خديعة “القبر الأحسن”.. وداعا نبيل لحلو
عبد الرحيم التوراني
هزّني خبر رحيل الصديق المبدع نبيل لحلو.. كان وقع الخبر كصاعقة مباغتة شقّت سكون النفس، خاصة وأنني كنتُ أتواصل معه قبل ساعات معدودة من نزول الفاجعة… في منتصف نهار اليوم السابق، هاتفته بقلب يملؤه التوجس، وحين لم يتسنّ له الرد، تركتُ له رسالة واتساب أستفسر فيها عن حاله، متمنيا أن تكون صحته في طور التحسن والتعافي.
جاء ردُّه مقتضبا، محملا بكلمات شكر واهنة على السؤال.. لكن تلت تلك الكلمات حروف مبهمة.. متناثرة وغير متسقة، وكأن أصابعه المتعبة ضغطت بشكل عشوائي على أزرار الهاتف في لحظة غياب أو عبور…
خيّل إليّ لاحقا أنها كانت بلغة سماوية ما… هي كلمة الوداع الأخير التي تعذّر على هاتفه نطقها بوضوح…
ومن أين لي وأنا الغارق في طين الحياة، أن أفقه لغة الرحيل أو أفكّ شفرات الوداع؟
عند صلاة عصر يوم أمس الخميس (7 ماي 2026)، وصلتُ برفقة صديقي نور الدين بكير إلى مسجد مقبرة الشهداء بحي لعلو التاريخي بالرباط.. كان المشهد غريبا وموحشا، إذ لم نجد في البدء سوى سيارة نقل الموتى الرابضة في صمتها الجنائزي…
كنتُ أتوقع زحاما وحشدا مهيبا يليق بقامة مسرحية وفنية شامخة بحجم نبيل لحلو، لكن الحاضرين لم يكونوا سوى قلة من الأوفياء.. وكأن القدر أراد أن يؤكد لنا مرّة أخرى أن الأوفياء في هذا الزمن قليلون جدا…
تقدمت بقلب مثقل لأداء واجب العزاء لرفيقة دربه وصموده الفنانة صوفيا هادي، ولابنته ماريا كنزي وابنه كرم الزين، ولابن أخته الأديب والباحث إدريس اكسيكس…
تداولت عبارة “عزاؤنا واحد” بمرارة مشتركة مع ثلة من المكلومين الذين لم يمنعهم غياب الضوء عن الحضور: الفنانة التشكيلية لطيفة التوجاني، المخرج محمد عبد الرحمان التازي، محمد بن احساين مدير مسرح محمد الخامس، رضا بنجلون مدير المركز السينمائي، والمطرب يونس ميكري…
كما لمحتُ بين الوجوه الشاحبة شقيقه المغني محمود ميكري، والمخرجين كمال كمال، عزيز السالمي، وعبد الإله الجوهري، والممثلة آمال عيوش.
سار موكب الجنازة في مسار موارب مخترقا شارع لعلو بدل البوابة الرئيسية، وكأن الجنازة تأبى المسارات التقليدية تماما كما كان صاحبها.. في تلك المقبرة التي غصّت بساكنيها…
حضر نائب وزير الثقافة فيما غاب الوزير، واستفزني قول النائب وهو يجهر متباهيا: “إن والي المدينة اختار للراحل مكانا أحسن!“…. حيث استُبدل القبرُ المُعدُّ سلفا بآخر يطلُّ مباشرة على أمواج المحيط…
“مكان أحسن!!!”…
عبارة رغم مسحة اللطف فيها، إلا أنها أشعلت في نفسي سؤالا حارقا عن الفرق بين كرم الموت وجفاء الحياة…
أغاظني هذا الكرم المتأخر.. فكيف يمنحونه إطلالة على البحر وهم الذين حرموه طويلا من إطلالة تليق بمقامه على منصات التكريم؟؟!!!
استفزّتني العبارة في أعماقي وأشعلت في نفسي مزيجا من السخرية والألم... فكيف تمنّون عليه بمكان تحت التراب، ولم تختاروا له المكانة التي يستحقها وهو يمشى بيننا ببريقه وعنفوانه؟
وكما كان جمهور مسرح نبيل لحلو نخبويا عصيا على التدجين وقليلا، جاءت جنازته تماما على شاكلة عروضه…
لقد عُرف نبيل بصرامته.. كان يُقفل أبواب المسرح في الساعة المحددة تماما، ويمضي في تقديم عرضه بقدسية عالية ولو لم يحضر سوى متفرجين اثنين… واليوم مضت جنازته بوقارها المعهود وعنادها النبيل، وكأنها تؤدي مشهدا ختاميا يقول: إن العرض مستمر.. حتى لو لم يشاهده سوى الأوفياء الخلّص وزوجته وولديه.
تلا الفقهاء آيات من الذكر الحكيم، وبينما كان التراب يُهال على جسد ذاك الفنان الكبير، شعرت أنني أُهيل التراب معه وبحزن مضاعف على نخبة خذلته في حياته ومماته، وعلى زمن عجز عن إدراك قيمة عبقريته قبل أن يواريها الثرى.
