جدلية الحرب والسياسة.. قراءة في نظرية الحرب والسياسية عند كلاوز فيتز

جدلية الحرب والسياسة.. قراءة في نظرية الحرب والسياسية عند كلاوز فيتز

أحمد بابانا العلوي

“الحرب أم الأشياء كلها”/ ـ هرقليطس ـ

“من شروط القيادة على وفرتها.. ليس يوجد بينها ماهو ألزم للقائد من القدرة على سبر قوته وسبر قوة خصمه”/ع.م.العقاد ـ (عبقرية خالد)

تمهيد : التفكير في معنى الحرب وأبعادها..

لا جدال أن التفكير في معنى الحرب وحول الحرب سيؤدي بنا إلى التفكير حول السياسية والدولة ومن لا يعرف معنى الحرب لا يمكن أن يعرف معنى السلام … الحرب هي أعظم الظواهر الاجتماعية والتاريخية وعلم اجتماع الحرب يتناول كل أشكال الحروب وأسبابها ووظائفها ونتائجها، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وتاريخية…، ممتدة ، عبر التاريخ في حياة المجتمعات والدول والإمبراطوريات..

هناك أشكال من الحروب وكلها درجات متفاوتة في نطاق فرض السلطة والهيمنة على الآخر للانصياع لمطلب ما …

وقد تصدرت الحرب كل العلاقات الأخرى … فالحرب داخل علاقات السلطة هي علاقات هيمنة والحرب هي السياسية في مظهر مغاير … والسياسة هي الحرب بوسائل أخرى … إن الطبيعة المعقدة للمجتمعات البشرية جعلت ظاهرة الحرب من ظواهر الاجتماع، والعمران الجديرة، بالتأمل ، والدراسة نتيجة أنه بالحرب تثبيت الحضارات أو تزول … ، نظرا للدور المحوري للمعارك في تشكل أبرز المعالم التاريخية … وكذلك تكون الصراعات بين المجتمعات عبر العصور، تقوم على الحروب من أجل التحكم والسيطرة، والاستحواذ على مقدرات العالم وثروته.

ومن هذا المنطلق أكد الفيلسوف أرسطو بأن فن الحرب مهارة طبيعية للسيطرة والتملك(1)….

تعتبر الحرب صراعا سياسيا بالدرجة الأولى تتداخل فيه السيناريوهات العسكرية، والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقومية هي مجال الصراع والتدافع وأدواتها الكبرى هي القدرة العقلية والمعرفية والتخطيط ، والتنظيم ، والإعلام … وقدرتها على التأثير الحضاري….

وستظل ثلاثة عناصر حاكمة في صراع الإنسان على مدى العصور، وهي القدرة على التنظيم البشري … ونوع السلاح ، والقدرة  على الحركة … القوة التي تتجسد في قدرات التنظيم العسكري  كما ونوعا …(2).

وقد شهدت السياسة الدولية صراعا، من أجل حيازة القوة … ومن ثم فإن الدول تصارع للدفاع عن مصالحها بميزان القوة …

في لحظة التحولات العالمية الكبرى فإن القوى المدججة بالأسلحة الفاتكة تجعل الغلبة في كفة منطق القوة ، لا في ميزان قوة المنطق..

تستخدم الحرب كأداة للسياسة القومية للدولة في الحالات التي تثبت فيها الدبلوماسية إخفاقها…

على الرغم من أن المواثيق الدولية تحظر استخدام القوة في العلاقات بين الدول … وتنظر إليها على أنها عمل غير مشروع، ولا يمكن التسليم بشرعية النتائج التي تترتب على استخدامها… .

إلا أن ظاهرة استعمال القوة في العلاقات الدولية قائمة ومستمرة، ويشهد على ذلك سباق التسلح بين الدول الذي يعاني منه العالم ..(3).

إن الصراعات الدولية تلقي بظلالها على العالم وتعيد صياغته، وفق أهداف جيوسياسية واستراتيجية ، فالنظريات الاستراتيجية تنطوي على خطط وأهداف تتعامل مع حقائق القوة كعامل لحسم الصراعات بين مختلف القوى المتصارعة عبر العصور المتطاولة .

فمفهوم الحرب عرف تطورا داخل منظومة الفكر الاستراتيجي، حيث ترسم الطريقة التي تصاغ بها السياسة أو توضع مخططات عسكرية يعني أن الحرب هي فن استخدام القوة لتحقيق الأهداف السياسية المقررة … (4).

