ما بعد سبتة: أين يمكن بناء حياة؟

ما بعد سبتة: أين يمكن بناء حياة؟

احساين إلحيان

ترجمة: نيهاد القزوي

        في الثلاثين من شهر يوليوز من كل عام، يخلد المغرب ذكرى عيد العرش، فما إن يفرغ الملك محمد السادس من إلقاء خطابه السنوي، حتى تتراءى للعيان معالم تحولات تنموية بارزة: بدءا من قطار “البراق”، أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، مرورا بمركبات الشحن الضخمة في ميناء “طنجة المتوسط” الذي يعد من أبرز الأقطاب البحرية في حوض المتوسط، وصولا إلى محطات الطاقة الشمسية الممتدة على مشارف الصحراء بورزازات، وشبكة الطرق السيّارة الحديثة التي ربطت بين مختلف المناطق متجاوزة عناء المسالك الجبلية الوعرة. ويضاف إلى ذلك القطاع الصناعي الواعد الموجه لتصدير السيارات نحو الأسواق الأوروبية، فضلا عن الأوراش الكبرى المتواصلة استعداداً لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030 تنظيما مشتركا بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

ولا تقتصر هذه المشاهد على إبراز المنجزات الوطنية فحسب، وإنما تعكس مسارا تنمويا يطمح إلى استشراف مستقبل البلاد وتعزيز الثقة في إمكانيات بنائه محليا، فقد شهدت الفترة الممتدة خلال ربع القرن الأخير استثمارات واسعة النطاق في قطاعات البنى التحتية والتعليم العالي والطاقات المتجددة والصناعة والشراكات الإقليمية، مما أحدث تحولات بنيوية ملحوظة في المشهد التنموي المغربي خلال جيل واحد. غير أن المثير للانتباه هو أنه لم تمضِ سوى أيام قليلة على هذه الاحتفالات، حتى برزت صورة مغايرة تماما تعكس وجها آخر للواقع المحلي.

فقد اكتظت الشاشات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي بمشاهد قادمة من الساحل الشمالي للمملكة، فبالقرب من جيب سبتة الخاضع لسيادة إسبانيا ، تجمع الآلاف  يحدوهم الأمل في بلوغ الضفة الأوروبية. منهم من سار نحو الشاطئ حاملا حقائب ظهر خفيفة، ومنهم من رابض ساعات طويلة على وقع شائعات تتطاير باحتمال فتح الحدود أو سماح السلطات الإسبانية بالعبور. تقاطرت أسر بصحبة أطفالها، وطلاب وقفوا جنبا إلى جنب مع عمال مهرة.. وتزاحمت على الشواطئ سيارات الإسعاف وقوات الأمن والصحفيون وأقارب يعتصرهم القلق.

على مدار أيام عدة، طغت مشاهد سبتة على بهجة عيد العرش،إذ طالما شكل هذا الثغر محطة عبور رئيسية للمهاجرين الوافدين من إفريقيا جنوب الصحراء فضلا عن مناطق أخرى من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. غير أن ما استرعى انتباهي في تلك اللحظة بالذات هو ما كشفت عنه من مفارقة تعكس واقع البلاد : فكيف لبلد يحتفي بواحدة من أكثر مراحله التاريخية المعاصرة عمقا في التحول، أن يشهد في الآن ذاته  محاولة عارمة وعفوية للرحيل بهذا الحجم؟

وعلى إثر ذلك توالت التفسيرات تباعا، بدءا من البطالة وأزمة السكن واختناقات القطاع الصحي والفساد وشبكات تهريب البشر والشائعات التي تسري عبر “تيك توك” و”واتساب”، والتوترات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، وصولا إلى الأحكام القضائية والسياسات الإسبانية الخاصة بالهجرة والتي ربما غيرت نظرة الناس إلى الحدود، فضلا عن النمو الاقتصادي العاجز عن توفير فرص العمل، وهواجس الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، واستراتيجيات التنمية التي أنتجت بنى تحتية مذهلة دون أن تخلق فرصا كافية ذات معنى. لقد أضاء كل تفسير جزءا من القصة، لكن أيا منها لم يفسر تماما ما جعل أحداث سبتة تثير هذا القدر من القلق والاضطراب.

