دراما الذاكرة وتحولات تركيا في “متحف البراءة”
فاطمة حوحو
تابعتُ على منصة نتفليكس المسلسل التركي «متحف البراءة»، وهو من إنتاجات العام الحالي. مسلسل مدهش في حلقاته التسع التي اختصرت رواية الكاتب أورهان باموق، الحائز على جائزة نوبل عام 2006. وعلى الرغم من عدم الإحاطة بكل التفاصيل التي عاشها بطلا القصة (كمال وفيسون) في إسطنبول خلال نحو عقد من الزمن – وهو أمر طبيعي، إذ ليس بإمكان أي عمل سينمائي أو تلفزيوني أن يشكل بديلاً عن العمل الإبداعي الأصلي المكتوب بالحبر – فإن الكاميرا نجحت في اختصار صفحات كاملة عبر الصورة، وهو ما بدا واضحاً في اللعبة الإخراجية الناجحة في تصوير حالة الحب والهوس والحنين التي تشكل جوهر الرواية.
أعاد المخرج المشاهد إلى إسطنبول السبعينيات؛ إلى أحيائها الغنية والفقيرة، وأحداثها السياسية والاقتصادية، وحياتها الاجتماعية، وفوارق العيش بين الأغنياء والفقراء. وتجلت معاناة النساء في شخصية “فيسون” وما تعرضت له من اغتصاب وعنف وازدراء وحرمان وقمع، كما ظهرت في شخصية “سيبل”، خطيبة كمال الثرية، التي عاشت تجربة عاطفية قاسية بعدما اكتشفت خيانته، قبل أن تعيد بناء حياتها وتنجب طفلتين، فيما اندفعت فيسون إلى الكآبة بعد تعثر حلمها بأن تصبح ممثلة، إثر اتفاق زوجها المخرج السينمائي وحبيبها كمال على إغلاق أبواب الشهرة أمامها بذريعة حمايتها.
حب أم هوس بالذكرى؟
كمال لا يلاحق فيسون نفسها بقدر ما يلاحق صورة صنعها عنها في ذاكرته، وهنا تكمن المأساة؛ ففيسون الحقيقية تستمر في التغير والنمو، بينما تبقى فيسون التي يحبها كمال مجمدة في الزمن كما كانت في الأيام الأولى للعلاقة. لذلك يصبح الحب أشبه بحنين دائم إلى الماضي، أكثر منه رغبة في بناء مستقبل.
يركز المسلسل على القصة العاطفية، محاولاً التعبير عن العمق الفلسفي للرواية المرتبط بالذاكرة والأشياء والمتحف بوصفه أرشيفاً للحب والزمن. ويتفق معظم النقاد على أن الرواية أغنى بكثير من المسلسل من حيث التأملات والأفكار؛ فبينما يمنح المسلسل صورة بصرية جميلة لإسطنبول والبيئة الاجتماعية التي تدور فيها الأحداث، فإن تركيزه على العلاقة بين كمال وفيسون – رغم كونه مدخلاً جيداً للحكاية الدرامية – لم ينقل كامل ثراء الرواية.
ففي الكتاب، يتحول زر أو فستان أو عقب سيجارة إلى جزء من الذاكرة والسرد، أما في المسلسل فتظهر هذه الأشياء بصرياً من دون أن تحمل الثقل الرمزي نفسه.
الرواية التي تحولت إلى متحف
اعتُبرت رواية باموق من أكثر التجارب الأدبية فرادة في الأدب المعاصر، ليس لأنها تروي قصة حب مؤثرة فحسب، بل لأنها تجاوزت حدود الرواية التقليدية لتتحول إلى مشروع ثقافي وفني متكامل جمع بين السرد الأدبي والفضاء المتحفي، وبين الخيال والواقع، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ الاجتماعي لمدينة إسطنبول.
ينتمي البطل كمال، الذي يروي قصته، إلى عائلة برجوازية ثرية، ويرتبط بخطيبته سيبل قبل أن يقع في حب قريبته الفقيرة فيسون التي تجاوزت عامها الثامن عشر للتو. تبدأ العلاقة بينهما كقصة عشق سرية، لكنها تتحول إلى هوس عاطفي عندما تختفي الحبيبة فجأة بعد حفل خطوبته؛ عندها يكتشف أنه لم يعش مغامرة عابرة، بل تجربة حب مؤرقة تتفاقم مع عجزه عن النسيان.
ومع تعذر استعادة الحبيبة، يبدأ بتجميع كل ما يخصها: أقراطها، صورها، فناجين القهوة التي استخدمتها، أعقاب سجائرها، وقطع الملابس التي ارتدتها. وهكذا تتحول الأشياء اليومية البسيطة إلى أوعية للذاكرة وشواهد على زمن مفقود يحاول الاحتفاظ به بكل الوسائل الممكنة.
يروي كمال قصته بلهجة اعترافية شديدة الخصوصية، لكن الكاتب نفسه يظهر لاحقاً، ويتداخل صوت الراوي مع صوت المؤلف في لعبة سردية تمحو الحدود بين الكاتب والشخصية؛ فكمال يطلب من أورهان باموق أن يكتب قصته، فيصبح المؤلف جزءاً من عالم الرواية، بينما تكتسب الشخصية الخيالية مظهراً من مظاهر الواقع.
