اليسار المغربي بين انكسارات الماضي ورهانات الانبعاث: تشريح نقدي لأزمة الوجود والمعنى
عبد الرحمان الغندور
♦ كنت قررت مع نفسي، عدم الخوض في مناقشة وضعية اليسار المغربي، وتشريح وضعه وكشف الأوبئة التي تنخره وتعطل مسيرته، حتى لا أحسب ممن يريدون به شرا، لكن منشورات بعض أصدقائي وصديقاتي ممن يحملون الجمرة بصبر، ومن بينهم صديقي مصطفى ملكو وصديقتي الشابة سارة هباش فرضا علي من خلال ما نشروا مؤخرا أن لا أترك الجمرة في يدهما وحدهما، وأن أتقاسم معهما حمل جمرة الأمل، فكتبت هذا المقال بدون تعصب ولا محاباة لأحد، أو عدوانية ضد أحد ♦
أزمة اليسار : التاريخ والتشخيص وإمكانية التجاوز
تعد أزمة اليسار المغربي اليوم تجسيداً حياً لانفصام حاد بين إرث نضالي باذخ وبين واقع سياسي يتسم بالانحسار وفقدان البوصلة، وهذه الأزمة هي أكثر من مجرد تصدع في جدار التنظيمات، بل هي أزمة وجود وعقل، تنهل من صراع مرير بين ذاكرة السبعينيات ومتطلبات الألفية الثالثة.
لقد انطلقت شرارة هذا المسار منذ لحظة الانشقاق التاريخي الكبير عام 1959، حينما انفصل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال، مؤذناً بميلاد يسار يطمح للتغيير الجذري، لكن هذا المولود سرعان ما دخل في دوامة من التفتت والتشظي تأثراً بالصراعات الإيديولوجية العالمية وتباين تقدير المواقف من “المخزن” ومنهجية الإصلاح. ومع توالي العقود، تحول اليسار من كتلة صلبة تطالب بالتحرر والعدالة الاجتماعية إلى جزر معزولة، حيث نهشت الانشقاقات جسد “الاتحاد الاشتراكي” و”منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” وغيرها من الفصائل التي ولدت من رحم الحركة التلاميذية والطلابية (إلى الأمام، لنخدم الشعب)، لتغرق في صراعات “الأنا” والزعامات الأبدية التي جعلت من الانشقاق خياراً أسهل من الحوار الديمقراطي الداخلي.
هذا التلهلل التنظيمي أدى بالضرورة إلى سقوط جزء واسع من هذا التيار في فخ التكلس، حيث تحولت الأحزاب إلى كيانات مغلقة تستهلك رصيدها التاريخي دون القدرة على إنتاج أفق جديد يقنع المواطن المغربي الذي بات يرى فجوة سحيقة بين شعارات “الصراع الطبقي” وبين واقع يومي يزداد قسوة وتفاوتاً.
لقد دخل اليسار المغربي في نفق “التكيف السلبي” مع المؤسسات الحاكمة، فكانت المشاركة السياسية في حكومة التناوب التوافقي عام 1998 وما تلاها بمثابة اختبار قاسٍ كشف عن تراجع مشروع التغيير لصالح الحسابات الانتخابية الصغيرة، مما أفقد هذه القوى صورتها كقوة اقتراح ومقاومة، وجعلها تتماهى مع السلطة في نظر الشارع.