لم تكن الإجابة مقصورة على دوافع الرحيل وحدها، ولكنها امتدت لتشمل هُوية الراحلين أنفسهم، فلم تقتصر الجموع المندفعة نحو سبتة على الشباب المعطلين، وإنما ضمت طلاب جامعات، وعمالا مهرة، وأطرا صحية، وآباء يصحبوهم أطفالهم، بل وعائلات بأسرها. مع أن المغرب نفسه يعاني عجزا في مجالات شتى تتراوح بين الصحة والهندسة وصولا إلى الفلاحة والبناء والسياحة، فلو كانت البطالة وحدها هي مكمن الداء، فلماذا كان الأطباء يفكرون في الرحيل؟ ولو كان الفقر كافيا لتفسير المشهد، فلماذا تطلع المهندسون، والأساتذة، وأصحاب المشاريع، وعائلات الطبقة المتوسطة إلى حياة أخرى خارج الحدود؟

لقد ظل هذا السؤال عالقا بذهني حتى بعد أن فرغت الشواطئ من روادها. وفي الأيام التالية، تتبعت العشرات من التسجيلات المصورة التي نشرها من خاضوا مغامرة العبور ثم عادوا إلى ديارهم، فمنهم من خاطب كاميرا هاتفه من شقق متواضعة، ومنهم من جلس في مقهى أو سيارة. ولقد أجرى الصحفيون معهم لقاءات خارج مخافر الشرطة، وفي صالونات المنازل، وعلى أرصفة الأحياء. وتضافرت هذه المقاطع لتشكل معا  أرشيفا إثنوغرافيا للطموح البشري.. أناس عاديون يبثون شجونهم حول العمل والكرامة والأسرة والمستقبل.

وفي خضم ذلك، أقرّ أحد الأطباء الشباب بأن المغرب قد منحه تعليما طبيا ممتازا وبأن مستشفياته بحاجة ماسة إلى الأطباء، إلا أنه كان يتوسم فرصا أكبر للتخصص والبحث العلمي والتقدير المهني في الخارج. في حين عبّرت خريجة جامعية حديثة عن تطلعات تجاوزت مجرد البحث عن فرصة عمل لتشمل نمط الحياة الذي تسعى لبنائه خلال العقدين القادمين. وتوخى أولياء الأمور آفاقا تعليمية مختلفة لأطفالهم، بينما لم يقتصر العمال المهرة في مقارناتهم على الأجور فحسب، بل امتدت لتشمل مستوى الاستقرار، والتقديرالمهني، وجودة الحياة المنشودة لعائلاتهم..

لقد اختلفت ظروفهم، ولكن تحت أديمها تقاطعت أسئلة متشابهة إلى حد كبير، فلم يعد السؤال مجرد: “أين أجد عملا؟”، بل صار: “أين يمكنني بناء الحياة التي أتخيلها؟”.

ومع أنني كنت قد سمعت أصداء لهذا السؤال من قبل، وإن اختلفت أشكاله التعبيرية، فقد أعادني ذلك إلى واحة زيز حيث قضيت طفولتي.

فقد نشأت في واحة زيز بجنوب شرق المغرب خلال سبعينيات القرن العشرين، حين كانت الهجرة تحتل بالفعل مكانة بارزة في حياة القرية. لقد وطأت قدم إفريقيا واحتلت واحتنا قبل أن يرى معظمنا أوروبا بأعينهم، كانت تفد علينا بعد شاي المساء، حين كانت كؤوس الشاي بالنعناع الساخن لا تزال مستقرة على الحُصُر المنسوجة، ليقوم أحدهم بفض رسالة مكتوبة بخط اليد قادمة من فرنسا بحرص بالغ. حينها، كان الصمت يلف الغرفة مع تلاوة كل سطر بصوت مسموع. وما إن تنتهي القراءة، حتى تتداول الأيدي الرسالة ببطء، قبل أن تطوى بعناية على طياتها الأصلية وتعاد إلى ظرفها.

وفي طفولتنا، جند الكثير منا لكتابة الردود على تلك الرسائل نيابة عن الآباء والأجداد والجيران وغيرهم من أهل القرية ممن لم يتقنوا الكتابة، لنقل الأخبار إلى الأبناء والإخوة والأزواج وسائر الأقارب العاملين في فرنسا، حول المواليد والأفراح والمواسم والأمراض وتفاصيل الحياة اليومية للقرية. وتكاد لا تخلو رسالة من لازمتين مألوفتين: إرسال “الماندا” (الحوالة البريدية) التي ساعدت في تغطية نفقات الأدوات المدرسية والتكاليف الطبية وإصلاح قنوات الري والأفراح، ولا حصر له من حاجات البيت، وعبارة “ولا يخصنا إلا النظر في وجوهكم”. وعادة ما كانت خواتيم تلك الرسائل تذوب في الأدعية: بالسلامة وحفظ الله والتوفيق في العمل، والعودة الميمونة إلى الوطن. كانت الأموال تقيم أود البيت، لكن الرسائل كانت تذكر المغتربين بأن أعز ما يُفتقد لا يمكن طيه داخل ظرف.

