بيلاروس وعقدة التصعيد الأوكراني: المراهنة على الوهم
د. زياد منصور
دخلت الحرب الأوكرانية منذ عام 2022 مرحلة تتجاوز إطار النزاع الإقليمي التقليدي، لتتحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح على توازنات النظام الدولي وحدود القوة العسكرية والقانونية والسياسية في العالم المعاصر. فالحرب لم تعد مقتصرة على المواجهة بين روسيا وأوكرانيا، بل باتت تتداخل فيها الحسابات الإستراتيجية لحلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إلى جانب البعد النووي، والاقتصادي، والإعلامي، والقانوني.
ومع تصاعد الضربات الصاروخية الروسية، واتساع نطاق الدعم الغربي لكييف، وعودة الحديث عن الجبهة الشمالية عبر بيلاروس، دخل الصراع مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وتراجع المساحات السياسية القادرة على إنتاج تسوية شاملة. كما أن انتقال المواجهة إلى المجال القانوني عبر مشاريع المحاكم الخاصة ومذكرات التوقيف الدولية يعكس تحول الحرب من نزاع ميداني إلى صراع طويل الأمد حول الشرعية الدولية وإعادة تعريف مفهوم العدالة في العلاقات بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، لم يعد السؤال الأساسي متعلقًا فقط بمن سيتقدم ميدانيًا، بل بما إذا كانت الحرب تتجه نحو إعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي والدولي بأكمله، وما إذا كانت القوى الكبرى قد دخلت بالفعل في مرحلة صدام مفتوح يتجاوز حدود أوكرانيا نفسها.
التصعيد الأوكراني تجاه بيلاروس وتحول الجبهة الشمالية
شهد الخطاب الأوكراني تجاه بيلاروس تصعيدًا ملحوظًا خلال المرحلة الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المؤشرات على ارتفاع مستوى التنسيق العسكري بين موسكو ومينسك. ويعود هذا التصعيد إلى إدراك كييف أن بيلاروس ومن وجهة نظر كييف، لم تعد مجرد حليف سياسي لروسيا، بل تحولت فعليًا إلى امتداد جغرافي وعسكري للبنية الإستراتيجية الروسية.
في المقابل، ترى بعض القراءات السياسية أن كييف تسعى إلى توسيع دائرة الضغط على بيلاروس ودفعها تدريجيًا نحو مزيد من الانخراط في الصراع، سواء عبر التصعيد الإعلامي المستمر، أو عبر تكريس صورة مينسك بوصفها طرفًا مشاركًا فعليًا في الحرب. كما يُنظر إلى التوتر المتصاعد بين بيلاروس وبولونيا، خاصة في ملف الهجرة والحدود، باعتباره جزءًا من بيئة إقليمية مشحونة تُستخدم فيها الاتهامات المتبادلة والأزمات الحدودية كأدوات ضغط سياسي وأمني.
ومن وجهة النظر البيلاروسية، تؤكد مينسك أن حرس الحدود يتعامل مع الملف وفق معايير مهنية وتنظيمية، وترفض الاتهامات الغربية المتعلقة باستخدام الهجرة كورقة ضغط ضد الاتحاد الأوروبي. إلا أن بولونيا ودولًا أوروبية أخرى تعتبر أن تدفقات المهاجرين عبر الحدود الشرقية تُستغل ضمن سياق أوسع من الحرب الهجينة والتوتر بين روسيا والغرب.
وفي هذا الإطار، يبدو أن التصعيد المتبادل لا يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل يمتد إلى المجال الحدودي والإعلامي والسياسي، بما يعكس محاولة مختلف الأطراف إعادة تشكيل ميزان الضغط الإقليمي واستثمار الأزمات المحيطة بالحرب الأوكرانية في الصراع الجيوسياسي الأوسع في شرق أوروبا.