ومع فقدان “المعنى”، تحول العمل السياسي إلى تدبير تقني محدود الفعالية، وانعزل الخطاب التقدمي عن نبض الأجيال الجديدة التي باتت تتحرك بمنطق رقمي وواقعي يتجاوز أدبيات السبعينيات المتخشبة. ورغم محاولات التجميع المتكررة، من قبيل تأسيس “فيدرالية اليسار الديمقراطي” أو الاندماجات التي عرفها “الحزب الاشتراكي الموحد”، إلا أن هذه المحاولات ظلت تصطدم بعقبات المنهجية والحساسيات التاريخية، والأنانيات الفردية، مما جعلها تبدو كتحالفات عابرة تفتقر إلى روح المشروع المجتمعي المتكامل. إن العجز عن إنتاج قيادات جديدة والارتهان لشيخوخة النخب قد ساهما في ابتعاد اليسار عن قواعده الاجتماعية التقليدية في الجامعات والنقابات والأحياء الشعبية، ليترك هذا الفراغ لقوى أخرى أكثر تنظيماً وقدرة على التغلغل الشعبي. { العدالة والتنمية، والعدل والإحسان}
إن المخرج من هذه العدمية السياسية أو “التدجين” البطيء لا يمر عبر الانعزال، بل عبر اجتراح طريق ثالث يجمع بين النضال المؤسساتي النقدي والعمل الميداني المستقل، وهو ما يستوجب نقداً ذاتياً شجاعاً يقطع مع منطق “الزعامات الوهمية” و” الأنانيات الفردية ” ويؤمن بالتداول الفعلي على المسؤولية. فالقوة السياسية اليوم لا تُبنى في الصالونات المغلقة، بل في قلب معارك العيش اليومي: في الترافع عن الصحة والتعليم، وفي مواجهة اقتصاد الريع، وفي حماية الطبقة الوسطى من الانهيار. على اليسار المغربي أن يدرك أن الزمن لا يتوقف، وأن الأجيال الرقمية تنتظر برامج واقعية قابلة للتنفيذ لا خطابات نظرية عن “تاريخ الصراع”، وترديد المقولات الماركسية والليلينية والماوية والتروتسكية…الخ، فالمعركة الحديثة تُحسم بالذكاء في استثمار الفضاءات الجديدة والقدرة على تقديم مقترحات عملية وواقعية ل”دولة اجتماعية” حقيقية بآليات حديثة.
وفي نهاية المطاف، يقف اليسار أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار كأرشيف سياسي صالح للمتاحف التاريخية، ويُستدعى في المناسبات لترديد مرثيات الماضي، أو امتلاك الجرأة لإعادة تأسيس نفسه كقوة اقتراحية تمتلك الصدق والكفاءة، وتعيد الثقة للمواطن من خلال ممارسة سياسية تربط الحرية بالعدالة الاجتماعية بشكل عضوي وملموس.
على اليساريين اليوم أن يستحضروا بوعي مفرط، الكسور الكبيرة التي أصابت عظام اليسار المغربي، حيث تحولت الخلافات من تباين في وجهات النظر والتقديرات، إلى تصدعات هيكلية أدت إلى ما نشهده اليوم من انحسار. ولعل أكبر الكسور، كان زلزال التناوب التوافقي وانحباس الأفق الاتحادي الذي انعكس على باقي مكونات اليسار.
فقد مثلت حكومة التناوب سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي لحظة “العبور الكبير” التي انتهت بـ “الانحباس”. فبقدر ما كانت انتصاراً رمزياً لليسار، كانت بداية النهاية لزخمه الشعبي. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان يقود الشارع، وجد نفسه مضطراً لتقديم تنازلات مؤلمة للحفاظ على استقرار الدولة. هذا التكيف أدى إلى برود العلاقة مع النقابة (الكونفدرالية الديمقراطية للشغل)، وبدأ الحزب يفقد هويته كقوة ممانعة ليصبح “حزب تدبير”. تجلى هذا الضعف بوضوح في المؤتمر السادس (2001)، حيث تفجرت الأزمات الداخلية وظهرت التنظيمات الميكروسكوبية كجبهة معارضة لخط القيادة، مما أدى لاحقاً إلى انشقاقات مؤلمة، كالمؤتمر الاتحادس، والحزب العمالي والحزب الاشتراكي والوفاء للديمقراطية التي اندمجت مع اليسار الاشتراكي الموحد“.
وجاءت المشاركة الحكومية للاتحاد في الحكومات اللاحقة (حكومة جطو ثم العباسي) لتجرد الحزب من مشروعه التاريخي، حيث أصبح “الالتباس والخلط والتهافت على الغنيمة” هو سيد الموقف: مشاركة في السلطة مع عجز عن التأثير في القرارات الاستراتيجية، مما جعل المواقع مجالات لا للتدبير بل لتثبت المنافع الشخصية.
كما ان اليساريين مطالبون باستحضار التشظي البئيس الذي عرفته منظمة العمل وأثره البليغ والبالغ في تكسير عظام اليسار. ففي عام 1996، عاشت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وهي {أنقى روافد اليسار فكرياً} زلزالاً حقيقياً بسبب الموقف من الدستور. هذا الانقسام لم يكن تنظيمياً فحسب، بل كان شرخاً وجدانياً بين تيار بنسعيد أيت إيدر وتيار الورديغي وساعف ومن معهما، مما أضعف الكتلة اليسارية المستقلة. ورغم محاولات الرتق التي تلت ذلك، مثل تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد (اندماج أربعة تنظيمات)، لم تنجح في خلق تجانس حقيقي؛ فبقي الحزب يعاني من “تعددية المرجعيات” داخل التنظيم الواحد، وظلت الصراعات بين “التيارات” تستهلك الجهد الفكري الذي كان من المفترض أن يوجه للمجتمع، مما جعل الحزب يبدو كنادٍ للنخبة المثقفة أكثر منه تنظيماً جماهيرياً. وقد اعتبرته في إبانه، كيان أكبر من جمعية سياسية وأقل من حزب سياسي حقيقي قادر على الفعل.
