عن الحظ وقسوة الحلم الضائع
رضا الأعرجي
أمضى عشرات الآلاف من الشباب المغاربة بضع ساعات في سبتة، المدينة المغربية التي تحتلها إسبانيا منذ نحو 400 عام ، معتقدين أن باب أوروبا قد فُتح أمامهم. لكن عودتهم، منهكين أظهرت مدى قسوة الحلم حين يتكسر على صخرة الواقع.
استمر حلمهم يوماً أو يومين، ولبعضهم ثلاثة أيام. مدة كافية ليصدقوا أنهم عبروا إلى أوروبا. ثم جاء وقت العودة.
سبتة الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، هي إحدى بوابتي الاتحاد الأوروبي البريتين إلى القارة الأفريقية. عبر عشرات الآلاف من الأشخاص حدودها في غضون 48 ساعة. كان معظمهم من الشباب المغاربة، وكثير منهم مراهقون. سبح بعضهم، ودخل آخرون وسط فوضى العبور، بينما انقاد آخرون ببساطة لحركة حشد ظنّ للحظات أن البوابة قد فُتحت.
لم تكن مسيرة منظمة. لم تكن هجرة بالمعنى الدقيق للكلمة. بل كانت شيئاً أقرب إلى عمل سريالي: شائعة تحولت إلى فيديو، وفيديو تحول إلى توقع، وتوقع تحول إلى حشد، وحشد ارتطم ببحر، وسياج، وجيش.
بحسب بيانات مغربية وإسبانية، دخل نحو 50 ألف شخص إلى سبتة منذ الخميس 30 يوليو/ تموز. وقدّر حاكم المدينة ذات الحكم الذاتي العدد بنحو 60 ألف شخص، أي ما يقارب 70 في المئة من سكان سبتة. وبحلول مساء الجمعة، عاد أكثر من 48 ألف شخص إلى المغرب.
كانت صورة العودة صامتة تقريباً. تحت شمس حارقة، سار شبان يرتدون ملابس السباحة، يحملون مناشف على أكتافهم، أقدامهم حافية وجوارب بعضهم سوداء من الإسفلت، نحو البوابة التي لم تكن هذه المرة تؤدي إلى أوروبا، بل إلى العودة. لم يركضوا، ولم يصرخوا، ولم يحتجوا. ابتسم بعضهم في حرج. ونظر آخرون إلى الأمام بلا تعبير، كما لو أن الجسد استمر في الحركة بعد أن انتهى الحلم.
لم يجدوا في سبتة ما كانوا يتصورونه. فقد اعتقدوا أن المنظمات ستساعدهم، وأنهم سيتمكنون من تناول الطعام والنوم، وربما العبور إلى البر الإسباني. لكنهم وجدوا بدلاً من ذلك الشرطة والجنود والمتاجر المغلقة، وأناساً يرفضون خدمتهم، عدا الإرهاق والجوع. وحول الميناء، حيث تغادر السفن إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، كانت السلطات تدفعهم نحو الحدود.
هذا هو الجزء الأصعب من القصة: لبضع ساعات، كانت أوروبا أمامهم حرفياً، لكنها ظلت بعيدة المنال. لم تعد مجرد صورة على هاتف محمول، أو دولة على تطبيق تيك توك، أو وعداً بالعمل والكرامة والنجاة. بل أصبحت طريقاً، وميناءً، وجندياً، وسياجاً، ومتجراً مغلقاً، ورصيفاً خالياً، وباباً لا يُفتح إلا في اتجاه العودة.
يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت في تسريع هذه الحركة الجماهيرية. فقد أظهرت مقاطع فيديو على إنستغرام وتيك توك أشخاصاً يعبرون الحدود وهم يقولون: “لقد فُتح الباب”. بالنسبة لجيل يعيش بين الصورة الرقمية لأوروبا والاختناق الاجتماعي للحياة اليومية، كان ذلك كافياً. ترك شباب من الدار البيضاء وفاس ومناطق أخرى وظائفهم ومنازلهم وأحياءهم، وتشاركوا وسائل النقل، وتجنبوا نقاط التفتيش، ووصلوا إلى الفنيدق، المدينة المقابلة لسبتة، وجرّبوا حظوظهم.
