روسيا وحلفاؤها: من الاتحاد السوفييتي إلى أوكرانيا.. التخلي البراغماتي أم الانهيار القسري؟ (1-2)

روسيا وحلفاؤها: من الاتحاد السوفييتي إلى أوكرانيا.. التخلي البراغماتي أم الانهيار القسري؟ (1-2)

د. زياد منصور

       منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، اعتاد المراقبون على نمط مثير للجدل في السياسة الخارجية الروسية: الدعم القوي والمستمر للحلفاء في أوقات الأزمات، يتبعه فجأة انسحاب أو تقليص للدعم في لحظة حاسمة، تاركاً الحلفاء يواجهون مصيرهم بمفردهم. هذا النمط تكرر مع نظام صدام حسين في التسعينيات، ثم مع سوريا في 2024، وفنزويلا في 2025، وإيران على مدار السنوات الأخيرة، ومالي وليبيا بشكل أكثر تعقيداً.

لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المقال ليس فقط “هل تتخلى روسيا عن حلفائها؟” بل “لماذا؟”، وهل هذا التخلي يرجع إلى طبيعة ثابتة في المدرسة الروسية للعلاقات الدولية (الواقعية المتطرفة والتخلي عن الحلفاء عندما تصبح التكلفة أكبر من الفائدة)، أم أنه نتاج لحرب أوكرانيا واستنزاف القدرات، أم أنه سردية دعائية غربية الهدف منها تشويه صورة روسيا كقوة عظمى؟

فكرة أن روسيا “تتخلّى عن حلفائها” ليست دعاية خالصة، لكنها أيضًا ليست حقيقة مطلقة. الأدقّ أن موسكو تدير تحالفاتها بمنطقٍ براغماتي شديد: تدعم الحليف ما دام الدعم قليل الكلفة ومفيدًا لمصالحها، لكنها نادرًا ما تخوض حربًا كبرى لإنقاذه إذا كان الثمن يهدّد أولوياتها المركزية، وعلى رأسها اليوم حرب أوكرانيا.

الجذور التاريخية – روسيا وحلفاؤها من القياصرة إلى بوتين

لكي نفهم روسيا اليوم، يجب أن نعود إلى العهد القيصري. على عكس الصورة النمطية عن “الالتزام القيصري بالقضايا السلافية”، كانت الإمبراطورية الروسية براغماتية إلى حد كبير في تحالفاتها. المثال الأكثر وضوحاً هو “التحالف المقدس” الذي أقامته روسيا مع بروسيا والنمسا بعد عام 1815، والذي تخلى عنه القيصر نيقولاي الأول بسهولة عندما تطلب الأمر الدفاع عن مصالحه في القرم. لاحقاً، في الحرب العالمية الأولى، تخلت روسيا عن صربيا عملياً بعد انهيار الجبهة الشرقية عام 1917، رغم أن الحرب بدأت أصلاً للدفاع عن صربيا.

المبدأ الروسي التقليدي، والذي وضعه الدبلوماسي القيصري ألكسندر جورتشاكوف في القرن التاسع عشر، هو: “روسيا لا تغضب، روسيا تتركّز” – بمعنى أن موسكو لا تعقد تحالفات عاطفية، بل تتحرك وفق حسابات القوة والمصلحة الذاتية فقط.

الاتحاد السوفييتي: دعم الثورات، ولكن.. بثمن

جاء الاتحاد السوفييتي بأيديولوجية عالمية تزعم دعم “حركات التحرر الوطني” بكلفة غير محدودة. لكن الواقع كان مختلفاً. هناك دراسات تاريخية حديثة تظهر أن الدعم السوفييتي كان محدوداً وحسابياً:

في أنغولا (1975): أرسل الاتحاد السوفييتي مستشارين عسكريين وأسلحة، لكنه رفض التدخل المباشر عندما هاجمت جنوب أفريقيا، تاركاً الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) لتدافع عن نفسها.

