﺷﺒﻪ اﻟﻨﺎس ﺑﺄﻫﻞ أﺛﻴﻨﺔ، أو ﻫﻢ أﺛﻴﻨﻴﻮ ﻫﺬا اﻟﺰﻣﺎن، ﻓﺈن ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ روﻣﺎﻧﻴﺔ، وﻃﺎﺑﻌﻬﻢ ﻳﻮﻧﺎﻧﻴﺔ.. ».
علم مشرقي آخر هو أحمد فارس الشدياق (1804-1887). شكلت باريس محطة مفصلية في حياته وفكره. جاء إليها بدعوة من الحكومة الفرنسية للعمل مصححاً ومترجماً في المطبعة الإمبراطورية بعد أن ذاع صيته في مالطا والقاهرة . وفي كتابه اللاذع : « الساق على الساق »، خصص فصولاً كاملة لباريس تحت عنوان “في باريس” وصف فيها التماثيل العارية في اللوفر، حياة النساء، حرية الصحافة، والبرلمان. وقال قولته الشهيرة: “رأيت في باريس إسلاماً بلا مسلمين، وفي بلادنا مسلمين بلا إسلام ». على أي عاش تجربة ثقافية صدامية. تعاقبت على باريس أسماء ثقافية عديدة من بينها توفيق الحكيم، طه حسين، محمد باهي، وغيرهم.
غير أن الترجمة الفعلية للثقافة هي تواجد مؤسسات تعليمية جامعية وأكاديمية، دور نشر هي بمثابة مرآة للإنتاج والإبداع الفكري، مجالات للنقاش تتصادى مع الإنتاج الأدبي والفكري. باريس تتوفر فيها كل هذه العناصر والمقومات.
من الجامعات التي تقترح تدريس اللغة والحضارة العربية:
جامعات باريس والمنطقة الباريسية
– جامعة السوربون نوفيل – باريس 3
– جامعة باريس 8 – فانسين سان دوني
– جامعة السوربون – باريس 4 : قسم الدراسات العربية والعبرية
– جامعة باريس سيتي :
– الكوليج دو فرانس: الذي يعود تاريخ نشأته إلى الملك فرانسوا الأول. احتضن أعلاما فكرية وأدبية اشتغلت على الثقافة العربية نذكر منها إرنست رينان، جاك بيرك، أندريه ميكال، ومن بين الأساتذة الزائرين: محمد أركون : الذي ألقى دروساً في الكوليج دو فرانس سنة 1992
– رياض بن عاشور: الحقوقي التونسي، أستاذ زائر سنة 2015 على كرسي “الدولة والدين ». يجب ذكر المعهد الوطني للغات والثقافات الذي يبقى المرجع الأول في فرنسا.
هناك أيضا جامعات كبرى في المناطق الفرنسية تعنى بتدريس اللغات والثقافات العربية:
– جامعة إيكس مرسيليا: من أقوى الأقسام في فرنسا. إجازة وماستر دراسات عربية، معهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي IREMAM جامعة ليون 2 – لوميير
– جامعة بوردو مونتين
– جامعة تولوز جان جوريس
– جامعة ستراسبورغ
– جامعة ليل
– جامعة لورين – نانسي
– جامعة رين 2
– جامعة مونبلييه 3
دور النشر
نشير إلى الدور الحيوي الذي لعبته دور بعض دور النشر في التعريف بالأدب، الفكر، التاريخ العربي مثل :
– جوتنر (Geuthner): مرجع تاريخي. إصدارات علمية، نصوص عربية كلاسيكية، قواعد، معاجم، أدب ثنائي اللغة عربي-فرنسي.
– ميزونوف ولاروز (Maisonneuve & Larose)
– سندباد / آكت سود (Sindbad / Actes Sud) : سلسلة “المكتبة العربية” لدى Actes Sud. نشطة جداً في الأدب العربي المعاصر والكلاسيكي المترجم.
– منشورات دو سيرف (Éditions du Cerf) : سلسلة “تراث – إسلام” مع نصوص عربية مترجمة ومشروحة.
– منشورات البراق (Éditions Albouraq) : تعنى بنشر النصوص الدينية، التراث الإسلامي، التصوف. تنشر بالعربية وبلغتين.
– منشورات البشاري (Éditions Bachari) : متخصصة في الكتب الدينية والتعليمية باللغة العربية.
– منشورات تسنيم (Éditions Tasnîm) : أدب، مقالات، ترجمات لنصوص عربية معاصرة.