تتردد كلمة “الحظ” مراراً وتكراراً في هذه القصص. ليس بمعنى خفة الحظ، بل بمعنى يأس أولئك الذين يشعرون بأن لا شيء يسير وفقاً للخطة. قد يحصل شاب على وظيفة، لكن دون مأوى. قد يحصل على راتب، لكن دون مستقبل. قد يكون لديه عائلة، لكنه لا يستطيع إعالتها. قد يحب وطنه، لكنه يشعر أنه لا مفر منه.
كان بائع زجاج يبلغ من العمر 25 عاماً يكسب حوالي 8000 درهم شهرياً، وهو مبلغ يزيد قليلاً عن متوسط راتب الحد الأدنى للأجور. لكن هذا المبلغ لم يكن كافياً لاستئجار منزل وترك عائلته. تحدث عن وضع لا يتيح له فرصاً للتقدم، وعن دولة تعد بالتقدم لكنها تترك شبابها ينتظرون.
يشهد المغرب نمواُ ملحوظاً، ويستعد لكأس العالم 2030، ويعكس صورة بلد نامٍ. لكن بالنسبة للعديد من الشباب، لا يصل هذا التقدم إلى ضمان حياة مستقرة ومستقبل واعد.
التناقض صارخٌ تقريباً. فمن جهة، بلدٌ يسعى للظهور بمظهرٍ عصريٍّ وعالميٍّ، مُستعدٍّ لاستقبال العالم. ومن جهةٍ أخرى، شبابٌ يرون في هذا الاحتفال شيئاً لا يعنيهم. ليس لأنهم لا يرغبون بالانتماء إلى وطنهم، بل لأنهم يشعرون أن التنمية مجرد أرقام بينما الاختناق كيانٌ حيّ.
لهذا السبب، لا تُعدّ سبتة مجرد نقطة جغرافية، بل هي أشبه بخيال. قطعة صغيرة من أوروبا على الساحل الأفريقي، قريبة لدرجة أنها تبدو في متناول اليد، ومنغلقة لدرجة أنها تُثير اليأس. العنف هنا ليس عنف الحدود فحسب، بل هو أيضاً عنف الوعود: ثقافة تُروّج لصورتها باستمرار، لكنها لا تسمح للجميع بالدخول إليها.
أوروبا، بالنسبة لهؤلاء الشباب، ليست مجرد فكرة. إنها راتب. إنها علاج لأب مريض. إنها إمكانية إرسال المال إلى العائلة. إنها سيارة حديثة وشقة محتملة إنها ليست مجرد العيش في غرفة واحدة مع إخوتهم إلى الأبد. إنها القدرة على القول إن شيئاً ما قد بدأ. وهذا ما يجعل الرفض أشد وطأة. ليس الشخص وحده من يُرفض على الحدود، بل الصورة الكاملة التي سُمح له بتخيلها تُرفض.
وصل بعضهم إلى سبتة، فوجدوا عداءً ليس فقط من السلطات، بل من سكان المدينة أنفسهم. كانت هناك أصوات تطالبهم بالرحيل، وشباب ينظرون إليهم كتهديد. سبتة مدينةٌ زاخرةٌ بالتناقضات: إسبانية وأفريقية، أوروبية ومغربية، حدودية ووطنية، حياة يومية معزولة. بالنسبة لمن وُلدوا فيها، كان وصول عشرات الآلاف من الناس في غضون ساعات قليلة بمثابة صدمة. أما بالنسبة للوافدين الجدد، فكان رفضهم من قِبل أناسٍ كانوا أقرب إليهم مما تخيلوا ضربةً أخرى قاسية.
لكن كانت هناك أيضاً قصص لا يمكن وصفها بسهولة بـ “أزمة”. شاب يبلغ من العمر 26 عاماً لديه زوجة وطفل صغير في سبتة، على بُعد دقائق سيراً على الأقدام من الحدود. كان يسكن في الفنيدق، على مقربة منهم، لكن في بلد آخر، تحت نظام مختلف، خلف خط لا يمكن تجاوزه لأسباب عائلية. تقدم بطلب للحصول على تأشيرة أربع مرات، ورُفضت جميع طلباته. عندما اتصلت به زوجته وطلبت منه المجيء، وافق. بالنسبة له، لم تكن الفوضى مجرد حلم غامض عن أوروبا. كانت تلك الليلة الأولى التي ينام فيها في منزل عائلته.