بعد صدور الرواية بأربع سنوات، افتتح باموق في حي “جوكورجوما” بمنطقة “بيوغلو” في إسطنبول متحفاً حقيقياً يحمل اسم الرواية نفسها، وضم المتحف عشرات الصناديق الزجاجية التي تحتوي على مقتنيات وصور وأشياء مرتبطة بأحداث الرواية وشخصياتها، بحيث يقابل كل فصل من فصول الرواية الثلاثة والثمانين واجهة عرض مستقلة داخل المتحف. بهذا المشروع الفريد، منح باموق شخصياته الخيالية وجوداً مادياً محسوساً، فالزائر يشاهد فستان فيسون الأحمر وأقراطها وأغراضها وكأنها كانت شخصاً عاش فعلاً في إسطنبول.
تركيا السبعينيات والثمانينيات في مرآة الرواية
تدور الأحداث بشكل أساسي بين عامي 1975 و1984، مع امتداد زمني يصل إلى الألفية الجديدة، وهي فترة مفصلية في تاريخ تركيا الحديث بين ما قبل الانفتاح الاقتصادي وما بعد انقلاب 1980 العسكري.
في السبعينيات، شهدت البلاد عنفاً سياسياً بين اليمين واليسار، واغتيالات وتفجيرات جعلت إسطنبول مدينة خوف. ثم جاء انقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980 ليشكل نقطة تحول عبر حظر التجول والرقابة والاعتقالات؛ خنق الانقلابُ الحريةَ السياسية، وانعكس ذلك على الأبطال الذين هربوا إلى عالمهم الخاص، فكمال لم يكن يتظاهر أو يمارس السياسة، بل كان يجمع الأشياء، وكأن باموق يرببت في عمله بين القمع السياسي والقمع العاطفي.
وفي الثمانينيات، خلال عهد تورغوت أوزال، بدأت الليبرالية الاقتصادية، لكن الحرية الاجتماعية ظلت محدودة، وبرز صراع الشرق والغرب والطبقية الحادة، كما ظهرت الفجوة بين عائلة كمال الأرستقراطية وعائلة فيسون المهاجرة من الأناضول. ويمكن القول إن حب كمال لفيسون كان تمرداً على هذه الفوارق الطبقية.
الشرف والطبقة والاقتصاد
أظهرت الرواية مجتمعاً كان يربط شرف العائلة بعذرية الفتاة، وهو قانون اجتماعي غير مكتوب أسهم في مأساة كمال وفيسون. كما أبرزت أن التحولات الحديثة – من التلفزيون الملون إلى السيارات الجديدة – لم تنجح في كسر سطوة التقاليد التي كانت ما تزال تتحكم في خيارات الزواج والعلاقات.
ولم يغب الواقع الاقتصادي عن الرواية؛ فالاستيراد كان محدوداً، وكانت علبة سجائر “مالبورو” أو التلفزيون الملون من السلع الفاخرة، فيما عرفت السبعينيات تضخماً وانقطاعاً للكهرباء وطوابير للبنزين. وكانت عائلة فيسون غارقة في الديون، بينما كان كمال يساعدها سراً.
إسطنبول… الشخصية الخفية
ظهرت إسطنبول نفسها بوصفها شخصية رئيسية في العمل: الضباب، والبوسفور، وترام نيشانتاشي، ومحال السجائر، والمدينة الحزينة التي تعكس حزن أبطالها وتحمل في شوارعها ذاكرة زمن كامل.
بين لوليتا ومدام بوفاري
يشير بعض النقاد إلى أن باموق كتب «متحف البراءة» بوصفها رداً شرقياً على الأدب الغربي؛ ثمة تشابه مع رواية “لوليتا” في الهوس وجمع التفاصيل والسرد غير الموثوق، لكن نابوكوف كان قاسياً وساخراً، بينما يبدو باموق أكثر حنيناً وتعاطفاً. كما يمكن ملاحظة بعض أوجه الشبه مع “مدام بوفاري” في نقد المجتمع البرجوازي والرغبة في الهروب من الواقع، إلا أن باموق أضاف روح إسطنبول وتاريخ تركيا وتحولاتها، فخرج بعمل تركي خالص.
رثاء لتركيا البريئة
الفتاة فيسون بسيطة وحالمة وقوية، لكنها ليست الملاك الذي يصوره كمال، هي امرأة عادية أرادت أن تعيش حياتها. أما كمال فقد ظل يحب «فيسون 1975» لسنوات طويلة، بينما كانت فيسون الحقيقية تكبر وتتغير، ولهذا يأتي موتها ليكسر أسطورة النهاية الرومانسية التقليدية.
«متحف البراءة» ليست قصة حب فقط، بل متحف حي لتركيا السبعينيات والثمانينيات. لقد وثق باموق كيف يصنع القمع السياسي والفقر الاقتصادي والتقاليد الاجتماعية سجوناً للأفراد؛ فكمال لم يكن سجين فيسون وحدها، بل سجين زمانه ومكانه أيضاً.
وربما لهذا السبب لا يغادر «متحف البراءة» الذاكرة بسهولة؛ فكل إنسان يحمل داخله متحفاً صغيراً من الذكريات، حتى لو لم يجمع أعقاب السجائر أو الصور القديمة، فهو يحتفظ بأشياء أخرى لا تقل قيمة: لحظة حب، أو وجه غائب، أو مدينة تركها خلفه ولم تغادره أبداً.
وفي النهاية، يبدو أن الرسالة الأعمق للعمل هي أن الإنسان لا يعيش بالذكريات وحدها، لكنه لا يستطيع العيش من دونها أيضاً. وبين الحب والغياب، وبين الواقع والحلم، يبقى “متحف البراءة” شاهداً على قدرة الذاكرة على مقاومة النسيان، ولو إلى حين.
بطاقة العمل:
المسلسل من إخراج زينب جوناي، وسيناريو إرتان كورتولان، وبطولة صلاح الدين باشالي، وأيلول كانديمير في دور فيسون.