وعلى اليساريين اليوم من مختلف المشارب أن يتوقفوا طويلا عند تجربة فيدرالية اليسار ويعالجوها من منطق سقف الطموح واصطدام الواقع. فقد جاءت تجربة التجميع أو الاندماج (الاشتراكي الموحد، الطليعة، والمؤتمر الاتحادي) كأمل أخير لإعادة الروح للعمل المشترك. لكن الواقع كشف عن عجز بنيوي؛ فالرهان على “الرسالة” الانتخابية لم يوازه عمل ميداني يقوض هيمنة الأعيان وقوى الإسلام السياسي.
وجاء التصدع الأخير 2021 الذي قادته نبيلة منيب بالانسحاب من التحالف الانتخابي للفيدرالية عشية انتخابات 2021، ليكون بمثابة رصاصة الرحمة على مفهوم “الوحدة الاندماجية” في مداه القريب، مما كرس صورة اليسار كقوى تتقن “الاختلاف على التفاصيل” وتفشل في “الاتفاق على الجوهري“.
وعلى اليسار ان يعيد القراءة بشكل نقدي هادف للعظام المتكسرة لرفاق النهج الديمقراطي وإعادة بناء سؤال الوجود بين الراديكالية والمتحف الإيديولوجي. ففي أقصى اليسار، اختار هذا الحزب (وريث تنظيم “إلى الأمام”) البقاء في خانة “المقاطعة” والرفض المطلق للقواعد القائمة. ورغم صموده المبدئي، إلا أنه سقط في فخ القوالب الجامدة ولغة السبعينيات. هذا التقوقع جعل خطابه يبدو غريباً عن تطلعات الشباب المغربي “الرقمي” و”الواقعي”. فبينما كان الشارع يطالب بحلول للبطالة والغلاء، ظل النهج وفياً لأدبيات “السلطة للمجالس” و”الثورة الوطنية الديمقراطية”، وديكتاتورية البروليتاريا…والمطرقة والمنجل… مما حوله تدريجياً من فاعل سياسي محتمل إلى جماعة تذكارية تحفظ أرشيف النضال السري دون القدرة على تحويله إلى فعل سياسي يؤثر في موازين القوى.
إن النتيجة الحتمية لهذه الكسور في الجسد اليساري هي الفراغ القابل للامتلاء من طرف الآخرين
فهي لم تكن مجرد أعطاب تنظيمية فقط، بل كانت “هدايا مجانية” للمنافسين. فاليسار الذي انسحب من الجامعة، ومن النقابة، ومن الجمعيات الثقافية، ترك المجال فسيحاً لقوى أخرى لملء الفراغ. إن غياب “البرنامج العملي” في المؤتمرات واستبداله بالصراعات حول “من يقود” جعل المواطن يرى في اليساري كائنا “نخبوياً متعالياً” يتحدث لغة لا يفهمها الناس، مما أدى في النهاية إلى تراجع اليسار من “قائد للتحولات” إلى “ملحق بالعملية السياسية” أو “متفرج على هامشها“.
إن صياغة خارطة طريق لانبعاث اليسار المغربي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل من “المشرحة”؛ أي عبر تشريح جسد هذه الأزمة بشجاعة تضع الأصبع على الجرح دون مساحيق تجميلية. فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تكتفي بالرثاء، والواقع المغربي المتسارع يفرض قطيعة مع “يسار الزوايا” المغلقة لصالح “يسار المجتمع” المفتوح.
وهذه العملية تبدأ أولا وقبل أي تنظير، بتشخيص العطب، من خلال الإجابة على سؤال هوياتي يعالج إشكالية انفصام الهوية الوظيفية التي أسقطت اليسار في حيرة قاتلة؛ هل هو قوة “معارضة جذريّة” من خارج النظام، أم “شريك تدبيري” من داخله؟ وهذا التردد هو الذي جعل الاتحاد الاشتراكي يفقد وهجه النضالي دون أن يربح الرهان التدبيري، وجعل النهج الديمقراطي يربح نقاءه الإيديولوجي ويفقد فاعليته الميدانية. وجعل اليسار الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار بينهما دون فاعلية حقيقية.
