الدورة 20 لمهرجان “ثويزة”.. عقدان من مساجلة الفكر والانتصار للإنسان

الدورة 20 لمهرجان “ثويزة”.. عقدان من مساجلة الفكر والانتصار للإنسان

طنجة – خاص

       بين 23 و26 يوليوز 2026، احتضنت مدينة طنجة فعاليات الدورة العشرين لمهرجان “ثويزة”، الذي تنظمه مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية. دورة توجت محطة رمزية فارقة في مسار تظاهرة ثقافية استثنائية راكمت تجاربها على امتداد عقدين، ليختار لها المنظمون هذا العام شعارا لافتا ومثيرا للجدل: “دفاعا عن الحب، في مواجهة الكراهية”.

المتأمل في مسيرة المهرجان يلمس تحولا سلسا في مرجعيات شعاراته، فبعدما انشغلت دوراته الأولى بالمطلب الهوياتي واللغوي الأمازيغي بشكل مباشر، انزاح هذا الانشغال هادئا نحو أفق أرحب وأكثر انفتاحا على الفكر العربي والعالمي. وتتضح هذه الدينامية في عناوين دورات سابقة، بدءا من “الأرض هويتنا” (2008)، و”المقاومة عبر الثقافة” (2013)، و”الثقافة إكسير الحياة” (2015)، مرورا بـ “في الحاجة إلى المثقف” (2017)، و”تحول القيم في العصر الرقمي” (2019)، وصولا إلى “نحو الغد الذي يسمى الإنسان” (2025).

رافق هذا الانفتاح المفهومي تقليد ثابت أرساه المهرجان، يعتمد استقطاب قامات فكرية وأدبية بارزة. فقد استضاف عبر تاريخه أسماء من قبيل: صادق جلال العظم، أدونيس، نوال السعداوي، يوسف زيدان، إبراهيم نصر الله، برهان غليون، وخزعل الماجدي. ومن المغارب حضر الطاهر لبيب، يوسف الصديق، هالة وردي، أمين الزاوي، واسيني الأعرج، محمد أركون، وإبراهيم الكوني وغيرهم.

هذا التعدد الفكري منح المهرجان إشعاعا عابرا للحدود، محصنا إياه من الانغلاق داخل خصوصية ضيقة، ومقدما نموذجا يتجاوز الانطباع الأولي الذي قد يوحيه اسمه أو رمزيته المكتوبة بتيفناغ إلى جانب العربية. إذ انتقل خطابه تدريجيا من التمركز حول الجذور الحضارية إلى الانشغال بقضايا المواطنة والتعايش والمستقبل الإنساني المشترك.

غير أن المقارنة بين البرامج الحالية والدورات السابقة تكشف عن تقليص ملموس في المدة الزمنية للمهرجان، مع تراجع ملحوظ للفقرات الفنية والموسيقية لحساب تركيز شبه كلي على الندوات الفكرية واللقاءات الأدبية ومعارض الكتاب.

طرح شعار هذه الدورة: “دفاعا عن الحب، في مواجهة الكراهية”.. تساؤلا مركزيا حول نجاعة مواجهة الاستقطاب والتعصب عبر إشاعة ثقافة الحب وتعزيز سيادة رقمية تروم الحد من تأثير الخوارزميات المثيرة للانقسام.

وهو شعار يستدعي قراءة نقدية، إذ قد يبدو للوهلة الأولى مفهوما رومانسيا يلامس العفوية. فالحب كقوة وجودية في الكيان الإنساني لا يحتاج بحد ذاته لمن يدافع عنه بقدر ما هو سلاح في وجه الفناء، وافتراض الحاجة للحماية قد يجرّ المفهوم إلى موضع ضعف. وفي المقابل تظل الكراهية طارئا شبيها بالعدوى الفيروسية التي تتطلب مجابهة واستئصالا عقلانيا.

***

توزعت الفعاليات الفكرية للدورة على خمس ندوات رئيسية ناقشت قضايا الراهن بكثير من العمق:

محور الندوة القضايا والرهانات المطروحة: دفاعا عن الحب في مواجهة الكراهية: تفكيك تصاعد العنف وخطاب الكراهية بمدفوعية الأزمات الاقتصادية والشعبوية واستغلال منصات التواصل للاستقطاب، مع التأكيد على أدوار التربية والإعلام والفكر النقدي.

