حين كانت الأرض تقاتل مع رجالها
أحمد لعيوني
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
لم تكن عبارة محمود درويش مجرد جملة شعرية خطرت ببالي وأنا أصعد الطريق المتعرجة نحو مرتفعات بير الورد – بريغيت، بل كانت تترجم تماماً ما شعرت به هناك؛ في تلك الربوع المنسية من الشاوية، حيث تبدو الأرض وكأنها ما تزال تحتفظ بحرارة الخطى القديمة، وصدى البنادق، وأنفاس رجال مرّوا من هنا قبل أكثر من قرن، ثم اختفوا في التراب الذي أحبوه حتى الموت.
كل شيء في المكان كان يوحي بأن الذاكرة لا تزال حيّة.
الغابة الكثيفة، المنحدرات الحادة، الصمت الذي يقطعه أحياناً صوت الريح بين الأشجار… حتى الطريق المعبدة حديثاً، بدت كأنها اعتذار متأخر لأولئك الذين عبروا هذه المسالك حفاة أو على ظهور الخيل، وهم يعرفون أنهم ذاهبون إلى مواجهة غير متكافئة مع واحدة من أقوى الآلات العسكرية في زمنهم.
في هذا الفضاء انعقدت الدورة الثالثة والعشرون لملتقى المنتدى الثقافي للشاوية، بدعوة من جمعية أحلاف للتنمية والثقافة والبيئة، وبتأطير من مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، تخليداً لمعركة 16 ماي 1908؛ تلك المعركة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة مكثفة من لحظات الوعي المغربي المبكر بمعنى الوطن.
وأنا أتابع الوجوه القادمة من مختلف مناطق الشاوية والدار البيضاء والرباط، لمعانقة أحفاد الشهداء. كان واضحاً أن الناس لم يحضروا فقط للاستماع إلى مداخلات أكاديمية، بل جاءوا ليختبروا نوعاً من الوفاء المتأخر. كأن الجميع يشعر، في قرارة نفسه، بأن هؤلاء المقاومين ماتوا بسرعة أكبر مما كتبهم التاريخ.
بعد الاستماع إلى النشيد الوطني، ملأت فرقة عبيدات الرمى المكان بإيقاعاتها القديمة. لم تكن مجرد فقرات تراثية تؤثث افتتاحاً عادياً؛ كانت استدعاءً حقيقياً لروح القبيلة. كنت أراقب وجوه الحاضرين وهي تنصت إلى الإيقاع، فأشعر أن الزمن يتراجع إلى الوراء، وأن هؤلاء الرجال الذين كانوا يرفعون البنادق البسيطة في وجه المدافع الفرنسية، ربما كانوا يسمعون الإيقاعات نفسها قبل اندلاع المعارك.
حين تناول شعيب حليفي الكلمة، لم يتحدث ببرودة المؤرخين. كان صوته أقرب إلى مناجاة طويلة مع أرواح الغائبين. قال إن هذه الأرض ارتوت بدماء رجال ما تزال أصواتهم تمنحنا القوة والكرامة إلى اليوم. للحظة، بدا المكان بالفعل أشبه بمحراب مفتوح في الهواء الطلق، حيث يقف الأحياء بخشوع أمام ذاكرة لا تريد أن تموت.
قال حليفي: نحن لن ننساكم.
ولم تكن العبارة خطاباً إنشائياً بقدر ما كانت اعترافاً ضمنياً بأن النسيان بدأ يقترب فعلاً.
أكثر ما شدّني في هذا اللقاء هو ذلك الإصرار الجماعي على استعادة الإنسان داخل التاريخ، لا الحدث فقط. فحين تحدثت الطفلة نعمة برني باسم أحفاد المجاهدين، شعرت أن التاريخ خرج أخيراً من الكتب الجامدة، وعاد طفلاً ينطق ببراءة القرى المغربية القديمة. تحدثت عن رجال بسطاء، فلاحين، لم يكونوا قادة كباراً ولا شخصيات أسطورية، لكنهم حملوا السلاح أو الخبز أو الماء، وساروا بين الغابات لخدمة المقاومين. كان في كلامها شيء مؤلم: أولئك الذين لم تحفظهم الكتب، حفظتهم الذاكرة الشعبية فقط.