بعض من هذه الدور أغلق أبوابه منذ سنوات فيما تزال دور أخرى تنشر على فترات نصوصا أدبية أو صوفية أو في الأدب الكلاسيكي.
يشار أيضا إلى أن بعض دور النشر الفرنسية مثل سوي، غاليمار، لاديفيرانس نشرت أعمال كل من طاهر بن جلون، مولود فرعون، كاتب ياسين، إدريس الشرايبي، محمد خير الدين، محمد لفتح وآخرين.
يشدد بعض النقاد على الطابع القبلي والعشائري لهذه الثقافة في أحضان باريس. هناك العشيرة العراقية، التي تعرف بفرادة إبداعها لكن بتناحر مثقفيها الأسطوري. العشيرة اللبنانية المبدعة شعرا ورواية، بالعربية والفرنسية. العشيرة السورية الحاضرة شعرا، رواية وسينما في المجال الباريسي. وقد برزت منذ بضع سنوات العشيرة الفلسطينية التي تتميز على الرغم من وضعها المأساوي بالتلاحم والتصاف لخدمة قضايا فلسطين تشكيلا، رواية، سينما الخ…ثمة ملاحظة تتعلق باللغة الفرنسية والتمكن من قواعدها الأساسية. وهو أن عددا هائلا من المشارقة اصطدموا بحاجز اللغة الفرنسية ومع ذلك تجد أغلبهم قدموا أبحاثا لنيل شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي، الفكر الفلسفي، في نتاج الرواة الجدد الخ…هكذا تجد صحافيا غير متمكن من نطق كلام صحيح بالفرنسية، تجده يسرد ميشال فوكو، نتاج رولان بارث، دريدا، دولوز وغيرهم!
أما العشيرة المغاربية فلا يوجد أو يوحد بينها رابط إلا ناذرا . وكانت فترة ما قبل وما بعد الاستقلال فترة انصهار ثقافي قوي ومتميز. كانت باريس تجمع سياسيي ومثقفي وفناني تونس، المغرب، الجزائر.
ثمة سؤال جوهري يعتبر أحد مكونات مسألة الهجرة يتعلق بدوافع الرحيل إلى باريس. ما الذي يدفع بشخص ما، كاتب، باحث، مثقف إلى هجرة بلده والرحيل إلى فرنسا وتحديدا إلى باريس؟ هذا مع العلم أن الشتات بلا حدود. هناك من يختار كندا، ألمانيا، السويد، وأن دياسبورا المثقفين العرب منتشرة في كل البقاع؟ تختلف التجارب من شخص لآخر، من انتماء لآخر. هناك أسباب سياسية، الإفلات من قبضة الأنظمة الديكتاتورية، أسباب جامعية، إتمام البحث الجامعي…مع العلم أن باريس وفرنسا لا تفيض كرما في وجه الأجنبي. وسبق للشدياق أن قال في حقها: “باريس جنة الكافر، وجحيم المؤمن ».
ذكرى شخصية
في هذا السياق أتذكر أستاذة اللغة الفرنسية المسماة مادام دينيه. كانت صرامتها تتناقض مع جمالها بحيث تبرز بشكل فاقع شفتيها بأحمر قاني، هندامها بجبة كاشفة للركبة وكعب عالي تتعمد مشيا بين الصفوف طقطقته في مساحة القسم. وكان البؤساء العروبيون من أمثالي لا يتابعون ما كانت تقوله بل يركزون على قدها الفاتن الممشوق. وبقيت في ذهني صورة مدام دينيه عالقة إلى اليوم وتحيلني باستمرار إلى الجمال، الفتنة وإلى الأنوثة الساحرة الفائرة. وفي أحد الدروس تحدثت عن باريس « مدينة الأنوار » والفرح والمرح والإبداع التشكيلي وأفلام الغرام. ثم تصورت وبقيت أتصور دائما باريس كامرأة فاتنة وجميلة يجب تملكها. إلى أن دخلت على باريس واستمر غرامي بها ولها لمدة ثلاثة عقود قبل أن أغادرها إلى الجنوب. لما تحل بباريس لأول مرة، ترغب في التعرف على تقاسيم جغرافية المدينة التي تخضع لفكر عقلاني لا نجده في عواصم أخرى. سواء على مستوى الهندسة الهوسمانية ( نسبة إلى أوجين هوسمان) ، وبما أنه كان من الصعب علي التنقل بالمترو كان الحل الوحيد فيما