أوكرانيا في مفترق الإمبراطوريات: من “ريتش بوسبوليتا” إلى عتبة الاتحاد الأوروبي
د. زياد منصور
حظي الكومنولث البولندي-الليتواني (ريتش بوسبوليتا) بالقسم الأكبر من الأراضي الأوكرانية بعد اتحاد لوبلين عام 1569، حيث نُقلت هذه الأراضي رسمياً من ولاية ليتوانيا إلى التاج البولندي. وبعد ما يزيد على قرنين من الزمن، وتحديداً عبر التقسيمات الثلاث التي جرت في أعوام 1772 و1793 و1795، تقاسمت روسيا وبروسيا والنمسا أراضي الكومنولث، حتى اختفى فعلياً من الخريطة السياسية لأوروبا عام 1795.
أما الإمبراطورية الروسية، فقد بدأت نفوذها في أوكرانيا عبر اتفاقية بيرياسلاف (1654)، التي كانت بمثابة مبايعة من جانب قوزاق أوكرانيا (بقيادة بوغدان خميلنيتسكي) لسلطة القيصر الروسي، وإن لم تترجم فوراً إلى سيطرة كاملة، إذ اندلعت الحرب الروسية-البولندية للسيطرة على تلك الأراضي. وجاءت هدنة أندروسوفو (1667) لتكرّس تقسيم أوكرانيا على امتداد نهر الدنيبر بين موسكو وبولندا، ثم أكدت معاهدة “السلام الأبدي” (1686) هذا التقسيم، وأقرّت ببقاء كييف تحت سيطرة روسيا القيصرية.
وهكذا في عام 1569، أنشأ اتحاد لوبلين الكومنولث البولندي-الليتواني بوصفه اتحاداً بين مملكة بولندا ودوقية ليتوانيا الكبرى، ونُقل القسم الأكبر من الأراضي الأوكرانية من الولاية الليتوانية إلى السيادة البولندية. وبعد أكثر من قرنين، تقاسمت روسيا وبروسيا والنمسا أراضي الكومنولث، حتى اختفى فعلياً من الخريطة السياسية لأوروبا سنة 1795.
أما المثال التالي فهو قيصرية موسكو، ثم الإمبراطورية الروسية. فقد شكَّل اتفاق بيرياسلاف سنة 1654 اعترافاً من قوزاق أوكرانيا بسلطة القيصر الروسي، وأدّى إلى اندلاع الحرب الروسية-البولندية للسيطرة على الأراضي الأوكرانية. وفي سنة 1667 كرَّست هدنة أندروسوفو تقسيم أوكرانيا على امتداد نهر الدنيبر بين موسكو وبولندا.
لقد حصلت الإمبراطورية الروسية على أوكرانيا باعتبارها أحد أهم مواردها الإمبراطورية، لكنها انهارت سنة 1917، وفي يناير- كانون الثاني 1918 أعلن المجلس المركزي الأوكراني (الرادا المركزية) قيام دولة أوكرانية مستقلة
ومع التقسيمات البولندية المتتالية، أحكمت روسيا قبضتها على عموم أوكرانيا (عدا منطقة غاليسيا التي وقعت تحت الحكم النمساوي)، باعتبارها أحد أهم مواردها الإمبراطورية. غير أن هذه الإمبراطورية انهارت عام 1917، وكانت الحركة الوطنية الأوكرانية من أوائل الحركات التي أعلنت حقها في إقامة دولة مستقلة، حيث أُعلنت “الجمهورية الشعبية الأوكرانية” في يناير- كانون الثاني 1918. بيد أن هذه الاستقلالية قُمعت على يد البلاشفة، وأُسست “الجمهورية الأوكرانية السوفيتية الاشتراكية” عام 1922، لتصبح إحدى الجمهوريات المؤسسة للاتحاد السوفيتي إلى جانب روسيا وبيلاروسيا وما وراء القوقاز.
وظلت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفيتي بوصفها واحدة من الجمهوريات الثلاث «الشقيقة»، غير أن الاستفتاء الأوكراني الذي أُجري في الأول من ديسمبر- كانون الأول/ر 1991، والذي أيّد فيه نحو 90% من الناخبين الاستقلال، جعل إعادة بناء الاتحاد السوفيتي، حتى بصيغته المُجدَّدة، أمراً مستحيلاً. ولم تلبث اتفاقات بيلوفيجا (8 كانون الأول في غابات بيلاروسيا 1991) أن كرّست حلّ الاتحاد، وفي 25 كانون الأول 1991 أُنزل العلم السوفيتي عن مبنى الكرملين. ولم تكن أوكرانيا السبب الوحيد في انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن خروجها جعل استمرار الاتحاد بصيغته السابقة أمراً مستحيلاً.