يقسم الفكر الاستراتيجي الحرب إلى قسمين : الحرب الهجومية والحرب الدفاعية …

 أولا الحرب الهجومية تستخدم فيها القوة العسكرية لانتهاك السيادة الإقليمية والاستقلال السياسي لدولة من الدول، أو بهدف تغيير جيوسياسي وفرض علاقات قوى جديدة…

فاستخدام القوة يوفر العديد من المزايا، للدول التي تلجأ إلى أسلوب الهجوم، سواء باستغلال عنصر الوقت أو باستخدام نوع الأسلحة المتطورة والفتاكة…

تتخذ الحرب الهجومية مظهرين أو أسلوبين: الحرب التكتيكية التي تستهدف القوات المسلحة التي يوجه ضدها الهجوم…، أو مظهر الحرب الاستراتيجية التي تتجاوز القوات المسلحة للعدو، إلى تدمير اقتصادها، والنيل من جبهتا القومية(5)

 الهدف الذي يتوخاه الهجوم ، الاستسلام الكامل للدولة التي يستهدفها الهجوم وفي هذه الحالة تكون الحرب غير محدودة أو يكون الهدف محددا مثل إكراه الطرف على الرضوخ لطلب معين يخدم المصلحة القومية للدولة المهاجمة وحينئذ تكون الحرب ذات طبيعة محدودة…

ثانيا : الحرب الدفاعية معناها أن الدولة ، لا تستخدم قواتها المسلحة إلا إذا اضطرتها الظروف إلى ذلك، إما دفاعا ، عن الهجوم الذي استهدفها أو دفعها للتهديد بالأدوات الأخرى الأقل عنفا ، كالضغط الاقتصادي والدبلوماسي….

وقد تطورت الإمكانات الدفاعية للدول بفعل التطورات التكنولوجية ، والاستحداث المستمر ، لأساليب الحرب وارتقاء فنونها … مما ترتب عليه دعم القدرة الدفاعية للدولة بامتلاكها لترسانة من الأسلحة تناسب كافة الاستخدامات ، وغيرها من الوسائل الإلكترونية التي تكفل للدولة نظاما متطورا وفعالا للتحذير من الهجوم ..، كما يجب أن تحتفظ الدولة بقوات عسكرية دفاعية قادرة على صد الهجوم، وفي نفس الوقت تقوى قدرتها على الردع فالردع يسبق الدفاع، وأخفاق الردع يدفع الدولة التي يستهدفها، الهجوم إلى التجاء إلى الدفاع الفعال عن كيانها ومصالحها وسيادتها الإقليمية في مواجهة أعدائها..

إن بعض المزايا الاستراتيجية ، والتكتيكية قد ترجح كفة الحرب الهجومية على الدولة المدافعة ، من حيث أنه يفقدها زمام المبادرة ، ويضيق فرص الاختيار أمامها.. ويكرهها على أن تخوض حربا، غير مهيأة لها في المكان والزمان ..، وبسلاح غير قادر على صد القوة الهجومية.

إن التخطيط للدفاع يشتمل على إجراء تقييم لنوايا وقدرات وسلوك الطرف المهاجم بحسب ما تمليه أوضاعه أكثر مما تحدده أهداف الدولة المدافعة….

فمسؤولية تحديد نطاق الحرب الدفاعية وكذلك تقرير الأهداف المتوخاة من ورائها، إنما تقع على السلطة الحاكمة التي يجب أن تدرك الإمكانات المتاحة القابلة للاستخدام لأنها المعيار الأساسي الذي يعتمد في تحديد نطاق الحرب الدفاعية وأهدافها …، كما يجب أن تدخل في اعتبارها كل الاحتمالات حتى لا تتورط في الأضرار بالمصلحة القومية العليا .. (6).

الاستراتيجية:

إن عملية تحديد الوضع الاستراتيجية لعالم ما بعد الحرب الباردة، تعتبر أصعب لارتباطها، بفهم الدولة الديناميكي والمتغير إلى حد كبير .

على الدولة أن تعيد بناء نفسها من جديد لأنها تعيش أهم تحولاتها التاريخية..، ضمن محيط دولي يشهد أهم تحولاته..، مما يتطلب عملية تفكير دقيق وعميق تحمل في طياتها تحليلا استراتيجيا مستوعبا لجميع الأوضاع الدولية(7).. .

تسعى النظريات الاستراتيجية لتجاوز الصعوبات التي تتعرض لها المجتمعات في فترة التحولات التاريخية، وتفسر قدرتها ومدى استعدادها لأن تتحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة.

لقد تبلورت الرؤية الاستراتيجية في ظل تأرجح توازنات القوى المتعددة..