من الاعتراف إلى التفعيل: الأمازيغية ومواجهة الكراهية  مناقشة آليات التنزيل الميداني للأمازيغية في المؤسسات والفضاء العام لضمان العدالة اللغوية. وشهدت الندوة إطلاق “نداء طنجة” للمطالبة بالإسراع بتنفيذ القانون التنظيمي وإدماج الأمازيغية في الإدارة والتعليم والقضاء والصحة. شارك فيها: يوسف بوكبوط، محمد الشامي، أحمد عصيد، زين العابدين اوراغ، عبد الهادي واك، عائشة بيكليمن، حسن اوراغ، الجراوي محسن.

الحب والكراهية في زمن الرقمنة: بحث تحول العواطف البشرية في ظل اقتصاد الانتباه وسلطة الخوارزميات، ومناقشة دور الفلسفة في استعادة زمن البطء واللقاء الحقيقي تحصينا للكرامة العاطفية في عصر الذكاء الاصطناعي.

فلسطين: مفارقة الحب والكراهية: بمشاركة الأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، تناولت كيف تجسد القضية الفلسطينية الصراع بين حب الحياة والأرض كفعل مقاومة، في مواجهة سياسات الاحتلال القائمة على التجريد من الإنسانية.

المغرب في مرآة الاكتشافات الأركيولوجية: تسليط الضوء على مكتشفات أثرية وجينية حديثة، تثبت الاستمرارية السكانية والدور المحوري للمغرب في الحضارة الإنسانية منذ ما قبل التاريخ.

 الكتابات الشبابية وحضور النخبة الأكاديمية

أفرد المهرجان مساحة خاصة لـ “الملتقى السنوي للكتابات الشبابية”، بمشاركة أسماء واعدة: التوفيق فتح، محمد المودن، غسان الكشوري،  محمد أزناكي، إيمان ايت بابا، مريم عصيد،  سعيد أعبو، جواد العوالي وعثمان شليخ..

ورافق الملتقى لحظة تكريم للشاعرة المغربية وفاء العمراني، احتفاء بتجربتها الشعرية المغايرة التي جعلت من القصيدة فعل مقاومة وانتصارا للحياة.

وقد اغتنت نتاجات الدورة بحضور نخبة أكاديمية وسياسية، تقدمتهم نجاة بلقاسم (الوزيرة الفرنسية السابقة)، والسوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب، ومداخلة عن بعد للمفكر الكندي ألان دونو (صاحب كتاب “نظام التفاهة”)، إلى جانب الباحثين محمد الدكالي، صلاح الوديع، إدريس لكريني، سعيد بنيس، وسعيد ناشيد، ومحمد عبد الوهاب رفيقي، واللبنانية غيدا خليفة.

ولم يكن لهذه الندوات أن تحقق زخمها لولا الإدارة الاقتدارية لمنسقي الجلسات، حيث لعب منشطوها، وفي مقدمتهم الشاعر والإعلامي عبد اللطيف بنيحيى، وجمال بودومة، ومخلص الصغير، ومنال الأخضري، ومحمد علو … دورا مفصليا في توجيه النقاشات وضبط إيقاع الحوار بكفاءة عالية، مما منح المداخلات أفقا أكثر عمقا وأسهم في إنجاح هذه المحطة الاستثنائية.

 تبقى الإشارة إلى أن مهرجان “ثويزة” اعتاد في مختلف دوراته السابقة الاحتفاء بالروائي الكبير محمد شكري، الذي خلّد طنجة في أدبه العالمي، غير أن دورة هذا العام آثرت الانزياح نحو قامة طنجاوية تاريخية أخرى تتمثل في الرحالة الشهير ابن بطوطة. ورغم عدم تخصيص ندوة فكرية مستقلة لشخصيته، فإن أروقة متحف القصبة احتضنت معرضا وثائقيا استعاد سيرته ومغامراته عبر القارات.

هكذا يترجل المهرجان مؤقتا عن طائرة صاحب “الخبز الحافي”، ليمتطي بواخر صاحب “تحفة النظار في غرائب الأمصار”، مراهنا على آفاق أرحب ستكشف عنها، لا محالة، القادم من دورات هذا المحفل الفكري والجمالي.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!