فمنذ انطلاق العمليات العسكرية الروسية، تروج كييف إلى أن الأراضي البيلاروسية تستخدم كنقطة انطلاق رئيسية للهجوم على كييف ومحاور الشمال، الأمر الذي رسّخ في الوعي العسكري الأوكراني أن أي تغير في الموقف البيلاروسي قد يؤدي إلى إعادة فتح الجبهة الشمالية في لحظة ميدانية حساسة.
وتضاعفت هذه المزاعم مع تصاعد الحديث عن مناورات مشتركة، ونقل أنظمة صاروخية روسية إلى الأراضي البيلاروسية (أوروشنيك)، ورفع مستوى الجهوزية القتالية قرب الحدود الأوكرانية. ونتيجة لذلك، باتت أوكرانيا تنظر إلى بيلاروس باعتبارها عنصر ضغط إستراتيجي يفرض عليها إبقاء قوات كبيرة في الشمال، بما يحد من قدرتها على تركيز قواتها في جبهات الشرق والجنوب.
ومما لا شك فيه أن جزءًا من الخطاب الأوكراني تجاه بيلاروس يواجه إشكالية تتعلق بضعف الأدلة الحاسمة على وجود نية بيلاروسية فعلية للانخراط المباشر في الحرب. فرغم التصعيد الإعلامي والتحذيرات المتكررة من احتمال فتح جبهة شمالية جديدة، لم تُقدم مينسك حتى الآن على تدخل عسكري مباشر داخل الأراضي الأوكرانية، كما بقيت التحركات العسكرية البيلاروسية ضمن إطار رفع الجهوزية والتعبئة الدفاعية والمناورات المشتركة مع روسيا.
ومن هذا المنطلق، ترى بعض التحليلات أن كييف تميل أحيانًا إلى تضخيم الخطر البيلاروسي بهدف إبقاء الضغط السياسي والدولي قائمًا، وضمان استمرار الاهتمام الغربي بالجبهة الشمالية، خصوصًا في ظل الضغوط الميدانية التي تواجهها القوات الأوكرانية في الشرق والجنوب.
كما أن استمرار أوكرانيا في تصوير بيلاروس باعتبارها على وشك دخول الحرب يصطدم بحقيقة أن القيادة البيلاروسية، رغم تحالفها الوثيق مع موسكو، ما تزال تتجنب اتخاذ خطوة الانخراط العسكري المباشر، إدراكًا منها للكلفة الداخلية والإقليمية الكبيرة التي قد تترتب على ذلك.
وفي هذا السياق، تبدو المزاعم الأوكرانية حول اقتراب تدخل بيلاروسي واسع النطاق أقل تماسكًا كلما طال أمد الحرب دون حدوث هذا التدخل فعليًا، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن التهويل بالخطر البيلاروسي بات يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية بقدر ما يعكس تقديرًا عسكريًا حقيقيًا.
التحول في العقيدة العسكرية البيلاروسية
وعلى خلفية التحذيرات المزعومة “الزيلنسكية” بحق بيلاروس، أتت التصريحات الأخيرة للرئيس ألكسندر لوكاشينكو حول الاستعداد للحرب والتعبئة العسكرية، والتي تعكس شعورا بتهديد مفتعل ومنسَّق، يرمي بشكل أو بآخر إلى تحريك المعارضة البيلاروسية الهزيلة التي تقتات من دول غربية، وتفرض ضرورة إجراء تحول تدريجي في العقيدة الدفاعية البيلاروسية. فمينسك انتقلت من خطاب يركز على الدفاع وحماية الحدود إلى خطاب يتحدث عن الجهوزية القتالية والتعبئة وإعادة تنظيم القوات.