إن القوة الأمريكية مثلا تشكلت نتيجة الصراع الذي دار بين القوى الأوربية المتنافسة في الفترة ما بعد الحربين العالميتين ..

الفكر الاستراتيجي يركز أساسا، على تحديد معنى القوة، ومظاهرها ومحاور تغيرها، وتفسير العلاقة بين القوة والقيم.. وبهذا الصدد تطرق المؤرخ اليوناني توسيدس (Thucydes) في كتابه حول الحروب ببلوبونسية إلى أهمية القوة في تحديد الأهداف السياسية وعرض الفيلسوف الفارابي في كتابه المدينة الفاضلة البعد القيمي للسياسة ، أما ابن خلدون فقد تناول في مقدمته العناصر الديناميكية التي تحقق التغيير المحوري للقوة في السياسة..، لقد حاولت الثقافة القديمة بناء نوع من الانسجام بين القوة والقيم ..، فقد فصل “ميكافيلي” بين الواقع السياسي والبعد القيمي (في كتابه الأمير) الذي يعد مؤشرا على التحول من النظام الإقطاعي إلى الدولة القومية(8) ….

إن اتفاقية “ووسفاليا التي أبرمت سنة 1648 بعد حروب الثلاثين ترتب عنها ظهور النظام الذي أدى إلى تشكيل الدولة القومية، وجعلت من القوة إطارا قانونيا..

بعد الثورة الفرنسية وما تمخض عنها من أطر نظرية ، بالإضافة غلى ما أفرزته علاقة الحركات القومية، من تنافس استعماري وتشكل الواقع السياسي ..، كما أن القضاء على الإمبراطوريات التقليدية أدى إلى ظهور عدد كبير من الدول القومية في أوربا وخارجها…

وبعد الحرب العالمية الثانية سقطت الإمبراطوريات الاستعمارية، مما أدى إلى جعل مسألة القوة عنصرا أساسيا في العلاقات الدولية …

المدرسة الواقعية تدافع عن معنى القوة بمفهومي المنفعة والسيادة بشكل متكامل ، في إمكانية إنشاء نظام عالمي وفقد توازنات من القوى التي تربط بين الدول القومية ..، في حين ترى المدرسة المثالية ضرورة أن تكتسب العلاقات الدولية بعدا قانونيا وقيميا .. وقد أدت التبعية المتبادلة بين الدول بتأثير العوامل الاقتصادية والسياسية، فجعلت من مفهوم القوة مسألة مختلطة ومتشابكة(9) .. .

ونتيجة لهذا الوضع برزت مفاهيم لتحديد معنى القوة خصوصا مع المتغيرات الجيوسياسية والاستراتيجية العالمية .. .

إن عناصر القوة المتغيرة لبلد ما والتي يمكن تفعليها في المدى القريب والمتوسط هي التي تعكس مدى قدرة الدولة على استخدام قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية بشكل منسق ومثمر ، في بناء سياسة خارجية تكرس مكانة الدولة في التوازنات العالمية..

إن عدم قدرة الدول على إعادة بناء عناصرها الفعالة ، بشكل منظم ينتج عنه أن نصاب بالوهن وبضعف تأثيرها في العلاقات الدولية.

لقد أصبحت الخيارات الاقتصادية و السياسية للدولة عنصرا قويا من عناصر استراتيجيتها ، وهذا هو حال القوى الكبرى التي تعد طرفا في المنافسة الاقتصادية والسياسية، على الصعيد الدولي ، وكذلك القوى الإقليمية التي تقع تحت تأثير هذه المنافسة (10)..

لقد عملت الدول على توجيه سياساتها نحو اتخاذ مكانة في التوازنات من خلال نماذج تنموية..مما أدى الى ربط قوة الدولة وبتأثيرها على المسرح الدولي…

ومن الأمثلة في هذا المجال، هو قيام اليابان بوضع الاقتصاد في مركز سياستها الخارجية’ كمقياس استراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية …

وأصبحت المنافسة المتعلقة بالتفوق العلمي والتكنولوجي من أسباب التوتر والصراع بين مختلف الدول ..، لذلك فإن القوى المهيمنة على النظام الدولي تبذل جهودا كبيرة حتى لا يفلت منها زمام التفوق التكنولوجي.

الولايات المتحدة تسعى لتحافظ على وضعها كقوة مهيمنة في العلاقات الدولية باعتمادها على تفوقها التكنولوجي، وتأخذ في الاعتبار المنافسة الشديدة بينها وبين القوى الأخرى على الساحة الدولية التي تملك القدرة على المنافسة في هذا المجال..، في مقدمتها الصين واليابان والاتحاد الأوربي.