في إثيوبيا (1977-1978): دعم السوفييت منغستو هيلا مريام بكميات هائلة من الأسلحة، لكنهم لم يرسلوا قوات برية عندما هددت الصومال، تاركين الإثيوبيين للقتال بمفردهم.

أفغانستان (1979-1989): المثال الأكثر دراماتيكية. دعم السوفييت حكومة نجيب الله لعقد كامل، ولكن في 1989، عندما انسحبت القوات السوفييتية، انهار النظام الأفغاني بعد ثلاث سنوات فقط، لأن المساعدات السوفييتية توقفت بالكامل تقريباً بسبب تفكك الاتحاد نفسه.

الاستنتاج الذي توصلت إليه بعض الأدبيات الأكاديمية هي أن الاتحاد السوفييتي كان سيئاً في إدارة الحلفاء: كان يميل إلى خلق دول تابعة بشكل كامل يبدو غير منطقي، وبالتالي القول أنه جعلها غير قادرة على الصمود بمفردها، ثم يتركها عندما تتغير الأولويات غير صائب إلى حدٍّ كبير.

في المقابل، هناك نماذج أخرى

كوريا الشمالية: “النسل المتمرد” وليس الابن البار

تتعقد القصة منذ البداية، فقد ساعد الاتحاد السوفييتي في تأسيس كوريا الشمالية وأشرف على تفاصيلها الدقيقة، لكن سرعان ما تحولت العلاقة إلى توتر وعداء سافر. ففي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، قام كيم إيل سونغ بتنظيف جميع المسؤولين الموالين لموسكو من مناصبهم، وأمر بحل الزيجات المختلطة وترحيل الزوجات السوفييت، وشن حملة واسعة لتطهير المنشورات السوفييتية، وقطع التبادلات البريدية والأكاديمية لسنوات طويلة. وصف المؤرخ أندريه لانكوف هذه العلاقة بأنها “تحالف عملي” استمر فقط من منتصف الستينيات إلى أوائل التسعينيات، لكنها كانت في جوهرها مختلفة شاسع الاختلاف عن “التحالف الوثيق” الذي يتخيله البعض.

فيتنام: إرث من الخذلان وصعوبة الثقة

بعيدًا عن صورة الحليف المخلص، فإن تاريخ العلاقة السوفييتية-الفيتنامية كان شائكًا ومليئًا بالخذلان من الجانب السوفييتي. فالسجلات التاريخية تفيد بأن موسكو تخلت عمليًا عن المصالح الفيتنامية في محطات عديدة، منها: رفضها الاعتراف بشمال فيتنام لخمس سنوات كاملة، وعدم دعم عضويتها في الأمم المتحدة عامي 1948 و1951، ودعمها لتقسيم فيتنام في مؤتمر جنيف عام 1954. وحتى في ذروة الحرب، لم تكن المساعدات السوفييتية كافية أو كريمة، وكانت تأتي بعد إلحاح شديد من جانب هانوي.

كوبا: العلاقة التبادلية

إذا كانت كوريا الشمالية وفيتنام نموذجين للعلاقة المتوترة، فإن كوبا تجسد نموذجًا آخر من “الاعتماد المتبادل”. فبينما تدفقت المساعدات السوفييتية السخية على كوبا لتجعلها تعتمد عليها كليًا في أسواقها واحتياجاتها العسكرية، إلا أن كوبا لعبت دورًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية لموسكو. فقد كانت كوبا وكيلة لموسكو في أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي، حيث تدخلت عسكريًا في عدة دول لدعم المصالح السوفييتية ونشر الثورة.

الصين: التحالف الذي فشل بسبب الصراع على القيادة

الصين هي الحالة الأكثر إثارة للجدل والتي تُفنّد فكرة “سوء الإدارة” تمامًا. فالصين لم تكن مجرد تابع؛ لقد كانت قوة صاعدة ذات طموحات خاصة وتاريخها الحضاري. هذا الصراع على زعامة المعسكر الاشتراكي، والخلافات الأيديولوجية حول تقييم ستالين والسياسات الثورية، قادت إلى قطيعة دراماتيكية في أواخر الخمسينيات غيرت وجه العالم. هنا، لم يكن “تخليًا” من طرف واحد، بل كان “صراعًا إستراتيجيًا” بين قوتين.

