المعرض الدولي للكتاب 2026 : موعد ضائع مع مؤرخي الجهات

المعرض الدولي للكتاب 2026 : موعد ضائع مع مؤرخي الجهات

حسن آيت حمو

ترجمه بتصرف عن الفرنسية مبارك العوني 

          انعقد المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته الحادية والثلاثين ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026 في الرباط، غير أن ما يثير الانتباه في كل دورة، هو آليات الاختيار والمشاركة في الأنشطة الثقافية المصاحبة للمعرض.

          وحتى نذهب لصميم الموضوع نشير إلى غياب ثلاثة من أٌقدم مؤرخي الذاكرة المحلية في المغرب. فبينما يكرس المعرض مكانته كواجهة للإشعاع الثقافي المغربي، يظل كل من المصطفى اجْماهري (مؤرخ الجديدة)، وإبراهيم كْريدية (مؤرخ آسفي)، وعمر لخضر (مؤرخ الصويرة) – وهم الذين راكموا أكثر من ثلاثين عاماً من العطاء والحضور المستمرين- على هامش الندوات الرسمية الكبرى. ومع ذلك، فإن هؤلاء البناة الحقيقيين لذاكرة دكالة وعبدة والشياظمة، يجسدون مشروعاً فكرياً يتجاوز بكثير الإطار المحلي الضيق. ففي الوقت الذي يرسخ فيه المغرب مشروع الجهوية المتقدمة، بات من الضروري الاعتراف بأن الهوية الوطنية تُصاغ أيضاً من خلال دقة الأرشيف الجهوي. إن هؤلاء حراس الذاكرة يستحقون مكانة مركزية نظير أعمالهم البحثية.

          إن ما يثير الإعجاب في هذا الثلاثي هو الإرادة الصلبة التي تقود التزامهم. فبعيداً عن قنوات التمويل المؤسساتي أو طلبات النشر المريحة، يخوضون أبحاثهم كرسالة مقدسة، مدفوعين بروح التضحية والسخاء، فكرياً ومادياً. إن هذا العمل شبه الصوفي – الذي يتجلى في تتبع الأرشيفات النادرة في الخزانات الأجنبية، وجمع الشهادات الشفوية قبل اندثارها، والنشر بوسائلهم الخاصة – يُعد نضالاً ثقافياً حقيقياً. وبذلك، كثيرا ما أنقذوا من النسيان والضياع جوانب غنية من الحياة الاجتماعية والتجارية والدينية لمدنهم. إن صمودهم لا ينتظر تكريماً ولا دعماً، بل ينبع من شعور حاد بالواجب تجاه جهاتهم، محولين كل مونوغرافية إلى حصن ضد اندثار الزمن.

          فمن خلال ممارستهم الطويلة للتاريخ الصغير، لا يكتفون بسرد الوقائع، بل يعيدون الاعتبار للفاعل المحلي في السردية الوطنية. وبتوثيقهم الدقيق لتاريخ التبادل البحري، وآليات التجارة المينائية القديمة، وجذور التعددية الثقافية في الجديدة وآسفي والصويرة، يثبتون أن هذه الأقاليم لم تكن هوامش سلبية، بل كانت مراكز للمقاومة والابتكار. إن دراساتهم حول الوجود البرتغالي أو الطوائف الدينية التي غابت، أو سيرة المقاومين تمنح عمقاً تاريخياً لا يقدر بثمن، محولةً تفاصيل زقاق في المدينة العتيقة إلى سردية عالمية، يستشهد بها الباحثون من مختلف أنحاء العالم كمراجع أساسية.

          وفضلاً عن التبحر العلمي، تساهم هذه الأقلام الثلاثة، من خلال تراكم المعرفة التاريخية والجغرافية، في تعزيز الكتابة عن التاريخ الجهوي. ذلك أن الجهة الإدارية تظل دوماً في حاجة إلى عمق تاريخي يستند إليه وجودها. ومن خلال مؤلفاتهم، يقدم هؤلاء للفاعلين والمواطنين على حد سواء بعض المفاتيح للمعرفة الترابية، قادرة على حمل مشاريع التنمية والسياحة التراثية. وبإماطتهم اللثام عن مسارات العلماء المحليين، والمقاومين المنسيين، والفعاليات الرياضية والفنية، فإنهم يعززون الشعور بالانتماء للجهة وللمغرب بصفة عامة. إنهم ليسوا ضيوفاً ثانويين في المحافل الأدبية، بل هم حمالة خبرة هيكلية حول جهاتهم.

          ولكي يرقى المعرض الدولي للنشر والكتاب حقاً إلى مستوى رسالته، فقد حان الوقت كي يخصص فضاءات حوارية مكرسة لهؤلاء المؤرخين، حيث يمكن لخبرتهم الطويلة أن تُشاطر مع الجمهور الواسع. إن نسيان هؤلاء الباحثين هو بمثابة اختزال للتاريخ الجهوي في مجرد فضول فولكلوري، في حين أنه يمثل قيمة مضافة للمجهود الفكري والعلمي.

          إن استحضار هذه الأسماء الثلاثة ليس إلا نموذجاً لجيل من الباحثين يزخر بهم المغرب، ممن كرسوا حياتهم للكتابة عن مدنهم وجهاتهم. وقد وقع الاختيار على هذا الثلاثي بناءً على مقومات راسخة: التجربة، والتراكم المعرفي، وكذا التقدير العلمي الذي يحظون به في الأوساط الأكاديمية.

شارك هذا الموضوع

حسن آيت حمو

باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!