لغز المسيّرات: كيف تلتقي مصالح روسيا وإيران؟

لغز المسيّرات: كيف تلتقي مصالح روسيا وإيران؟

د. زياد منصور

       يُعدّ تحليل العلاقات الروسية–الإيرانية نموذجًا كاشفًا لتعقيدات التفاعل بين الواقع الاستراتيجي والخطاب الإعلامي في النظام الدولي المعاصر. فبينما تُظهر بعض مجالات التعاون بين البلدين طابعًا مؤسسيًا مستقرًا، كما في مشروع محطة بوشهر النووية، تكشف مجالات أخرى، خاصة العسكرية، عن حدود واضحة لهذا التعاون، كما يتجلى في قضية منظومات S-300. وفي المقابل، تبرز الحرب في أوكرانيا بوصفها ساحةً تتقاطع فيها هذه العلاقات مع سرديات إعلامية متضاربة، خاصة فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، حيث تتداخل الوقائع مع التوظيف السياسي والدعائي، وتتحول الأدوات العسكرية إلى رموز خطابية تتجاوز قيمتها العملياتية المباشرة.

بوشهر… التعاون حين يكون مؤسسيًا

يمثل مشروع محطة بوشهر النووية أحد أبرز أوجه التعاون الروسي–الإيراني ذات الطابع المؤسسي طويل الأمد. فمنذ توقيع الاتفاق عام 1995، عملت روسيا على استكمال بناء المفاعل النووي وتزويد إيران بالوقود اللازم لتشغيله ضمن إطار يُصنَّف رسميًا في مجال الطاقة النووية السلمية، مع ترتيبات دقيقة لإعادة الوقود المستهلك إلى روسيا، بما ينسجم مع الضوابط الدولية.

وقد دخلت المحطة الخدمة الفعلية عام 2011، لتتحول إلى مصدر مهم لتوليد الطاقة الكهربائية، فيما توسّع التعاون لاحقًا ليشمل بناء مفاعلات إضافية واتفاقات بمليارات الدولارات. ويعكس هذا النموذج نمطًا من العلاقات يقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار النسبي، حيث تحافظ روسيا على دور تقني ورقابي، بينما تستفيد إيران من بنية طاقة متقدمة دون الانخراط في نقل تقنيات حساسة ذات طابع عسكري.

ومن هنا، يصبح بوشهر مثالًا على تعاون مضبوط ومؤطر، بعيد عن السرديات التي تحاول تصوير العلاقة بين البلدين بوصفها اندماجًا استراتيجيًا كاملاً أو تحالفًا عسكريًا غير مشروط.

حين تتدخل السياسة في السلاح

على النقيض من استقرار التعاون النووي، تكشف قضية منظومات S-300 عن طبيعة أكثر هشاشة وتعقيدًا في المجال العسكري. فقد وقّعت روسيا وإيران اتفاقًا لتزويد طهران بهذه المنظومات الدفاعية عام 2007، غير أنّ الصفقة أُلغيت عام 2010 تحت ضغط العقوبات الدولية، في خطوة عكست بوضوح استعداد موسكو لإعادة تموضعها وفقًا لمصالحها الأوسع.

ولم يُستأنف تنفيذ الصفقة إلا عام 2016، بعد تأخير دام قرابة عقد، وهو تأخير ذو دلالة استراتيجية عميقة، إذ يبرز حدود العلاقة بين الطرفين، ويؤكد أنّها ليست تحالفًا مطلقًا، بل علاقة محكومة بالتوازنات الدولية، وقابلة لإعادة الضبط في أي لحظة.

هذه الواقعة تحديدًا تكشف مفارقة أساسية: فبينما يبدو التعاون المدني مستقرًا ومؤسسيًا، يبقى التعاون العسكري خاضعًا لحسابات سياسية دقيقة، ما ينفي فكرة وجود محور متماسك بالمعنى التقليدي.

حرب المسيّرات… من “بيرقدار” إلى “شاهد”

مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت الطائرات المسيّرة إلى قلب المشهد، لا بوصفها مجرد أداة قتالية، بل كعنصر مركزي في بناء السرديات. فقد جرى الترويج بشكل واسع للطائرات التركية من طراز “بيرقدار”، التي قُدّمت بوصفها أحد العوامل الحاسمة في تعزيز القدرة الأوكرانية، وتحولت سريعًا إلى رمز إعلامي يتجاوز قيمتها العملياتية الفعلية.

