مراجعة تفسير التصويت وكشف خلفيات القرارات المعتمدة ونتائجها

مراجعة تفسير التصويت وكشف خلفيات القرارات المعتمدة ونتائجها

مصطفى المتوكل الساحلي

           اعتُمد نظام التصويت لأول مرة في حكم “أثينا”، وفي حقبة أخرى كان هذا “الحق” محصوراً بالرجال الأحرار واستثناء النساء والعبيد. وفي العصر الحديث (القرن 17/18)، بعد الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية وإعلان قيام دولة أمريكا، جاءت سياقات لتمثيل الشعب بطرق مختلفة لاختيار الحكام والمنتخبين باعتماد آلية التصويت برفع الأيدي ثم بالصندوق لاحقاً. ثم حدث تطور متدرج في العصر الحديث “سمح” للنساء بالتصويت، ولا زالت الديمقراطية تحتاج إلى تطوير وتقوية حتى تكون الهواء الذي يستنشقه الشعب والحكام؛ فحتى عصرنا هذا لا زالت النقائص والثغرات قائمة في منظومات الانتخابات ببعدها الحقوقي والديمقراطي، ومنها:

– تسلط زواج المال والسلطة الذي يعطل المسار الديمقراطي ويكبح تقدم الشعب وحقوقه المشروعة.

– تحديد أهلية التصويت بالمغرب في 18 سنة، ولا زال سن الترشيح في 21 سنة في الانتخابات العامة و18 سنة في الغرف المهنية، وهذا يمنع عملياً عدداً من الناخبين والناخبات من الترشح، ولعل من خلفيات ذلك تجنب السماح لهذه الفئة العمرية التي لا تؤتمن قراراتها واختياراتها لأسباب مختلفة يعلمها أصحاب “التخطيط” في صلة بالانتخابات والتمثيلية السياسية وتوجهات الرأي العام.

إن لوبي النظام العالمي الذي يضع ويعدل وفق توجهاته ومرجعياته ضوابط وقواعد وتفاسير حقوق الإنسان والبناء المجتمعي والمؤسسات التمثيلية والتشريعية وحتى العلاقات المدنية، بما يضمن للأقلية المتحكمة في النظام العالمي ممارسة التغول والضغط وحتى العنصرية، بما يحقق لهم التحكم في الدول والثروات والسياسات الداخلية والمصالح والعلاقات الاقتصادية العالمية، مع السعي الحثيث لإلزام دول العالم الثاني والثالث على التنفيذ والانضباط لمخططاتهم ومطامعهم.

فعندما يترصد المهتمون السياسات التحكمية التي تمارسها الحكومات وتحصنها، يقفون على إشكالات منها:

– وضع تشريعات لتتجاوب مع مصالح وتطلعات مكونات الطبقة البورجوازية، تنتج سياسات عمومية غير متوازنة، تدعم عن طريق أحزاب أسسوها للدفاع وحماية توجهاتهم ومصالحهم.

– إن المشرعين الذين هم دستورياً ممثلون للأمة المكونة من: طبقة الفقراء العريضة، والطبقة الوسطى المتأزمة، وطبقة البورجوازية الكبرى، تكون بعض قراراتهم مع الأقلية بالمجتمع (أي البورجوازية)، مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على الطبقتين العظيمتين.

– إن هدفهم الأساسي من الانتخابات هو تحقيق “انتزاع” وجمع الأصوات والمقاعد لتشكيل أغلبية لتحكم وتسير الحكومة بتحالفات تكون غير منسجمة أحياناً في مرجعياتها ومبادئها وسياساتها، وهذا يجعلها تملك “آليات التصويت والقرار” حيث تكون “النعم” عندهم هي عين الصواب، و”اللا” عندهم التي تعتمدها المعارضة لا يُعتد بها ولو كان الحق والعدل معها في مواقفها ومقترحاتها وتعديلاتها القانونية، ولو كانت المصلحة الوطنية العامة حاضرة عند وضع إجراء ملتمس الرقابة أو عند تشكيل لجن التقصي كآليات دستورية الغاية منها تقويم وتقوية الديمقراطية وكبح الانزلاقات والاختيارات التي تزيد الشعب خصاصاً على فقر وتضيف ثروة على الثروات، مما قد يتسبب في احتقان وغضب اجتماعي.

وفي علاقة بتصويت ممثلي الأمة بالغرفة الأولى وبالغرفة الثانية، يفترض وطنياً ودستورياً وأخلاقياً وإنسانياً حماية وخدمة الشعب وتنزيل العدالة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، ويطرح بقوة ضرورة فهم وكشف سلبيات ومكروهات التصويت الميكانيكي المصالحي اللامتوازن؛ حيث آلية التصويت تُفسر وتُفهم عند البعض على أن المصوتين بـ “لا” يؤثثون ويزينون بهم العملية والمشهد، ظانين أنهم يمارسون “لعبة” الديمقراطية لينتزعوا تزكية وشرعية لقراراتهم بحكم الأغلبية والأقلية.

إن الامتناع عن التصويت يحتاج إلى المزيد من توضيح دلالاته وآثاره السياسية حتى يشمل معناه رفض القرار جملة وتفصيلاً، مع ضرورة تفسير حيثياته.

لقد قامت الأمم المتحدة -التي تسيطر فيها أقلية من الدول التي كانت من قوى الغزو والاحتلال بالقارات الخمس- بضبط عمليات التصويت التي أطروها سياسياً بالتوافقات المصالحية التحكمية بين الأعضاء الدائمين، فوضعوا إطاراً وتفسيراً للامتناع عن التصويت ليمرروا به قراراتهم، كما جعلوا للعضو الواحد الحق بالتصويت بـ “ضد” (الفيتو) ليوقف ويبطل ويسقط أي مشروع قرار جملة وتفصيلاً أمام باقي الأعضاء المصوتين بنعم، ولو تعلق الأمر بوقف حرب جهنمية تبيد شعباً.

ومن المنطق مراجعة وتعديل ضوابط آلية التصويت المعتمدة بإضافة حق الاعتراض “الفيتو” تتقدم به المعارضة للاحتكام إلى روح الدستور وعقلانية وحكمة المشرع، لتجنب الآثار السلبية لـ “نعم” المستندة على الأغلبية العددية التي قد تلحق الأضرار بطبقة الكادحين وتزيد أوضاعهم هشاشة وقد تمس باستقرار المجتمع، حيث سيعتبر البعض التصويت بـ “لا” أمام الأغلبية بمثابة تزكية للقرار ولو كان مجحفاً.

إن صناعة الأغلبية العددية بأي طريقة للتحكم في السياسات العمومية تفسد الديمقراطية، وتعمق عدم الثقة في مكونات المؤسسات التشريعية، وتعرقل تقدم الوطن والشعب، وترفع من نسبة المقاطعة والامتناع عن المشاركة في التصويت في الانتخابات.

تارودانت: الثلاثاء 23 يونيو2026.

 

شارك هذا الموضوع

مصطفى المتوكل الساحلي

ناشط سياسي ونقابي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!