إن القضية الأساسية في الحرب الاقتصادية تتعلق بتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة تستخدم من طرف المجتمعات في جميع المجالات الحياتية .

وينصب الصراع بين المتنافسين على التحكم في التكنولوجيا المتطورة ، والجديدة.

كلما ازدادت الحرب التكنولوجية حدة، فإنها سترسم ملامح الحروب الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المستقل.

كما أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على جبهات متعددة، ستحدد الشكل الذي ستؤول إليه الهيمنة الأمريكية(11) ..

 إن القدرة العسكرية هي التي تحول كل العناصر إلى قوة فعلية، وهي إحدى المؤشرات الأساسية للقوة الكامنة للدولة في زمن السلم وأهم مظهر يعكس القوة الحقيقية للدولة زمن الحرب.

القدرة العسكرية تعتبر المقياس الذي تحدد على ضوئه القرارات الاقتصادية و الدبلوماسية والسياسية وما ينتج عنها من توجهات وتطبيقات (12)

فهناك  علاقة وطيدة بين القوة العسكرية للولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وسياستها الخارجية ..، وهذا الترابط الوثيق بين عناصر القوة هو الذي جعل منها قوة مهيمنة ومؤثرة في العلاقات الدولية ..

إن الذهنية الاستراتيجية، لمجتمع ما هي نتاج لوعي مشترك بالتراكم التاريخي الذي يحمل في داخله العالم الثقافي والنفسي ، والديني والقيم الاجتماعية .. كما أن هذه الرؤية تحدد وضع المجتمع ودوره التاريخي ..، وتتقاطع فيها الآثار المكانية المستندة إلى المعطيات الجغرافية مع الآثار الزمانية المستندة إلى الوعي التاريخي ..، ومن ثم فإن الاختلاف في وجهات النظر الاستراتيجية للمجتمعات هو اختلاف عالم التصورات الذي يستند على البعدين المكاني والزماني . أي أنها تتخذ من تجاربها التاريخية محورا لها لصياغة البنية الذهنية التي تؤثر على توجهاتها ووضع سياساتها الخارجية.

إذا أخذنا مفهوم الأمة كوحدة سياسية تكونت ضمن مراحل تاريخية طويلة تظهر الذهنية الاستراتيجية للمجتمع، وتتشكل من جديد ضمن المسيرة التاريخية التي يمر بها الوعي بالهوية، وتبدي هذه الذهنية استمرار طويل الأمد  يتعدي التموجات السياسية العابرة.

تعتبر الذهنية المانية نتاج وعي تاريخي تمتد جذوره إلى الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، إضافة إلى الأسس الفلسفية للدولة القومية الحديثة.

يرى الفيلسوف “هيجل” بأن جذور الوعي التاريخي الماني يعتبر استمرارا للذهنية الاستراتيجية المانية التي يتداخل فيها الوعي بالهوية بوعي المكان والزمان … (13).

ان المجتمعات التي تحافظ على إرثها التاريخي تكون قادرة بفعل الذهنية الاستراتيجية على إعادة بناء هويتها من أجل الظهور مجددا على مسرح التاريخ والمساهمة في البناء الحضاري، فالذهنية الاستراتيجية تربط علاقة بالآثار الناتجة عن المعطيات الثابتة والمتغيرة في صيغة معادلة القوة .. .

فالعناصر التي تشكل مجمل معادلة القوة ، يؤثر بعضها في بعض ..، بحيث لا يمكن للدول التي لا تملك ذهنية استراتيجية ، وإرادة سياسة قوية ومنسجمة، أن تشكل القوة التي تحقق التفوق بالنسبة لعناصرها الثابتة والمتغيرة(14)..

إن معادلة القوة في حالة الدفاع أو الهجوم تندرج في إطار فن الحرب على المستويات التكتيكي والاستراتيجي وضمن هذا الإطار يتم اختيار البديل الأمثل للوصول إلى الأهداف من الحرب ..، في ظل المعرفة بقدرات الذات وقوة الخصم ..، وكذلك بالأرض التي يتم عليها الصراع وبالمجال والظروف المحيطة بالصراع .