وفي المقابل، ظهرت سردية مضادة تتحدث عن استخدام روسيا لطائرات مسيّرة يُقال إنّها إيرانية الصنع من طراز “شاهد” في صراعها مع أوكرانيا، في محاولة لإحداث توازن في الخطاب. غير أنّ كلا السرديتين ظلّ يعتمد بدرجة كبيرة على تقارير إعلامية وتحليلات غير حاسمة، ما يجعل هذا التوازي أقرب إلى إنتاج خطاب دعائي متبادل منه إلى توصيف دقيق لواقع ميداني موثّق.

وهنا تتجلى طبيعة الحرب الحديثة، حيث لا تقل أهمية الرواية عن السلاح، بل تصبح جزءًا من أدوات الصراع نفسها.

زيلينسكي والخليج… تسويق الحرب وحدود الاستجابة

في هذا السياق، سعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى توظيف هذا الزخم الإعلامي، عبر تقديم أوكرانيا بوصفها دولة متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة، وعرض خبراتها على دول الخليج في محاولة لفتح مسارات تعاون جديدة.

غير أنّ هذه المبادرات لم تجد صدى فعليًا يُذكر. فالخليج، الذي يرتبط بعلاقات متينة وبراغماتية مع روسيا، لم يُظهر استعدادًا للانخراط في هذا الطرح، وهو ما يعكس قراءة واقعية لموازين القوى، ووعيًا بالفارق بين الخطاب الدعائي والقدرة الفعلية.

وفي الوقت ذاته، يُظهر الأداء الميداني أنّ فعالية الطائرات المسيّرة الأوكرانية قد تراجعت نسبيًا، في ظل التطور الروسي المتسارع، سواء من حيث توسيع خطوط الإنتاج، أو تطوير نماذج متعددة من الطائرات المسيرة، أو إدخال أنظمة مضادة، بما في ذلك تقنيات الليزر، إلى جانب تعزيز قدرات التحكم والتوجيه عبر الفضاء، وهو ما يعكس تقدمًا واضحًا في بناء منظومة عسكرية متكاملة.

ولا يعني ذلك غياب التحديات، بل يشير إلى انتقال الحرب إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد أي أداة منفردة قادرة على حسم المعركة، بل أصبحت جزءًا من شبكة متكاملة من القدرات.

حين تتحول المسيّرات إلى سرديات أكثر منها تفوق حقيقي

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحوّلت الطائرات المسيّرة إلى محور سردي بامتياز. وكما ذكرنا بدأت القصة مع “بيرقدار”، التي قُدّمت بوصفها رمزًا للقدرة الأوكرانية على الصمود، قبل أن تظهر رواية مقابلة تتحدث عن طائرات “شاهد” الإيرانية بوصفها عنصر دعم لروسيا. غير أنّ القاسم المشترك بين الروايتين هو اعتمادهما على تضخيم إعلامي يتجاوز القيمة العملياتية الفعلية لهذه الأدوات، ويحوّلها إلى رموز أكثر منها أدوات.

لكن هذه السرديات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، يمتد من أوكرانيا إلى الخليج، ومن الصراع الروسي–الغربي إلى التوتر الأميركي–الإيراني. فالترويج لفكرة وجود دعم روسي عسكري واسع لإيران، أو العكس، لا يخدم فقط توصيف العلاقة الثنائية، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة: إبقاء الصراعات مفتوحة، ومنع أي مسار تهدئة محتمل.

في هذا الإطار، تبدو المبادرات التي يطرحها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لا سيما ما يتعلق بعرض إرسال خبراء أو تقديم خبرات عسكرية لدول الخليج، أقرب إلى محاولة لاقتناص الفرص السياسية منها إلى مشاريع تعاون واقعية. فهي مبادرات لم تجد صدى فعليًا في بيئة إقليمية تتسم بالبراغماتية، وترتبط بعلاقات متوازنة مع موسكو، وتدرك حدود الخطاب الدعائي في مقابل الحقائق الاستراتيجية.

الأهم من ذلك، أنّ هذا الخطاب يأتي في لحظة حساسة، حيث تتقاطع الحرب في أوكرانيا مع احتمالات التصعيد في الخليج. وهنا، يصبح الحديث عن “محور روسي–إيراني” أداة لتأطير الصراع بوصفه كتلتين متقابلتين، بما يبرّر استمرار المواجهة بدلًا من البحث عن تسويات.

غير أنّ مؤشرات الواقع تسير في اتجاه مختلف. فقد أظهرت بعض التطورات أنّ هناك فهمًا أكثر تعقيدًا لطبيعة الصراع، كما عكسته الاتصالات المباشرة بين موسكو وواشنطن، والتي كشفت عن إدراك متبادل لحدود التصعيد ومخاطره. وفي السياق ذاته، برز خطاب أميركي يشير إلى عدم الرغبة في الاعتماد على دعم إضافي من الحلفاء- الناتو، وهو خطاب يحمل في طياته رسالة واضحة إلى حلف شمال الأطلسي، مفادها أنّ إدارة الصراع لا تعني بالضرورة توسيعه.

