بحوثُ الإعلام الثقافي في المغرب والحاجة لقاعدة بيانات وطنية
المصطفى اجْماهْري
يواجه البحث الأكاديمي المغربي في تخصص الإعلام والصحافة الثقافية تحدياً مزدوجاً يعيق تطوره البنيوي، ويتمثل أولاً في الشح الملحوظ للإنتاج العلمي والدراسات الميدانية المتخصصة مقارنة بالحقول المعرفية الأخرى، مما يترك ثغرات معرفية واسعة في فهم السياسات التحريرية وآليات صناعة المحتوى الثقافي. ويتفاقم هذا الإشكال بسبب غياب أرضية رقمية موحدة وقاعدة بيانات وطنية تجمع وتؤرشف رسائل الماستر وأطروحات الدكتوراه في مختلف الجامعات المغربية. هذا الوضع التوثيقي المشتّت يضع الباحثين أمام عقبة التكرار غير المقصود للمواضيع، ويحرمهم من إمكانية التراكم المعرفي والتأسيس على ما أنجزه السابقون لتطوير مناهج نقدية جديدة.
وتكمن القيمة المضافة الحقيقية لأي مشروع بحثي جديد في قدرة الباحث على تحويل هذه الفجوة التوثيقية إلى فرصة للمبادرة والابتكار، وذلك عبر توظيف مقاربات علمية حديثة تتجاوز الوصف التقليدي إلى التحليل المعمق. إن رصد واقع الممارسة الإعلامية الثقافية اليوم يتطلب الانفتاح على التحولات الرقمية السريعة وسوسيولوجيا الجمهور الافتراضي، ودراسة كيف تعيد صناعة المحتوى الثقافي الرقمي تشكيل الوعي الجمعي بالمغرب. ومن ثمّ، فإن بناء أطروحة أكاديمية متماسكة يمر حتماً عبر التنقيب الميداني في مكتبات الكليات والمعاهد المتخصصة لاستقراء المتوفر.
إن غياب التنسيق المؤسساتي وبقاء البحوث الجامعية في مجال الإعلام الثقافي مرتهنةً برصيد المكتبات المحلية والرفوف المغلقة، يحرم البحث العلمي بالمغرب من ميزة التراكم المعرفي ويفرز ظاهرة الهدر الأكاديمي. هذا الوضع التوثيقي المتأزم يجعل الباحثين الجدد ينطلقون من نفس البداية الافتراضية وكأن الحقل المعرفي يولد مع كل أطروحة جديدة، في حين أن الواقع يؤكد وجود دراسات – وإن كانت قليلة ومتفرقة – تلمّست هذا الدرب علمياً منذ رسالة دبلوم الدراسات العليا التي أنجزتُها سنة 1993 في موضوع “الصحافة الثقافية في المغرب” -كأول عمل جامعي مغربي في الموضوع- وصولاً إلى أطروحة أسامة باجي “الإعلام الثقافي في المغرب: حدود التأثير ورهانات التغيير” المقدّمة هذه السنة، 2026، بكلية آداب وجدة.
إن انعدام أرضية رقمية موحدة أو مكتبة مركزية متخصصة في علوم الإعلام والاتصال على الصعيد الوطني يكرس هذه القطيعة المعرفية، مما يمنع الباحث من الإحاطة بما أُنجز قبله، ويجعل الأبحاث تدور في فلك الرصد التقليدي دون تحقيق قفزات نوعية في التحليل والتنظير.