ولا يمكن للحسابات أن تلغي المخاطر ..، لأن الحرب تبقى وسيلة من أجل هدف جاد ..، وهي أداة سياسية بامتياز. وليست غاية في ذاتها، كما أن النصر العسكري ليس هدفا في ذاته …

إن العلاقة السياسية بالقوة المسلحة، علاقة، وطيدة ، لا انفصام لها ، تقوم على صراع المصالح، وتستند إلى موازين القوة، بين المتصارعين من أجل التوفيق من خلال تحويل التصورات السياسية عن طريق التكامل ، بين القوة والأهداف بغرض تطويع الواقع، وذلك بتحديد القضايا، التي قد يجري حولها تهديد بالصراع أو الحرب ..

وإن أي سياسة لا تسندها قوة قابلة للاستعمال، تفقد هدفها وتضل عنه ..، ويخطئ الذين يتصورون أن الاحتكام إلى القوة يعني التخلي عن العمل السياسي ، أو أن التجاء إلى العمل السياسي يعني التخلي عن القوة …

إن القوة عنصرا واحدا، وليس وحيدا والسياسة المعزولة عن القوة هي سياسة عقيمة ..، إن مصالح الدول ترتبط بقوتها والقوة مزيج مركب يتكون من القدرة العسكرية والموارد الاقتصادية ، وممارسة القوة تعتمد بالدرجة الأولى على نوعية القيادة السياسية في الدولة ..، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي قررتها أو أعلنتها ..، فالسياسة لا تقوم على الأخلاق وحدها ولا على القوة وحدها ، وإنما لكل منهما دوره في تحقيق الهدف ..، الأخلاق تعطي الهدف غطاءه الشرعي والقوة تمنحه فاعليته الحقيقية فلا فائدة من اي قوة مسلحة، لا تعززها الإرادة السياسية.. ، وبدون إرادة سياسية تتحول القوة إلى مخزون سلاح …

 الدولة إذا بدت ضعيفة، فإنها تدعو غيرها للعدوان عليها، حتى وإن لم تكن ضعيفة ..، ونتيجة لذلك تفقد قوتها الرادعة قيمتها في التأثير على الحوادث(15) ..

ومن نافل القول أن استخدام القوة في الصراعات بين المجتمعات والدول عبر العصور تم من أجل تحقيق الأهداف السياسية، وترجيح مصالح الأقوياء بإخضاع الضعفاء لإرادة القوة الغالبة، ضمن ما تفرضه موازين القوى الاستراتيجية الجديدة تأسيسا على أن القوة في التاريخ أداة، ووسيلة السياسية في رسم الأهداف وتحديد المصالح الحيوية  في الحرب والسلم…، وذلك باعتماد رؤية جيواستراتيجية شاملة، قادرة على التصدي لجملة تحديات المسار التاريخي المتغير .. وهذا ما شغل فكر منظري الحرب وفلاسفة الحكم وعلماء السياسة والاجتماع ..، فقاموا بصياغة نظريات وتصورات تلخص الرؤية الاستراتيجية المطلوبة في العلاقة الوطيدة بين القوة والسياسة..، إن ما يهمنا مما سنعرض له من نظريات ليس فقط عمق  التحليل والقدرة على استخلاص النتائج، وتجنب الوقوع في خطأ الحساب والتورط في الصراع بقدر ما تنطوي عليه الصراعات من انتقال القوة نتيجة تنامي نفوذ القوى الصاعدة في التنافس على الموارد والأمن والكسب الاقتصادي(16)..

فلا محيص إذن من الرجوع إلى أسباب الغلبة، وسبر أسباب الهزيمة .. بغرض فهم طبيعة الصراعات الجارية على الساحة الدولية ضمن مخططات جيوسياسية.. ترتكز على القوة في المقام الأول باعتبارها العامل الرئيس في رسم السياسات، وتحديد الأهداف وصياغة النظريات الاستراتيجية التي تضع أنجع الطرق لاستخدام القوة العسكرية لحسم الصراع والوصول إلى أهداف السياسة .. من هذا المنطلق سنعرض لعلاقة الحرب بالسياسة من منظور الفكر الاستراتيجي الذي يحدد طرق استخدام الدولة لقوتها العسكرية لتحقيق أهدافها..  يعتبر كارل فون كلاورفيتز (1780-1831) أهم مفكر استراتيجي في العصر الحديث وضع كتابا “عن الحرب” صدر سنة 1832 تطرق فيه إلى العلاقة الجدلية بين الحرب والسياسة ، وبسط فيه المخططات الأساسية للحرب في جميع أطوارها وضمن الكتاب نظرية حول الحرب والسياسة..

* ملحوظة : هذه مقدمة لمقال  حول نظرية الحرب والسياسة عند “كلاوزفيتز

شارك هذا الموضوع

د. أحمد بابانا العلوي

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!