ورغم أن بيلاروس لم تدخل الحرب مباشرة حتى الآن، فإنها باتت تتحرك ضمن المجال الأمني الروسي بصورة شبه كاملة. ويشمل ذلك: استضافة قوات ومنظومات روسية، توسيع التعاون الاستخباري والعسكري، تحديث خطط التعبئة الجزئية، وإعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن لوكاشينكو اتخذ قرار الانخراط المباشر في الحرب. فالقيادة البيلاروسية تنظر إلى الصراع من زاوية أمنية وإستراتيجية أوسع ترتبط أساسًا بمنع انتقال الحرب إلى المجال البيلاروسي أو تحول البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة نتيجة التصعيد المتزايد في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، ترى مينسك أن رفع الجهوزية العسكرية والتعبئة الدفاعية لا يعكسان بالضرورة نية هجومية، بقدر ما يرتبطان بتقدير متنامٍ داخل القيادة البيلاروسية بأن استمرار الحرب واتساع الانخراط الغربي في دعم كييف يزيدان من احتمالات الانزلاق نحو خطوات غير محسوبة أو مغامرات عسكرية قد تفرض واقعًا أمنيًا جديدًا على حدود بيلاروس.
كما تنظر القيادة البيلاروسية بقلق إلى تصاعد الخطاب الأوكراني تجاه مينسك، وإلى التوتر المتزايد على الحدود، باعتبار أن أي حادث أمني واسع أو عملية استفزازية قد يؤدي إلى جر بيلاروس تدريجيًا إلى قلب الصراع، حتى من دون وجود قرار مسبق لديها بالدخول المباشر في الحرب.
لذلك يبدو أن العقيدة الحالية لمينسك تقوم على مبدأ الردع الوقائي وإظهار الجهوزية العسكرية القصوى، بهدف منع خصومها من الاعتقاد بأن بيلاروس تمثل نقطة ضعف يمكن الضغط عليها أو نقل الحرب إليها.
الضربات الروسية الكبرى ومحاولة تغيير قواعد الحرب
شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا واضحًا في حجم الضربات الروسية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، حيث وصلت بعض الهجمات إلى مئات المسيّرات والصواريخ خلال موجة واحدة. ويعكس ذلك انتقال روسيا إلى إستراتيجية تقوم على إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية واستنزاف البنية التحتية ومراكز القيادة والسيطرة.
هذا التصعيد يرتبط بعدة أهداف مترابطة، منها يهدف إلى إضعاف القدرة الدفاعية الأوكرانية، واستنزاف مخزون الصواريخ الغربية، وخلق ضغط نفسي وسياسي داخل المدن الكبرى، وإظهار أن موسكو ما تزال قادرة على فرض التصعيد رغم الدعم الغربي.
كما أن كثافة الضربات تعكس تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يعتمد على القدرة الصناعية واللوجستية بقدر اعتماده على التقدم الميداني المباشر. وفي الوقت نفسه، تسعى روسيا إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك عبر توسيع نطاق الأهداف المحتملة، بما يشمل مراكز القيادة والبنية المرتبطة باتخاذ القرار العسكري والسياسي.
احتمالات العودة نحو كييف
ودون شك، فإن مخططات القيادة العسكرية الروسية، لم تخل يوما من احتمال عودة روسيا إلى محاولة السيطرة على كييف، والتي تبقى احتمالًا قائمًا، لكنها تختلف جذريًا عن سيناريو عام 2022. فالهجوم على العاصمة الأوكرانية، استفاد كليا مما جرى في السابق، رغم الوعود الغربية لموسكو بأن سحب قواتها من كييف، سيقود نحو مفاوضات تمنع من انضمام كييف الى الناتو.
ولعل موسكو تدرك تمامًا أن أي محاولة للعودة نحو كييف أو توسيع العمليات في العمق الأوكراني لا يمكن أن تنجح عبر الضربات الصاروخية وحدها، بل تتطلب توافر عناصر معقدة ومتشابكة تشمل قوات برية ضخمة، وخطوط إمداد مستقرة، وتفوقًا جويًا واسعًا، إلى جانب تنسيق عالي المستوى مع الجبهة البيلاروسية، سواء على مستوى الانتشار أو الضغط الإستراتيجي على الحدود الشمالية.