لقد تحولت المشاركة السياسية لبعض الفصائل إلى “مشاركة تقنية” تفتقر للرؤية الإيديولوجية الواضحة، مما جعلها تذوب في “السياسات العمومية” للدولة بدلاً من أن تفرض بصمتها “اليسارية” عليها.
ويأتي السؤال الثاني الذي يعالج إشكالية تقديس “الهياكل” على حساب “الأفكار”. فقد استنزفت حروب التوحيد والاندماج (كما في حالة فيدرالية اليسار) طاقة هائلة في نقاشات تنظيمية عقيمة (من يترأس؟ كيف نوزع المقاعد؟)، بينما ظل الاجتهاد الفكري لإنتاج إجابات عن “مغرب 2026” شبه متوقف.
ويأتي سؤال الاغتراب عن “جيل الأزمات”، حيث يتحدث اليسار بلغة “الكتل” و”الصراع الطبقي” الكلاسيكي، بينما يتحرك الشباب المغربي اليوم بمنطق “الفردانية الاحتجاجية”، “قضايا البيئة”، “الحريات الفردية”، و”العدالة الرقمية“.
ولإنضاج هذه الملاحظات السابقة، لا بد أن تكون البداية، بوقفة “نقد ذاتي” جماعية وتنتهي بإعادة بناء الفعل السياسي من أجل مصالحة الذاكرة وبناء “ميثاق النقد الذاتي” من خلال عقد “مناظرة وطنية لليسار” لا تهدف للاندماج، بل لتقديم جرد حساب علني أمام المغاربة. والاعتراف بشجاعة بأخطاء مرحلة “التناوب” (الاتحاد الاشتراكي)، وبمخاطر “الجمود العقائدي” (النهج)، وبفشل “الوحدات الفوقية” (الاشتراكي الموحد والفيدرالية).
وهذا ما يمكن من الانتقال من “يسار الأشخاص” إلى “يسار المؤسسات”: وفرض “تحديد الولايات” في المناصب القيادية داخل الأحزاب اليسارية (ولايتان كحد أقصى) لإنهاء زمن “الزعامات الخالدة“.
وتفعيل “الديمقراطية الرقمية” داخل التنظيمات، بحيث تشارك القواعد في اتخاذ القرارات الكبرى عبر منصات تصويت شفافة، مما يقلص سلطة “البيروقراطية الحزبية“.
وعلى المستوى النظري يمكن لهذا المنتدى ان يعالج إمكانية استبدال “الإيديولوجيا الجامدة” بـ “البرمجية الواقعية”: وإمكانية تبني “النضال الديمقراطي التراكمي“.
وهذا يتطلب صياغة “عقد اجتماعي يساري جديد” يجيب عن أسئلة ملموسة: (كيف نؤمم قطاع الصحة؟ كيف نصل لضريبة عادلة على الثروة؟ كيف نحمي العامل في “اقتصاد المنصات”؟).
وهذا ما سيمكن اليسار من النزول من “الصالونات” إلى “الفضاءات الوسيطة”: وإعادة احتلال الفضاءات التي هجرها اليسار: الجامعات، دور الشباب، الأندية الثقافية، والعمل الجمعوي القاعدي.
وتأسيس “مختبرات تفكير” يسارية تضم خبراء في الاقتصاد والبيئة والذكاء الاصطناعي، لتقديم حلول تقنية بمرجعية يسارية، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الإنشائية.
وعلى اليساريين اليوم إذا استطاعوا بذل هذا المجهود، أن يقودوا عملية بناء “جبهة اجتماعية” وليس “تحالفاً انتخابياً مع جميع القوى المناهضة للاستبداد والفساد بما فيهم الاسلاميون”: يكون هدفها هو “توحيد النضالات” (تنسيقيات المعطلين، الممرضين، الأساتذة، ضحايا الغلاء) قبل التفكير في توحيد اللوائح الانتخابية. فالوحدة التي تُبنى في الشارع تكون أصلب من تلك التي تُوقع في المكاتب المكيفة.
وفي هذا الإطار يلزم اليسار ليكون ابن عصره أن يمتلك لغة تواصلية “رقمية” و”شعبية”: والقطيعة مع اللغة الخشبية المعقدة وتبني لغة بصرية ورقمية قريبة من جيل “تيك توك” و”إنستغرام”، لتحويل القيم اليسارية (التضامن، المساواة، الكرامة) إلى “ترند” ثقافي يجذب الشباب.