بالعودة لجذر النقاش، وبناءً على هذه القراءة المتعمقة، يمكن تقديم الاستنتاج الأكثر دقة:

نعم، كان من غير الدقة القول إن جميع التحالفات السوفييتية كانت قائمة على خلق “دول تابعة”. فالدول مثل الصين، فيتنام، كوبا، كوريا الشمالية كانت أقوى من أن توصف بهذا المصطلح، وأثبتت مرارًا قدرتها على اللعب في فضائها الإقليمي والدولي.

لكن النمط موجود وموثق في تاريخ روسيا مع حلفاء آخرين: الإرث الذي تحدثت عنه سابقًا، والمتمثل في خلق تبعية ثم الانسحاب المفاجئ، كان واقعًا في علاقات موسكو مع دول أخرى مثل مصر (تحت قيادة السادات)، والصومال، وأنغولا، وإثيوبيا، والعراق، وسوريا (نظام الأسد تحديدًا). هذه الحالات تؤكد أن النمط “البراغماتي القاسي” هو جزء لا يتجزأ من المدرسة الروسية في العلاقات الدولية وإن لم يكن يشمل جميع الدول.

روسيا الاتحادية (1991-2022): البحث عن حلفاء جدد

مع انهيار الاتحاد السوفييتي، حاولت روسيا بقيادة بوريس يلتسن بناء تحالفات جديدة مع الغرب، لكنها فشلت. ثم جاء فلاديمير بوتين في 2000، وأعلن عن عودة روسيا إلى دورها العالمي. في عهد بوتين، تطور ما يمكن تسميته “مذهب بوتين في التحالفات”، والذي يقوم على ثلاثة مبادئ:

-التحالفات مع الدول المعادية للغرب فقط: ليس لأن موسكو تحب هذه الدول، بل لأنها أداة لموازنة القوة العالمية.

-لا يوجد أي حليف مقدس: الحليف اليوم قد يكون خصماً غداً إذا تغيرت المصالح (مثل العلاقة مع تركيا، التي تذبذبت بين التحالف والعداء عدة مرات).

-الدعم مقابل التبعية: روسيا تدعم حلفاءها طالما ظلوا تابعين لها، وليسوا قوى مستقلة.

هذا المذهب جعل روسيا “شريكاً صعباً” بالنسبة لحلفائها التقليديين مثل سوريا وإيران. كانت العلاقة في جوهرها علاقة تماثل “الند للند”.

لماذا ظهرت هذه المقولة؟ لماذا تبدو روسيا وكأنها تتخلى عن حلفائها؟

لتفسير ظاهرة “التخلي”، يمكننا الاستعانة بنظرية الواقعية الدفاعية في العلاقات الدولية. وفقاً لهذه النظرية، تتحرك الدول الكبرى ليس لتعظيم قوتها، بل للحفاظ على توازن القوى. عندما تصبح تكلفة الدفاع عن حليف أكبر من الفائدة الاستراتيجية، فإن التخلي يصبح الخيار العقلاني.

في حالة روسيا، هناك أربعة دوافع رئيسية للتخلي:

-حساب الربح والخسارة: عندما يكون الحليف “عبئاً صافياً” بدلاً من “أصل صافٍ”“، تبدأ موسكو في تقليص الدعم.

-تجنب التصعيد مع الغرب: روسيا لن تخاطر بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو الناتو من أجل حليف غير أساسي.

-الاستنزاف المالي والعسكري: القدرات الروسية محدودة، ولا يمكنها خوض حروب متعددة في وقت واحد.

-فقدان الثقة في الحليف: إذا شعر الكرملين أن الحليف فاسد أو غير كفء أو لا يستطيع حماية نفسه، فإنه يقرر “قطع الخسائر”.