وكانت أوروبا تفد علينا أيضا عبر أشرطة الكاسيت، والصور الفوتوغرافية المتداولة بين الأيدي، والعودة السنوية للمهاجرين، إذ كان قدومهم كل صيف يعلن عن حلول الموسم بيقين يشبه نضج التين والعنب والتمر. وهكذا أصبحت فرنسا وبلجيكا وهولندا، ولاحقا إسبانيا، أماكن نعرفها بالحكايات قبل أن نعرفها بالجغرافيا بزمن طويل. وكانت المسافات، في تلك السنوات، لا تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بالغياب.

لقد تباينت الظروف من رسالة إلى أخرى، لكن الأسئلة ظلت ثابتة نادرا ما تتغير.. كيف حال الجميع؟ هل تسقط الأمطار؟ هل الحصاد وفير؟ هل وصلت الحوالة؟ أين أطفالنا من الدراسة؟ هل اجتزتم الامتحان الوطني؟ نشتاق لرؤياكم. حفظكم الله حتى نلتقي مجددا. كانت الهجرة تَعد بحياة أفضل، غير أنها كانت مرتبطة بالواجبات العائلية بقدر ارتباطها بالطموح الشخصي. كان الناس يتحدثون عن العمل الموسمي، وإعالة الوالدين وبناء بيت العائلة وتوفير ما يكفي للزواج. وكانت أوروبا تمثل العمل الجاد والتضحية، وبالنسبة للكثيرين العودة النهائية للوطن.

واليوم، بعد نصف قرن، تحولت الرسائل إلى رسائل “واتساب” ومكالمات مرئية، لكن الحوارات لم تنقطع. وما تغير حقا هو العالم الذي تقاس به الأحلام وتتخيل على ضوئه سبل الحياة. فالحياة في الديار البعيدة التي كانت تصل إلى واحتنا متقطعة عبر الرسائل والصور وأشرطة الكاسيت وزيارات الصيف، باتت تقتحم علينا كل صباح قبل الإفطار، رحلة ابن العم اليومية في بروكسل، تخرج ابنة الأخت في مونتريال، فترة التخصص الطبي لزميل قديم في ليون. لم تعد الحياة الأخرى تنتظر الصيف، بل صارت تتكشف بوضوح على شاشة الهاتف الذكي.

وتلك هي النبرة المختلفة التي لمحتها في أصوات العائدين من سبتة، فالرغبة في حياة أفضل ظلت ثابتة بشكل ملحوظ، وما تغير هو الكيفية التي تُتخيل بها تلك الحياة. لم يكن الطبيب فارا من البطالة، ولم تكن الخريجة تتحدث عن الدخل وحده، ولم يكن الآباء يقارنون أسعار المواد الغذائية أو الإيجارات فحسب، ولكنهم كانوا يقارنون حيوات بأسرها، ومسارات شتى يمكن أن تسلكها أقدارهم. وباتت أحداث سبتة تبدو أقل شبها بأزمة هجرة مجردة، وأقرب إلى نافذة تطل على ما هو أعمق.. تحول في العلاقة بين الرخاء، والحركة والانتماء والمستقبل.

فقبل أن يعبر أي إنسان حدودا جغرافية بزمن طويل، لا بد للحياة الأخرى أن تصبح قابلة للتخيل أولا.

لقد غير هذا الإدراك جوهر سؤالي، فلم أعد أكتفي بالتساؤل عن أسباب رغبة الناس في الرحيل، بل تجاوزته إلى كيف باتت آفاق مستقبلية بعينها تبدو أكثر وجاهة، وأشد جاذبية، وأقرب منالا من غيرها. يمكن للاقتصاديين أن يحدثونا عن تفاوتات الأجور، ولعلماء السياسة عن المؤسسات وأنظمة الحدود، وللصحفيين عن البطالة، وشبكات التهريب، والشائعات السارية في فضاء الإنترنت. صحيح أن هذه التفسيرات تُعيننا على فهم بواعث هجرة الناس، إلا أنها تكاد لا تخبرنا شيئا عن الكيفية التي تتحول بها تلك المستقبلات إلى حقيقة قابلة للتصديق والقبول.