إن اليسار المغربي اليوم أمام فرصة تاريخية، لأن الفوارق الاجتماعية المتزايدة تخلق “طلباً” موضوعياً على أفكاره، لكن العرض السياسي الحالي لليسار لا يزال قديماً ورديئاً. مما يجعل اليساريين ملزمين بتغيير السيارة واستبدال محركها وتغيير السائقين من حين لآخر، والاتفاق على الوجهة قبل الانطلاق.
ويبقى في الأخير حجر الزاوية الذي يقوم عليه الكيان السياسي للأفراد والجماعات باعتبار السياسة خدمة عمومية، هو ما يمثله الجانب القيمي والأخلاقي في مسار اليسار المغربي وهو “المسكوت عنه” الذي لا يقل خطورة عن الأزمات التنظيمية والفكرية. فإذا كان اليسار في جوهره مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً، فإن انحدار السلوك الفردي لعدد من قياداته وأعضائه نحو “براغماتية انتهازية” قد شكل معول هدم لمصداقيته التاريخية، وحوله في نظر الشارع من “حامل لواء الخلاص” إلى “باحث عن نصيب من الكعكة“.
فقد شكلت تجربة المشاركة الحكومية في نهاية التسعينيات نقطة تحول أخلاقية حادة. فبمجرد الانتقال من “ضفة المعارضة” إلى “كراسي التدبير”، استبطن عدد من المناضلين قيم الاستوزار والتعيين في المناصب العليا كحق مكتسب أو “تعويض” عن سنوات الرصاص والاعتقال. هذا الارتماء المحموم على المواقع (دواوين الوزارات، المؤسسات العمومية، المجالس المنتخبة) خلق هوة سحيقة بين خطاب “التضحية” وواقع “الاستفادة”، مما أدى إلى تآكل القدوة، ولم يعد المناضل اليساري هو ذلك الشخص الذي يضحي بوقته وماله من أجل المبدأ، بل أصبح في تمثلات الشباب باحثاً عن “ترقية اجتماعية“.
وتتجلى البنية الأخلاقية الهشة في ظاهرة “الانشقاقات المصلحية”. فكثير من الانقسامات التي عرفها اليسار لم تكن خلفياتها فكرية صرفة، بل كانت نتيجة صراعات على من يقود اللائحة أو من يمثل الحزب في المحافل الدولية. لقد صار “الأنا” المتضخم أقوى من “النحن” الجماعية، فأصبح المناضل يفضل تأسيس “دكان سياسي” صغير يكون فيه زعيماً، على أن يظل جندياً في تنظيم كبير يمارس النقد والمحاسبة.
إن اليساري اليوم ” هنا والآن ” مطالب بأن يؤثر في المحيط السياسي بقيم النزاهة، الزهد، الصدق، العمل الميداني، واستحضار النبل الأخلاقي في الخصومات وعدم تحويل الصراعات بين الرفاق إلى حملات تشهير وتخوين
كما أن من أولى الأولويات بالنسبة لليساريين اليوم هي مأسسة النزاهة ووضع مواثيق أخلاقية ملزمة تمنع الجمع بين المسؤولية الحزبية والاستفادة من امتيازات ريعية، وتفعل مبدأ “من أين لك هذا؟” داخلياً. وإعادة الاعتبار “للمناضل المتطوع”: بالقطع مع منطق “المناضل الموظف” الذي ينتظر مقابلاً مادياً أو منصباً مقابل نشاطه الحزبي، والتركيز على الكفاءات التي تمتلك استقلالاً مالياً ومهنياً يقيها شر التبعية للغنائم.
كما أن على قيادات اليسار أن تكون “نماذج حية” في حياتها الخاصة والعامة (في التقشف، في جودة الخدمة العمومية، في السلوك المدني)، فالناس يتبعون “الأفعال” لا “الأقوال”. وهذا لا يتم إلا بدمقرطة الزهد وتحويل القيادة من “تشريف” يمنح الجاه، إلى “تكليف” مرهق ومؤقت، عبر تقليص الامتيازات المرتبطة بالمواقع القيادية الحزبية لكي لا يطمع فيها إلا المخلصون.
وبإيجاز، فإن الثقب الأخلاقي الكبير الذي غفل عنه اليسار وما فتئ يتوسع هو أزمة “المعنى” الناتجة عن ثقب في “الضمير التنظيمي”؛ ولن يعود اليسار إلى الفعل التاريخي إلا إذا استعاد صورته كقوة أخلاقية متعالية عن الصغائر، ومستعدة للتضحية بالمواقع من أجل المبادئ، وليس العكس.