هذه الدوافع ليست خاصة بروسيا؛ فالولايات المتحدة أيضاً تخلت عن حلفاء مثل جنوب فيتنام (1975) وأفغانستان (2021). لكن روسيا تمارس هذا النمط بشكل أكثر “وضوحاً وصراحة”، ربما لأن ضعفها النسبي يجعل حساباتها أكثر قسوة.

وقد ظهرت بقوة بعد سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024، إذ منحت موسكو الأسد وعائلته لجوءً، لكنها لم تستطع إنقاذ النظام عسكريًا، ثم بدأت تفاوض السلطة السورية الجديدة على مصير قاعدتي طرطوس وحميميم. هذا أعطى خصوم روسيا مادة دعائية قوية: “روسيا لا تحمي حلفاءها، بل تحمي قواعدها ومصالحها”. وقد أشارت تقارير صحفية دولية إلى أن موسكو ركّزت لاحقًا على الحفاظ على وجودها العسكري عبر تفاهمات، لا عبر إعادة النظام السابق.

لكنّ المسألة أعمق من الدعاية. روسيا لم تكن تملك في سوريا بعد 2022 حرية الحركة نفسها التي امتلكتها عام 2015؛ فجزء كبير من قدراتها العسكرية واللوجستية والسياسية أصبح مستنزفًا في أوكرانيا. كما أن التحالف الروسي–السوري كان تحالف مصلحة لا تعهّد دفاع مطلق.

سوريا: تخلٍّ أم عجز ظرفي؟

في سوريا، تبدو التهمة الأقوى. فروسيا أنقذت النظام السوري عام 2015، لكنها لم تفعل الشيء نفسه عام 2024. غير أن الفارق أن روسيا في 2015 دخلت من موقع مناورة: تدخل جوي محدود، خصوم متفرقون، وكلفة بشرية روسية منخفضة. أما بعد حرب أوكرانيا، فالأولوية أصبحت للجبهة الأوروبية، مع ضغط على الذخائر والطيران والتمويل وشبكات النقل.

لذلك يمكن القول إن روسيا لم “تخن” حليفها بقدر ما اختارت عدم دفع كلفة إنقاذه مرة ثانية. وهذا بحد ذاته يثبت حدود القوة الروسية: موسكو قوية حين يكون التدخل محدودًا ومنخفض الكلفة، لكنها أكثر حذرًا عندما يتطلب الأمر تعبئة واسعة خارج مسرحها الحيوي.

السبب الأول: استنزاف الموارد في أوكرانيا. بحلول نهاية 2024، كانت روسيا قد خسرت أكثر من 300 ألف جندي (قتلى وجرحى) في أوكرانيا، وفقاً لتقديرات غربية، واستهلكت جزءاً كبيراً من ترسانتها من الصواريخ والطائرات بدون طيار (بنحو 60% من صواريخ كروز بعيدة المدى، و80% من دبابات T-72/80/90 المنتجة خلال العقدين الماضيين). ببساطة، لم يكن لدى روسيا القدرة على إرسال قوات إضافية إلى سوريا.

السبب الثاني: ضعف الجيش السوري الفادح. كان الجيش السوري يعاني من مشاكل هيكلية منذ سنوات: الفساد المستشري، التسليح غير المناسب، ضعف الروح المعنوية، الاعتماد المطلق على الميليشيات الأجنبية (حزب الله، الحشد الشعبي). وفقاً لوثائق داخلية مسربة (نشرتها “ذا إيكونوميست”)، كان الجيش السوري بحلول 2024 قد تحول إلى “وهم على الورق” – قوامه الاسمي 200 ألف جندي، لكن القوات الفعلية القادرة على القتال لا تتجاوز 30 ألفاً، معظمهم من الميليشيات الموالية.