كما أنّ مواقف بعض الدول الأوروبية، التي أعلنت عدم مشاركتها في ترتيبات أمنية مرتبطة بحماية مضيق هرمز، تعكس توجّهًا دوليًا نحو تجنّب الانخراط في تصعيد مفتوح في الخليج، رغم التوترات القائمة. وهذا بدوره يضعف السردية التي تحاول الربط بين الساحتين الأوكرانية والخليجية ضمن إطار تصعيدي واحد.

في المقابل، تبدو بعض الأطراف الأوروبية أكثر ميلًا إلى توظيف هذه اللحظة لإعادة تموضعها في النظام الدولي. فبعد أن تكبّدت كلفة سياسية واقتصادية نتيجة انخراطها المباشر في الحرب الأوكرانية، تسعى إلى استعادة دورها من خلال الدفع نحو استمرار الضغط على روسيا، بل وربما توسيع نطاق المواجهة بشكل غير مباشر. وينطلق هذا التوجه من افتراض مفاده أنّ استنزاف روسيا يوفّر لأوروبا هامش أمان استراتيجي، ويعيد لها دورًا فقدته جزئيًا خلال السنوات الأخيرة.

ويُضاف إلى ذلك أنّ بعض الدوائر الأوروبية لا تبدو بعيدة عن السعي إلى دفع الولايات المتحدة، في عهد دونالد ترامب، نحو مزيد من الانخراط في بؤر التوتر، بما في ذلك الصراع في الخليج، بما يُبقيها غارقة في أعباء استراتيجية متعدّدة. وفي هذا السياق، يُوظَّف الحديث عن دعم روسي لإيران بوصفه أداة خطابية تهدف إلى تعطيل أي مبادرات محتملة للحل السلمي للأزمة الأوكرانية، من خلال إعادة تأطير الصراع ضمن معادلة تصعيدية تحول دون فتح مسارات التهدئة.

غير أنّ هذا الرهان ينطوي على قدر كبير من المخاطرة. فتصوّر أنّ روسيا الأضعف تعني أوروبا الأكثر أمنًا يتجاهل تعقيدات التوازن الدولي، كما أنّ الدفع نحو مزيد من تورط الولايات المتحدة في صراعات موازية، بما في ذلك التوتر مع إيران، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بدلًا من إعادة الاستقرار.  وقد ظهرت مواقف فرنسية وبريطانية تميل إلى الابتعاد عن التورّط الأميركي في الخليج، في مسعى لترويج فكرة أنّ زيادة انخراط الولايات المتحدة ستخفّف العبء عن أوروبا، التي تسعى إلى استعادة دورها التقريري في النظام الدولي، بما يقترب من استعادة إرثها الاستعماري السابق.

وفي هذا السياق، تعود بنا الصورة إلى نقطة البداية: الطائرات المسيّرة، التي تحوّلت من أدوات عسكرية إلى مفاتيح لفهم السرديات المتصارعة. فسواء كانت “بيرقدار” أو “شاهد”، فإنّ قيمتها الحقيقية لا تكمن فقط في أدائها الميداني، بل في الطريقة التي يُعاد بها توظيفها في الخطاب السياسي.

إنّ ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في معادلات بسيطة من نوع “تحالف” و”محور” و”دعم”. بل هو شبكة معقّدة من المصالح المتقاطعة، والرسائل السياسية، ومحاولات إعادة تشكيل النظام الدولي. وبين هذا وذاك، يصبح التمييز بين الواقع والسردية ضرورة تحليلية، لا ترفًا فكريًا.

في المحصلة، يمكن التمييز بين مستويين متداخلين:

مستوى واقع استراتيجي يظهر في بوشهر بوصفه تعاونًا مستقرًا، وفي S-300 بوصفه تعاونًا محدودًا ومقيّدًا؛ ومستوى سردي إعلامي يتجلى في الجدل حول “بيرقدار” و”شاهد”، وفي خطاب زيلينسكي الذي يسعى إلى تسويق موقع بلاده في النظام الدولي.

وبين هذين المستويين، تتشكّل صورة مركّبة تعكس طبيعة العلاقات الدولية اليوم، حيث تتداخل الوقائع مع التمثلات، وتُعاد صياغة الأحداث وفق منطق سياسي وإعلامي متغيّر. فليست كل رواية حقيقة، وليست كل حقيقة ظاهرة، وبينهما تتحدد معالم الفهم النقدي للصراعات المعاصرة.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!