إنها، بحق، مقبرةٌ لإمبراطورياتٍ متنوِّعة
اليوم، فالمثال المطروح هو الاتحاد الأوروبي. فقد تقدمت أوكرانيا بطلب الانضمام إليه في 28 فبراير- شباط 2022، وحصلت على صفة الدولة المرشحة في 23 يونيو- حزيران من العام نفسه، ثم عُقدت رسمياً مفاوضات الانضمام في يونيو-حزيران 2024. وفي 15 يونيو- حزيران، أنشأ الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، في لوكسمبورغ، أول مجموعة تفاوضية بعنوان «الأساسيات»، وهي أهم مراحل التفاوض، إذ تُفتتح أولاً وتُختتم أخيراً، وتشمل: النظام القضائي، والحقوق والحريات، وعمل المؤسسات الديمقراطية، والإدارة العامة، والمشتريات الحكومية، والإحصاءات، والرقابة المالية. ووصف المسؤولون في بروكسل هذه الخطوة بأنها «تاريخية». ويؤكد الاتحاد الأوروبي رسمياً أن مستقبل أوكرانيا «راسخ داخل الاتحاد الأوروبي»، وأن التوسع يمثل استثماراً استراتيجياً من أجل أوروبا أكثر قوة وأمناً.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاتحاد الأوروبي نفسه مستعداً لقبول أوكرانيا عضواً فيه. فالتصريحات السياسية والقانونية شيء، والقدرة العملية على الاستيعاب شيء آخر. ولا تكمن المشكلة في أوكرانيا وحدها، بل في الاتحاد الأوروبي نفسه. فلكي يقبل كييف عضواً، سيتعين على بروكسل إعادة النظر في ميزانية الاتحاد، والسياسة الزراعية المشتركة، وآليات اتخاذ القرار، ونظام حق النقض (الفيتو)، وقواعد مراقبة الأعضاء الجدد. وبمعنى آخر، سيكون على الاتحاد الأوروبي أن يعيد تشكيل نفسه من أجل استيعاب أوكرانيا.
أول التحديات: التمويل
يناقش الاتحاد الأوروبي حالياً الميزانية الممتدة للفترة 2028–2034، التي تُقدَّر بنحو تريليوني يورو. وتطالب الدول المساهمة الصافية بخفض الإنفاق وعدم زيادة مساهماتها المالية، بينما ترفض الدول المستفيدة خسارة الأموال المخصصة للزراعة وسياسات التنمية الإقليمية. وفي الوقت نفسه يحتاج الاتحاد إلى تمويل إضافي للدفاع، والتكنولوجيا، ومواجهة المنافسة مع الولايات المتحدة والصين، ودعم أوكرانيا، والمساهمة في إعادة إعمارها. ويجب أن تحظى هذه القرارات بإجماع الدول السبع والعشرين، وهنا تبرز أوكرانيا، التي كانت يوماً أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة، وثانية أكبرها من حيث عدد السكان.
ثاني التحديات: الزِّراعة
بعد اندلاع الحرب مباشرة، فتح الاتحاد الأوروبي سوقه أمام المنتجات الزراعية الأوكرانية، وألغى الرسوم الجمركية والحصص، لكن هذا القرار أثار احتجاجات واسعة بين المزارعين في بولندا وفرنسا ورومانيا وسلوفاكيا وغيرها، ما دفع بروكسل إلى إعادة فرض القيود والحصص. وتصدر أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي كميات ضخمة من الحبوب، والسكر، والبيض، ولحوم الدواجن، وغيرها من المنتجات. ويشكل القطاع الزراعي نحو 60% من عائدات الصادرات الأوكرانية، فيما يستوعب الاتحاد الأوروبي قرابة 60% من هذه الصادرات، بقيمة تقارب 15 مليار دولار. وقد سبق أن تناولت بالتفصيل أهم المحاصيل التصديرية التي تمنح أوكرانيا قدرة تنافسية كبيرة مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
ثالث التحديات: حق النقض (الفيتو)
يناقش الاتحاد الأوروبي حالياً إمكانية تقييد حق الأعضاء الجدد في تعطيل القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والضرائب. ويُقدَّم هذا الطرح رسمياً بوصفه وسيلة لمنع شلل عملية اتخاذ القرار، لكنه يعكس عملياً إدراكاً بأن اتحاداً يضم أكثر من ثلاثين دولة لن يستطيع العمل وفق الآليات الحالية. فإذا مُنح الأعضاء الجدد كامل الحقوق منذ البداية، فقد يتمكنون من تعطيل قرارات الاتحاد بأكمله، وإذا لم تُمنح لهم تلك الحقوق، فستصبح العضوية غير متساوية، أو ما يشبه «عضوية من الدرجة الثانية». وهنا تطرح أوكرانيا هذه الإشكالية بصورة مباشرة.
رابع التحديات: الإصلاحات داخل أوكرانيا
تعترف المفوضية الأوروبية بأن كييف تواصل التقدم نحو الانضمام رغم ظروف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تطالبها بالإسراع في إصلاحات تتعلق بسيادة القانون، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية مؤسسات مكافحة الفساد. ويشكّل ذلك تحدياً كبيراً لأوكرانيا، لأنها تخوض حرباً وتسعى في الوقت ذاته إلى الحصول على ضمانات سياسية سريعة. أما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن قبول دولة كبيرة تخوض حرباً، وتعاني تحديات مرتبطة بالفساد، وتحتاج إلى موارد مالية هائلة، يعني تغيير التوازن الداخلي للاتحاد برمته.