السبب الثالث: انسحاب إيران وحزب الله. إيران كانت ولا تزال الحليف الأساسي للنظام السوري على الأرض (بخلاف روسيا التي تعتمد على القوة الجوية). لكن إيران وحزب الله انشغلا منذ تشرين الأول 2023 في الحرب مع إسرائيل. القصف الإسرائيلي المستمر على الأراضي السورية (أكثر من 300 ضربة بين 2023 و2024) دمر معظم البنية التحتية الإيرانية في سوريا، وقتل عشرات القادة. عندما انسحب الإيرانيون والميليشيات التابعة لهم، انهار الجيش السوري مثل بيت من ورق.

السبب الرابع: تغير الأولويات الروسية. قرار الكرملين بعدم إنقاذ الأسد لم يكن مفاجئاً من الناحية التحليلية.  كانت موسكو قد استنتجت بالفعل أن الأسد أصبح “عبئاً استراتيجياً” لأسباب ثلاثة:

-الأسد لم يعد يتحكم في أراضي سوريا بشكل حقيقي (حوالي 40% من البلاد كانت خارج سيطرته بحلول 2024).

-الأسد رفض إجراء أي إصلاحات سياسية أو عسكرية حقيقية.

-بقاء الأسد يضر بجهود روسيا لتطبيع العلاقات مع تركيا ودول الخليج (التي كانت تطالب برحيله كشرط للتطبيع).

لذلك، عندما جاء الهجوم، قررت موسكو عدم المجازفة. بيعت دبابات الأسد وأسلحته في المزادات بعد أيام من سقوطه، وكانت هناك تقارير عن أن قادة روس ساعدوا في إخراج الأموال السورية من البلاد قبل الانهيار. في التحليل النهائي، لم تتخل روسيا عن “سوريا” كدولة، بل تخلت عن بشار الأسد كشخص، وهو فرق كبير.

فنزويلا – من “رأس حربة” إلى اختبار واقعي للقوة الروسية

منذ منتصف العقد الأول من الألفية، سعت روسيا إلى ترسيخ حضورها في أمريكا اللاتينية عبر بناء شراكة وثيقة مع نظامي هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو. وقد تجلّى هذا التوجه في استثمارات مالية ضخمة في قطاع الطاقة، عبر شركة روسنفت، إضافة إلى صفقات تسليح واسعة شملت دبابات وطائرات ومروحيات، ما جعل فنزويلا بحلول عام 2018 توصف بأنها “رأس حربة روسيا في نصف الكرة الغربي”.

غير أن هذه الصورة اهتزت بشدة خلال أزمة تشرين الثاني2025، حين أُعلن – في تقارير إعلامية غربية – عن عملية أميركية خاصة في كراكاس أسفرت عن القبض على مادورو. في تلك اللحظة، لم تتخذ موسكو أي خطوات عسكرية تُذكر: لم تُرسل قوات أو قطعًا بحرية، ولم تُطلق تهديدات مباشرة، واكتفت بتصريحات دبلوماسية صدرت عن سيرغي لافروف، أشار فيها إلى أن فنزويلا لم تطلب رسميًا دعمًا عسكريًا.

هذا الموقف أثار تساؤلات حول طبيعة الالتزام الروسي، ويمكن تفسيره عبر ثلاثة مستويات مترابطة. أولها براغماتي بحت، إذ لم تعد فنزويلا – في ظل أزمتها الاقتصادية العميقة وتراجع قدرتها الإنتاجية – تمثل مكسبًا استراتيجيًا يبرر المخاطرة. وثانيها جيوسياسي، حيث تدرك موسكو أن أي تدخل عسكري مباشر في أمريكا اللاتينية سيُعدّ تحديًا مباشرًا لـ الولايات المتحدة في مجالها الحيوي، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع، على غرار ما جرى في أزمة الصواريخ الكوبية 1962. أما المستوى الثالث فهو مرتبط بانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، ما يحدّ من قدرتها على خوض مغامرات بعيدة.

بذلك، تكشف الحالة الفنزويلية أن النفوذ الروسي، رغم اتساعه الرمزي، يبقى مقيدًا بحدود الجغرافيا والقدرة، وأن التحالف مع موسكو لا يعني بالضرورة ضمانة عسكرية شاملة.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!