ثم جاءت مداخلة الباحث صالح شكاك، فبدت كأنها محاولة لإعادة تركيب صورة المعركة من داخل الضباب. تحدث عن العودة إلى البادية العميقة، إلى الذين صنعوا التاريخ ثم انسحبوا منه دون ضجيج. وأكثر ما أثار انتباهي في حديثه تلك الفكرة القاسية: نحن نعرف المقاومة المغربية غالباً من خلال ما كتبه عنها خصومها.
كان شكاك يتحدث بحسرة الباحث الذي يفتش في الأرشيف الفرنسي عن أسماء رجال قاتلوا دفاعاً عن أرضهم، بينما لم يتركوا هم وراءهم سوى الروايات الشفوية. تخيلت، وأنا أستمع إليه، ذلك المقاوم الشاوي الذي خرج فجراً نحو المعركة دون أن يخطر بباله أنه بعد مئة عام سيحاول باحثون إعادة تخيل ملامحه من تقارير ضابط فرنسي.
قال شكاك إن الفرنسيين كانوا يملكون المدافع بعيدة المدى، بينما كان المقاومون يختارون الأودية والغابات والمناطق الوعرة للمباغتة. هنا شعرت أن الأرض نفسها كانت تقاتل مع رجالها. الجغرافيا لم تكن مجرد خلفية للمعركة، بل كانت جزءاً من تكتيك المقاومة، وملاذ الفقراء أمام التفوق العسكري الساحق.
أما الباحث نور الدين فردي فقد بدا أكثر ميلاً إلى مساءلة الذات الجماعية بدل الاكتفاء بتمجيد الماضي. تحدث عن تاريخ الشاوية المنسي، وعن لحمر بنمنصور باعتباره رمزاً لمقاومة لم تنل ما تستحقه من الإنصاف.
لكن ما منح مداخلته عمقها الحقيقي هو انتقاله من الماضي إلى الحاضر. قال بوضوح إن أخطر ما يهدد التاريخ اليوم ليس النسيان فقط، بل التشويه. كان يتحدث بقلق واضح عن وسائط التواصل الاجتماعي التي تحوّل الوقائع المعقدة إلى حكايات سطحية وأساطير سهلة التداول. شعرت، وأنا أستمع إليه، أننا لم نعد نخسر المعارك بالسلاح فقط، بل قد نخسرها أيضاً حين نفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
ولعل العبارة الأكثر إيلاماً في هذا اللقاء كله كانت تلك الفكرة التي تكررت بأشكال مختلفة:
المقاومون كانوا يعرفون أنهم قد ينهزمون، لكنهم اختاروا الموت على التخلي عن قيمهم.
هنا تحديداً، يتجاوز الحدث معناه التاريخي ليصبح سؤالاً معاصراً:
كيف يمكن لأمة أن تحافظ على كرامتها إن فقدت ذاكرتها؟
وأنا أغادر المكان مع رفيقاي، محمد الدنيا، ومحمد غانيمي، الذي يطلق عليه شعيب حليفي: الولي الصالح، حينها كانت الشمس تميل نحو الغروب فوق غابات الشاوية. شعرت أن هذا الملتقى لم يكن مجرد نشاط ثقافي عابر، بل محاولة أخيرة لالتقاط ما تبقى من صوت أولئك الرجال قبل أن يبتلعهم الصمت نهائياً.
هناك، في بير الورد – بريغيت، لا يبدو التاريخ بعيداً كما نتصور.
يكفي أن تصمت قليلاً، حتى تسمع وقع الخيل بين الأشجار.