غير أن الحسابات الروسية لا تبدو مقتصرة على العامل العسكري المباشر فقط، إذ تراهن موسكو أيضًا على متغيرات داخلية أوكرانية قد تزداد تأثيرًا مع طول أمد الحرب واستمرار الاستنزاف البشري والاقتصادي. فحملات التعبئة الواسعة، وما رافقها من تنامي الامتعاض داخل شرائح من الشباب الأوكراني، بدأت تترك آثارًا اجتماعية ونفسية متراكمة، خصوصًا مع اتساع الخسائر البشرية وتراجع الاستقرار المعيشي في عدد كبير من المناطق.
كما تعتقد موسكو أن استمرار الحرب يفاقم الأزمات البنيوية داخل الدولة الأوكرانية، سواء على مستوى الفساد المالي والإداري، أو على مستوى الصراع بين مراكز النفوذ السياسية والعسكرية، إضافة إلى تنامي الانتقادات المرتبطة بتأثير التيارات القومية المتشددة داخل المشهد السياسي والأمني في كييف.
كذلك لا تستبعد موسكو توظيف أدواتها الاستخبارية والسياسية والإعلامية في التأثير على البيئة الداخلية الأوكرانية، انطلاقًا من قناعة راسخة داخل المؤسسة الروسية بأن الحروب الكبرى لا تُحسم بالقوة العسكرية فقط، بل أيضًا بقدرة الأطراف على إنهاك الخصم من الداخل وإضعاف تماسكه السياسي والاجتماعي على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، ترى موسكو أن بعض الشخصيات والتيارات التي احتفظت بخطاب أكثر براغماتية تجاه روسيا، ومؤيدة للتسوية مثل دوائر مرتبطة بيوليا تيموشينكو، فرغم عدائها السياسي القديم للكرملين في مراحل عديدة، فإنها تمثل أحيانًا تيارًا براغماتيًا يركز على الواقعية السياسية والحفاظ على توازنات الدولة، وقد انتقدت بعض سياسات السلطة الحالية المرتبطة بالحرب والتعبئة، كذلك هناك شخصيات سياسية واقتصادية من شرق أوكرانيا والفضاء الناطق بالروسية، قد تستعيد حضورها السياسي مستقبلًا إذا دخلت الحرب مرحلة إنهاك طويلة من دون حسم واضح، من بين هؤلاء فيكتور ميدفيتشوك الذي يُعد من أكثر الشخصيات قربًا من موسكو تاريخيًا، وكان يدعو إلى شراكة إستراتيجية مع روسيا، قبل أن يُتهم بالخيانة ويغادر أوكرانيا ضمن تبادل أسرى، إضافة إلى ألكسندر فيلكول الذي يمثل جزءًا من النخب الصناعية والسياسية في شرق البلاد التي كانت ترى أن الاقتصاد الأوكراني مرتبط موضوعيًا بالسوق الروسية والفضاء السوفييتي السابق، ويفغيني موراييفوف الذي تبنى خطابًا يدعو إلى الحياد والتفاوض مع روسيا وانتقد مسار المواجهة المفتوحة مع موسكو. وقبل اندلاع الحرب الشاملة، مثّل حزب “المنصة المعارضة – من أجل الحياة”، وهي أحد أبرز القوى السياسية الداعية إلى الحفاظ على العلاقات مع روسيا ورفض القطيعة الكاملة معها، إلى جانب تيارات أخرى تشمل دوائر اقتصادية وصناعية في شرق أوكرانيا، ونخبًا تكنوقراطية قديمة، وشرائح واسعة ناطقة بالروسية ترى في العلاقة مع موسكو امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا وتاريخيًا يتجاوز مجرد العلاقة التقليدية بين دولتين متجاورتين.