ومن هنا تنشأ المفارقة الأساسية: فكلما سارع الاتحاد الأوروبي إلى ضم أوكرانيا، برزت بصورة أسرع التساؤلات حول قدرته المؤسسية على الاستمرار. وكلما أجّل انضمامها، ازدادت وعوده لكييف تحوّلاً إلى التزام سياسي يصعب التراجع عنه. وبهذا المعنى، قد لا تكون أوكرانيا مجرد رقعة جغرافية تمتد في قلب أوروبا، بل جزءاً محورياً من بنية سياسية كبرى، وهو أمر تكرر أكثر من مرة في التاريخ. فالكومنولث البولندي-الليتواني لم يستطع احتواء «المسألة الأوكرانية»، والإمبراطورية الروسية لم تتمكن من حسمها، والاتحاد السوفيتي فقد مبرر استمراره بعد التصويت الأوكراني لمصلحة الاستقلال. واليوم يبرز الاتحاد الأوروبي بوصفه الحلقة التالية في هذا المسار.
وبطبيعة الحال، فإن الاتحاد الأوروبي ليس إمبراطورية بالمعنى التقليدي؛ فهو ليس سانت بطرسبورغ، ولا موسكو، ولا وارسو في القرن السادس عشر، بل اتحاد طوعي بين دول يقوم على القانون، والسوق المشتركة، والمؤسسات البيروقراطية، والتوافق. ولهذا السبب بالذات قد يكون التحدي أكثر تعقيداً. فالإمبراطوريات القديمة انهارت بفعل الثورات والحروب والانتفاضات، أما الاتحاد الأوروبي فقد يواجه أزماته من خلال مفاوضات لا تنتهي، وصراعات حول الميزانية، واحتجاجات المزارعين، والخلافات بشأن حق النقض، وتراكم الخلافات، والعجز عن اتخاذ القرار. وليس من الضروري أن تكون أوكرانيا سبباً في تفكك الاتحاد الأوروبي، لكنها تدفعه بالفعل إلى الاختيار بين احتمالين، وكلاهما صعب: إما قبول أوكرانيا، بما يستلزم تغيير طبيعة الاتحاد الأوروبي كما هو اليوم؛ وإما رفض انضمامها، بما يعني الإقرار بأن الوعود المتعلقة بـ«المستقبل الأوروبي لأوكرانيا» لم تكن سوى وعود سياسية يصعب الوفاء بها. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن البنية التقليدية للاتحاد الأوروبي لن تبقى على حالها.
الخلاصة الجوهرية: أوكرانيا “محك التحولات” وليس مجرد “مقبرة إمبراطوريات”
إن الاستخلاص الأهم من هذا السرد التاريخي والتحليل الآني هو أن أوكرانيا لم تكن مجرد ضحية للإمبراطوريات المتعاقبة، بل كانت المرآة التي يكشف فيها كل كيان سياسي عن حدوده القصوى وعن قدرته الحقيقية على التوسع والاستمرار.
فالتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات التي حكمت أوكرانيا (البولندية-الليتوانية، والقيصرية، والسوفييتية) لم تسقط بسبب أوكرانيا وحدها، لكن المسألة الأوكرانية كانت دائماً العامل الفارق الذي عجّل بزوالها أو غيّر مسارها؛ فالكومنولث انهار عسكرياً وسياسياً عاجزاً عن احتواء ثورات القوزاق، والقيصرية تلقت ضربة قاضية حين استعادت أوكرانيا وعيها الوطني في 1917، والاتحاد السوفييتي فقد شرعيته الوجودية لحظة فضّ القوميون الأوكران غزل “الأخوة السلافية” باستفتائهم عام 1991.
أما اليوم، فإن جوهر المفارقة التاريخية يتمثل في الآتي: الاتحاد الأوروبي ليس إمبراطورية تقليدية، لكن اختبار أوكرانيا سيكون أكثر إرباكاً له من تلك الإمبراطوريات القديمة. فالإمبراطوريات كانت تُدار بقبضة عسكرية ومركزية، فكان مصيرها الانهيار المفاجئ. أما الاتحاد الأوروبي، فهو كيان هشّ بآلياته التوافقية البيروقراطية، وبالتالي فإن مواجهته مع “الثقل الأوكراني” (جغرافياً وسكانياً وزراعياً واقتصادياً) لن تؤدي إلى انهيار دراماتيكي، بل إلى معضلة وجودية بطيئة:
فإما أن يُعيد الاتحاد تشكيل نفسه من الداخل (بتغيير قواعد الميزانية والفيتو والسياسات) ليصبح كياناً مختلفاً تماماً عن اتحاده الطوعي الأصلي، وإما أن يفقد مصداقيته السياسية بشكل تدريجي إذا ثبت أن وعوده لـ”أوروبا الموحدة” لا تتسع لدولة بحجم أوكرانيا في حالة حرب.