يخصني هو اقتناء دراجة هوائية مكنتني من لمس هذه التقاسيم. وأكاد أكون من بين القلائل العرب الذين استعملوا الدراجة الهوائية للتحرك في باريس إلى درجة أن البعض من معارفي كان يعتبر هذا الاختيار سلوك استخفاف وتهور. يقربك التنقل بالدراجة الهوائية من كثافة أشياء الواقع، من تقاسيم جغرافية المدينة. وقد مارسها وكتب عن هذه التجربة العديد من الأدباء ، أمثال ستيفنسون، إرنست هيمينغواي، ألفريد جاري، بيرنار شامباز . لكنني لم أعثر على اديب عربي كتب عن ما يسمى ب « الملكة الصغيرة »، « البشكليتة ». كما أنه من الصعب مصادفة مثقفين عرب في المتاحف الباريسية أو في عروض الموسيقى الكلاسيكية
لكن تزامن مجيء او وصول بعض منا مع الموجة الفكرية والأدبية التي عرفتها باريس، معقل ثورة ماي 68 . موجة نهاية السريالية، وانتشار البنيوية والتفكيكية مرورا بالرواية الجديدة حيث دمغت بقوة كتابات ألان روب غريبه، جاك دريدا، أندريه بروتون، التوسير، رولان بارث، كلود ليفي شتراوس، ميشال فوكو وآخرين دمغت مخيال ومعاش المثقفين والكتاب. أحدثت هذه المدارس والتجارب رجة داخل طرق الكتابة، مقاربة النص وتأويله. خلخلت القناعات الأيديولوجية للمثقف العربي الذي كان مشبعا بالبلاغة البعثية، الماركسية السوقية وبالتأريخ الوضعي. هكذا وجد المثقف العربي نفسه في وضعية المحاكاة والتكرار والترجمة طبعا. ولربما لم نخرج بعد من هذا الوضع. على أي بالمغرب، لا زال الإقبال مستمرا على ترجمة واستحضار نصوص جوليا كريستيفا (وكانت أستاذتي بجامعة جوسيوه)، على نصوص دريدا، رولان بارث، فليب لوجون، جيرار جينيت في النقد الأدبي، على نصوص جيل دولوز وفيليس غاتاري الخ..
اليس الكائن العربي ذاتا محاكاتية ؟ نظاما للنقل وليس للعقل؟ في الثقافة، التكنولوجيا، العلوم وفي وسائل التواصل الحديثة ليس لنا محل في الإبداع والاختراع.
غير أن باريس اليوم بدأت تبهت في تصوري ورؤيتي. لم تعد لباريس نفس الجاذبية التي كانت تتحلى بها من قبل. تغيرت المعايير وأصبحت الثقافة رديفة للرأسمال وللسياسة. المثقف الناجح هو المعلق السياسي. من اليهودي العالمي المتضامن مع قضايا مستضعفي الأرض انتقلنا إلى الصهيوني التلمودي المتمركز ذاتيا حول قناعته وقداسة « قضيته »: الدفاع اللامشروط عن إسرائيل ويمكنه في أية لحظة حمل السلاح في وجه الفلسطيني. مع ديريدا، مع العديد من المثقفين كان الانتماء اليهودي مثل رائحة كما نقول بالمغرب: « رائحة الشحم في الشاقور » أي أن اليهودية هي مجرد انتماء وليست هوية تقوم على اجثتاث الآخر. اليوم انقلبت الآية وأصبحت اليهودية هوية متوحشة. تصهينت اليهودية وتم تحريف واستقطاب ابن ميمون، سبينوزا، بل وحتى فرويد. بسببها تم إقرار سياسة النبذ، الملاحقة والطمس للآخر. هذه الموجة لا تعود لترامب، بل هي سابقة عليه. نشهد نوعا من الاستعمار الجديد المبطن في وسائل الإعلام، في القرارات السياسية، في سياسة النشر ( آخر حلقة في مسرحية التراجيكوميديا هي التي تمت مؤخرا بين فانسان بولوريه وأدباء دار نشر غراسيه.) نشهد تمييعا للثقافة وتبخيسا للعمل الثقافي. لم تعد باريس على ما كانت عليه. عاصمة الصحافة والثقافة العربية. عمقت من شتات المثقفين وفي ظل خراب المجتمعات العربية لم يبق للمثقف سوى التساؤل: « أين المفر؟ ».