كما برزت قوى وشخصيات أخرى ضمن هذا الفضاء، من بينها الحزب الشيوعي الأوكراني بزعامة بيترو سيمونينكو، إضافة إلى الحضور المؤثر للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو، التي شكّلت لسنوات أحد أبرز الأطر الدينية والاجتماعية ذات الامتداد الروسي داخل المجتمع الأوكراني. إلا أن هذه القوى والتيارات تعرضت بعد عام 2022 لتراجع حاد وضغوط سياسية وأمنية واسعة، وسط تصاعد الاتهامات لها بالارتباط بموسكو والعمل ضمن النفوذ الروسي داخل أوكرانيا.
وتعتقد موسكو أن التراجع النسبي لنفوذ التيارات القومية المتشددة، إلى جانب تفاقم أزمات الفساد والصراع بين مراكز النفوذ داخل الدولة الأوكرانية، قد يؤديان مع الوقت إلى إعادة فتح النقاش الداخلي حول جدوى استمرار الحرب المفتوحة وحدود القدرة الأوكرانية على تحمل كلفتها المتصاعدة.
كذلك لا تستبعد موسكو توظيف أدواتها الاستخبارية والسياسية والإعلامية في التأثير على البيئة الداخلية الأوكرانية، انطلاقًا من قناعة راسخة داخل المؤسسة الروسية بأن الحروب الكبرى لا تُحسم بالقوة العسكرية فقط، بل أيضًا بقدرة الأطراف على إنهاك الخصم من الداخل وإضعاف تماسكه السياسي والاجتماعي على المدى الطويل.
ورغم كل ما ذكر آنفًا، فإن موسكو قد لا تكون بحاجة إلى احتلال كييف فعليًا لتحقيق أهدافها السياسية. فمجرد التهديد المستمر للعاصمة واستهداف البنية القيادية يمكن أن يحقق ضغطًا إستراتيجيًا كبيرًا على القيادة الأوكرانية والداعمين الغربيين.
استهداف القيادة السياسية وحدود التصعيد
أعاد التصعيد العسكري الأخير النقاش حول احتمال استهداف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومراكز القرار السياسي والعسكري في كييف. ومن الناحية التقنية، تمتلك روسيا قدرات صاروخية واستخبارية متقدمة تسمح لها بمحاولة تنفيذ عمليات دقيقة ضد أهداف قيادية. غير أن امتلاك القدرة لا يعني بالضرورة اتخاذ القرار السياسي باستخدامها. فاغتيال رئيس دولة خلال حرب بهذا الحجم قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق مع الغرب، وتحويل زيلينسكي إلى رمز تعبئة دولي (حيث تصوره موسكو بأنه ممثل هزلي تدرب وتدرج في مسارح موسكو)، وتوسيع الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا. كما أن قتل القيادة السياسية لا يضمن انهيار الدولة أو إنهاء الحرب، خصوصًا في ظل وجود مؤسسات عسكرية وأمنية ما تزال تضمن الاستخبارات الغربية تماسكها وتوفير حمايتها.
ولهذا تبدو موسكو حتى الآن أكثر ميلًا إلى استخدام الضغط العسكري المكثف على مراكز القيادة والبنية التحتية بدل الذهاب إلى عملية اغتيال مباشرة قد تحمل تداعيات سياسية خطيرة.
المحكمة الخاصة ببوتين وتحول الحرب إلى صراع قانوني
شكّل الدعم الأوروبي لإنشاء آلية قضائية خاصة لمحاكمة القيادة الروسية تطورًا بالغ الأهمية في مسار الحرب. فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل دخلت مرحلة الحرب القانونية والسياسية على الشرعية الدولية. من وجهة النظر الأوروبية، يهدف هذا المسار إلى تثبيت مبدأ المحاسبة الدولية، وتحميل القيادة الروسية مسؤولية الحرب، ومنع تكريس سياسة فرض الوقائع بالقوة.