آخرون لم تكن لديهم وجهة محددة، بل مجرد اتجاه. وصل شاب من فاس، يبلغ من العمر 18 عاماً، على عجلٍ شديدٍ لدرجة أنه لم يجد وقتاً حتى لتغيير ملابسه. كان لا يزال يرتدي قميصه الأبيض وسرواله الأسود اللذين كان يرتديهما في عمله كنادل. كان قد استقال ويريد أن يجد عملاً لمساعدة والده المريض. وكان هناك أيضاً أناس من دول أفريقية أخرى، شخصيات تظهر من الماء ليلاً، ترتجف، تكاد تختفي وسط الضجيج الذي كان يعصف بهم.
في غضون ذلك، على الجانب الآخر، في الفنيدق، استمر الترحال. كانت المدينة تحاول استعادة طبيعتها العادية، لكن الشرطة كانت منتشرة في كل مكان: على الشاطئ، فوق التلال، بين الطرق والممرات، وفي البحر. لم يكن الشباب العائدون يعرفون إلى أين يذهبون. كثير منهم لم يكن لديهم هواتف أو نقود أو أحذية. كانوا ينامون تحت أشجار النخيل أو على الرصيف. بعضهم كان ينتظر أقاربه. وآخرون كانوا يستقلون السيارات. وكان هناك مجموعات تقف بلا هدف، كما لو أن إحساسها الطبيعي بالوقت لم يعد إليها بعد.
أقامت إسبانيا حاجزاً عائماً يمتد لمئات الأمتار في البحر. قطعة حدودية أخرى على الماء. حاجز برتقالي يقسم الأفق إلى نصفين، كاشفاً ما كان يُخفى عادةً وراء كلمات مثل “الأمن” و”الإدارة” و”التدفقات”. البحر، الذي كان ممراً، يعود ليصبح سياجاً من جديد.
وقفت الأمهات أمام بوابة العودة، يحدقن في كل وجه يمر. يسألن الصبية إن كانوا قد رأوا أبناءهم، ويعرضن صوراً على هواتفهن. لم يكن ألمهن تحليلاً سياسياً، بل كان شيئاً أعمق من ذلك: انتظار لا يُعرف إن كان سينتهي بعناق أم ببكاء.
كانت أم تنتظر ابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، والتي غادرت مع ابنة عمها دون أن تنبس ببنت شفة. قضت الأم ليلتها قرب مدخل المدينة، برفقة عائلات وشباب آخرين ما زالوا يحاولون الوصول إلى سبتة. عندما ظهرت ابنتها أخيراً عند بوابة العودة، احتضنتها الأم بشدة وكأنها تحاول إعادتها ليس فقط إلى جسدها، بل إلى العالم الذي انفتح وأُغلق فجأةً لمدة يومين.
عندما سُئلت الفتاة عن سبب مغادرتها، لم يكن لديها تفسير. قالت: “عقلي في حالة سكون”. ربما تكون هذه العبارة الأدق لوصف ما حدث. ليس فقط بالنسبة لها، بل لجيل يعيش مع وفرة من الصور وقلة من المخارج، مع فيديوهات تعد بالخلاص وحدود تعيد الجسد إلى مكانه، مع أحلام كبيرة لدرجة أنها تصبح خطيرة.
هذا هو عبء سبتة. إنها ليست مجرد حدود، بل مسرح. فمن جهة، يُمثل الغرب صورةً للحياة الطبيعية، والاستهلاك، والعمل، والحقوق، والخلاص. ومن جهة أخرى، أناسٌ اعتادوا رؤية هذه الصورة يومياً، لكنهم لم يدخلوها.
لا تمارس الحضارة الغربية العنف فقط عند بناء الأسوار، بل تمارسه أيضاً عندما تجعل من نفسها حلماً عالمياً، تاركةً الوصول إلى هذا الحلم مشروطاً بالجيش، والأوراق الرسمية، والتأشيرات، والبحر، والحظ.
إن الصورة التي تبقى ليست مجرد صورة لأزمة هجرة، بل هي صورة جيل حاول، لبضع ساعات، أن يعيش في الحلم الذي رُوِّج له، ثم عاد بجسد منهك، وأقدام غلفها الإسفلت بالسواد، وإدراك أن أوروبا قد تكون بعيدة جداً لدرجة أنك لا تستطيع رؤيتها، وقريبة جداً لدرجة أنها قد تسحقك.