وما يزكي عمق هذه الأزمة المنهجية، أنه بالاطلاع الفاحص على هوامش وقوائم مراجع العديد من الأطاريح المناقشة، نجدها تغفل تماماً الإشارة إلى ما أُنجز قبلاً في السياق المغربي. إذ غالبا لا ينطلق الباحث من التراكمات الوطنية السابقة، ولا نعثر له على استشهادات أو إحالات علمية تحاور تلك المتون المنجزة في بيئته المحلية. هذا الغياب التوثيقي يجعل التكوين الأكاديمي ناقصاً ومبتوراً في هذا الموضوع، والحال أنه ينبغي على الجامعات ومسالك التكوين إدراج حصص ومجزوءات نظامية مخصصة حصراً لتدارس “الدراسات السابقة”، ليتلقى عبرها الطلبة الباحثون في الإعلام الثقافي جَرْداً وفحصاً نقدياً للأبحاث الجامعية الوطنية التي صيغت من مستوى الدكتوراه، أو دبلوم الدراسات العليا في النظام السابق، صوناً للأمانة المعرفية وضماناً لعمق الأطروحات الجديدة.
وأمام هذا التحدي البنيوي، تكتسي المقاربة المنهجية التي طالما نادى بها الدكتور زكي الجابر (الأستاذ السابق بالمعهد العالي للصحافة) راهنية قصوى لإصلاح مسارات البحث الجامعي في هذا الحقل، إذ يغدو لزاماً على الطالب الباحث تقديم بيبليوغرافيا مفصلة وسرد لائحة الدراسات السابقة التي قاربت موضوع الإعلام الثقافي كجزء لا يتجزأ من عتبات بحثه الأساسية. إن مجرد وعي الباحث بوجود هذه التراكمات وسرد عناوينها وسياقاتها – حتى في حال استحال عليه الاطلاع على متونها كاملة بسبب عوائق التوثيق والرقمنة – يُعد من صميم الأمانة العلمية وأولويات البحث الأكاديمي الرصين. فهذه الخطوة هي الوحيدة الكفيلة بإنهاء قطيعة “البدء من الصفر”، وتتيح للجامعة المغربية تتبع خريطة تطور الخطاب الصحفي الثقافي، مما يضمن في نهاية المطاف صياغة إشكاليات بحثية جديدة تقدم قيمة مضافة حقيقية للمشهد الثقافي والإعلامي.
وقد أضحى هذا التنسيق ضرورة ملحة، خاصة بعد الطفرة النوعية التي شهدتها الجامعة المغربية المتمثلة في فتح مسالك ماستر وتكوينات متخصصة في حقل الإعلام الثقافي والصحافة بصفة عامة في عدد من الكليات عبر المملكة، ومنها مسالك الدراسات الإعلامية بـكليات الآداب بالجديدة والقنيطرة وبني ملال والدار البيضاء وغيرها إضافة إلى التكوينات المفتوحة بـكلية الآداب بوجدة وشعب أخرى متقاطعة مع هذه الحقول المعرفية. وينضاف إلى هذه الدينامية الأكاديمية ما ينجز من بحوث ودراسات في الحاضنة التاريخية للتخصص بالمغرب، ونعني بها المعهد العالي للصحافة بالرباط سابقاً، والذي أصبح يحمل اسم المعهد العالي للإعلام والاتصال.
إن هذا التعدد الملحوظ في بؤر التكوين، وتوزيعها الجغرافي بين المعاهد المتخصصة ومختلف الكليات، يفرض أكثر من أي وقت مضى إرساء قنوات تنسيق مؤسساتي وبناء شبكة رقمية موحدة تجمع هذا الشتات البحثي. وبدون هذه الأرضية التوثيقية المشتركة، ستبقى الجهود العلمية المبذولة داخل هذه الماسترات المتنوعة ومختبرات المعهد العالي للإعلام والاتصال جزراً معزولة يعيد بعضها إنتاج ما استهلكه البعض الآخر. إن الانتقال الفعلي من مرحلة التدريس الإقليمي المنفصل إلى مرحلة “الإنتاج العلمي التراكمي” يقتضي إتاحة وتبادل هذه المتون الأكاديمية، لتمكين الطلاب الباحثين من جرد بيبليوغرافي دقيق كما كان ينصح بذلك الدكتور زكي الجابر، مما يضمن في النهاية تأسيس خطاب إعلامي ثقافي مغربي رصين يستوعب الماضي ويبني عليه المستقبل.