أما من وجهة النظر الروسية، فإن هذه الخطوات تعني أن الغرب لم يعد يسعى إلى تسوية سياسية، بل إلى نزع الشرعية عن الدولة الروسية نفسها وتحويل قيادتها إلى قيادة مطاردة دوليًا.
وعلى وقع الدعوات الغربية المتزايدة لمحاكمة القيادة الروسية، أقرّ مجلس الدوما الروسي تشريعًا جديدًا ينتظر توقيع الرئيس فلاديمير بوتين، ينص على منح الدولة الروسية صلاحيات أوسع للتدخل من أجل حماية مواطنيها ومسؤوليها في أي بلد كان، والذين قد يتعرضون لأي شكل من أشكال الملاحقة أو المحاكمة أو الإجراءات التي تعتبرها موسكو ذات طابع سياسي خارج البلاد. ويعكس هذا التوجه تصاعد القناعة داخل المؤسسة الروسية بأن المواجهة مع الغرب لم تعد محصورة في البعد العسكري، بل امتدت إلى المجال القانوني والسيادي، في إطار ما تعتبره موسكو محاولة لإعادة تعريف الشرعية الدولية واستخدام أدوات القضاء والمؤسسات الدولية كجزء من الصراع الجيوسياسي المفتوح مع روسيا.
وهنا تظهر إحدى أخطر معضلات الحرب الحالية: فكلما شعر طرف نووي أن الهزيمة تعني المحاكمة أو الإقصاء الكامل، ارتفعت احتمالات التصعيد وازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية.
الغرب شريكًا مباشرًا في الحرب
مع اتساع نطاق الدعم العسكري والاستخباري الغربي لأوكرانيا، باتت الحدود الفاصلة بين “الدعم” والمشاركة المباشرة أكثر ضبابية. فالدول الأوروبية والولايات المتحدة، تعترف علنًا بتوفير معلومات استخبارية لنظام كييف، وهي وتدرب القوات الأوكرانية، وتشارك في الدعم التقني والتخطيط العملياتي، وتزود كييف بأسلحة بعيدة المدى.
ومن منظور موسكو، فإن استخدام هذه القدرات لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية يعني أن الغرب لم يعد مجرد داعم، بل أصبح شريكًا فعليًا في الحرب. وفي المقابل، يصر الغرب على أن ما يقوم به يدخل ضمن حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها وفق ميثاق الأمم المتحدة، وأنه لا يشارك بقوات قتالية مباشرة ضد روسيا.
لكن هذا الجدل يكشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبح من الصعب الفصل بين: الدعم الاستخباري، والمشاركة العملياتية، والحرب غير المباشرة.
موسكو ترد على محاكم لاهاي: الغرب شريك في الحرب ويجب أن يُحاسب
وفي المقابل، تصاعد داخل روسيا خطاب سياسي وقانوني مضاد يدعو إلى ملاحقة مسؤولين غربيين وقادة عسكريين أوروبيين وأميركيين، تتهمهم موسكو بالمشاركة غير المباشرة في استهداف الأراضي الروسية والبنية التحتية المدنية عبر الدعم الاستخباري والعسكري المقدم لكييف. وترى الأوساط الروسية الرسمية والإعلامية أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين غربيين، والتي تؤيد توسيع نطاق الضربات داخل العمق الروسي أو تشجع على استخدام الأسلحة الغربية بعيدة المدى ضد أهداف داخل روسيا، تمثل في نظر موسكو شكلًا من أشكال التحريض المباشر على الحرب وتجاوزًا لحدود الدعم الدفاعي التقليدي.
ومن هذا المنطلق، برزت داخل الدوائر السياسية والقانونية الروسية دعوات متزايدة إلى إعداد ملفات قضائية مضادة بحق شخصيات غربية، تشمل مسؤولين سياسيين وعسكريين وخبراء أمنيين يُعتقد أنهم شاركوا في التخطيط أو التوجيه أو تقديم المعلومات الاستخبارية التي استُخدمت في تنفيذ هجمات داخل الأراضي الروسية. وتعتبر موسكو أن استهداف المدن الروسية والبنية التحتية المدنية ومحطات الطاقة والمنشآت الحيوية لا يمكن فصله عن الدعم العملياتي الذي يوفره الغرب لكييف، سواء عبر الأقمار الصناعية أو أنظمة الاستطلاع أو غرف التنسيق العسكري.
كما ترى القيادة الروسية أن الحديث الغربي المتكرر عن “محاسبة روسيا” عبر محاكم دولية، بالتزامن مع استمرار الدعم العسكري الواسع لأوكرانيا، يكشف في نظرها عن ازدواجية في المعايير الدولية، إذ تتهم موسكو الغرب بتجاهل الهجمات التي تطال المدنيين الروس أو المناطق الحدودية الروسية، مقابل التركيز الحصري على تحميل روسيا مسؤولية التصعيد. ولهذا بدأت تتبلور داخل روسيا مقاربة تعتبر أن أي مسار قضائي دولي لا يشمل أيضًا المسؤولين الغربيين الداعمين للضربات ضد روسيا، سيفقد شرعيته السياسية والأخلاقية في نظر موسكو وحلفائها.
وفي هذا السياق، لا تنظر روسيا إلى المعركة القانونية باعتبارها مسألة رمزية فقط، بل كجزء من مواجهة أشمل حول من يملك حق تعريف “العدوان” و”الإرهاب” و”جرائم الحرب” داخل النظام الدولي المعاصر. ولذلك تسعى موسكو إلى بناء خطاب قانوني وسياسي مضاد يقوم على اتهام الغرب بالمشاركة الفعلية في الحرب، ومحاولة تحويل ملف المحاسبة الدولية إلى ساحة صراع متبادل بدل بقائه أداة ضغط أحادية الاتجاه ضد روسيا وحدها.
أزمة الردع النووي والخوف من الانفلات الكبير
أحد أخطر أبعاد الحرب الحالية يتمثل في اقترابها المستمر من حدود الردع النووي. فكلما تصاعد الدعم الغربي، وازدادت الضربات داخل العمق الروسي، ارتفع مستوى القلق الروسي من تحول الحرب إلى مواجهة تستهدف مكانة الدولة الروسية نفسها. وفي المقابل، يخشى الغرب من أن يؤدي أي تراجع كبير أمام روسيا إلى انهيار منظومة الردع الأوروبية وتشجيع موسكو على توسيع نفوذها العسكري مستقبلاً.
هذه المعادلة تجعل جميع الأطراف تتحرك ضمن هامش شديد الخطورة، فالتصعيد مستمر، ولكن مع تجنب الانفجار الشامل، والضربات تتزايد، لكن دون الوصول إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو.
إلا أن استمرار هذا التوازن الهش لفترة طويلة يرفع احتمال الخطأ الإستراتيجي أو سوء التقدير، وهو ما قد يقود إلى انفلات يصعب احتواؤه.
تكشف الحرب الأوكرانية اليوم عن تحولات عميقة في بنية النظام الدولي وفي مفهوم القوة والشرعية والردع. فالصراع لم يعد مجرد نزاع حدودي بين دولتين.
ومع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، وتراجع فرص التسوية السياسية، تبدو الحرب مرشحة لمزيد من الاستنزاف والتوسع غير المباشر. كما أن انتقال المواجهة إلى المجال القانوني والسياسي يهدد بتحويلها إلى صراع طويل الأمد يصعب إنهاؤه عبر الوسائل التقليدية.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال المطروح فقط من سينتصر ميدانيًا، بل أي شكل من أشكال النظام الدولي سيخرج من رحم هذه الحرب، وما إذا كان العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب والصدام المفتوح بين القوى الكبرى.