وهنا، يكمن جزء من الإجابة في مدى العمق الذي تغير به المغرب نفسه، فمغرب طفولتي كان يتطلع إلى الخارج بشكل أساسي عبر الهجرة وتحويلات المغتربين، أما مغرب اليوم فهو مستثمر إفريقي، ومُصنِّع ومصدر صناعي، وجسر دبلوماسي يربط بين إفريقيا وأوروبا، بل ومقصد متزايد للمهاجرين والطلاب والأعمال الدولية. ولعل التحول الأشد أثرا قد حدث داخل الأسر المغربية ذاتها، إذ باتت الهجرة منسوجة في صميم صلات القربى، وأصبحت الحياة في الديار البعيدة جزءا لا يتجزأ من الحياة الأسرية اليومية.

وقد قادني هذا الواقع إلى موضوع أمضيت جل مسيرتي المهنية في دراسته، ألا وهو التنمية. فعلى مدى القرن العشرين، دأبت الحكومات على تشييد الطرق والموانئ والمدارس والمستشفيات والجامعات، مدفوعة بيقين مفاده أن هذه الاستثمارات تتجاوز أبعادها الاقتصادية البحتة لتسهم في توسيع دائرة الفرص، وترسيخ قناعة لدى المواطنين بأن الحياة التي يطمحون إلى بنائها قابلة للتحقيق فعلا في وطنهم ومحل إقامتهم.

ولقد أعاد أمارتيا سين Amartya sen  صياغة مفهوم التنمية لتغدو مسارا لتوسيع حريات الإنسان، لا مجرد تكديس للأموال والثروات، إذ تمحور سؤاله الجوهري حول ما يتاح للناس فعلا فعله وتحقيقه في حياتهم. وبينما تطرح أحداث سبتة تساؤلا أساسيا حول المكان الذي يمكن فيه تشييد حياة جديرة بالعيش، ندرك أن صنع الإمكانات لا يقتصر على الأفراد وحدهم، فالطرق والمدارس والمستشفيات وشبكات الهجرة والامتداد العائلي والروابط الرقمية، تشكل جميعها أدوات ترسم معالم ما يستطيع الناس إنجازه، وتحدد في الآن ذاته الآفاق المستقبلية القابلة للتخيل ومواطن تحققها. وقد قادني ذلك إلى بلورة مفهوم “الإنتاج الاجتماعي للإمكانات”، تعبيرا عن السبل المتعددة التي يصوغ بها المجتمع صور المستقبل المتاحة في أذهان الأفراد، وتلك التي يترسخ الإيمان بإمكانية تجسيدها واقعا. ومن هذا المنظور، لا تقتصر التنمية على توسيع نطاق الحرية فحسب،إنها تعيد صياغة البيئة التي تتبرعم في رحابها أحلام الحياة وتصوراتها.

وتتجلى هذه الآثار العميقـة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فخط السكك الحديدية لا يقتصر دوره المباشر على ربط طنجة بالدار البيضاء، ولكنه  يمتد أثره ليوسع المدى الذي تتصور ضمنه حدود الحركة والترحال. كما ترفد الجامعة سوق العمل بكفاءات قادرة على استشراف مسارات مهنية في الرباط أو باريس أو مونتريال أو توسون أو بروكسل. وفوق هذا كله، يتجاوز الهاتف الذكي وظيفة التواصل الأسري البحت ليجعل من تفاصيل الحياة في البلدان البعيدة جزءا صميميا من المعيش اليومي.

وههنا تبرز إحدى أهم مفارقات التنمية المعاصرة، فالمؤسسات التي تعمل على توسيع فرص الأفراد توسع بالقدر ذاته طيف الحيوات التي يتخذونها معيارا لمقارنة واقعهم. ومع تحول هذه المقارنات إلى ممارسات يومية معتادة، تفقد الرؤية المستقبلية الرسمية التي ترسمها الدولة تطابقها الحتمي مع التطلعات الفردية للمواطنين. وبينما يظل هذان المساران في الغالب داعمين لبعضهما البعض، إلا أنهما يشهدان تباعدا متزايدا في كثير من الأحيان.

وفي ضوء هذه الرؤية، اكتسبت النقاشات التي أعقبت أزمة سبتة دلالة مختلفة، فلم يكن الطبيب، ولا الخريجة الجامعية، ولا العمال المهرة، ولا العائلات التي راقبت أحوالهم، رافضين لوطنهم أو ناكرين لما يشهده من تحولات، بل كانوا يوازنون بين خيارات ومستقبلات شتى. وحين التفت بظهري لأتأمل الشاطئ، تبدت لي حيوات أفراد تقاطعت لفترة عابرة في المكان نفسه، يحمل كل منهم ماضيا خاصا ويستشرف مستقبلا مغايرا. ولم يكن الجامع بينهم دافعا وحيدا للرحيل، بل سؤال جامع يؤرقهم جميعا: أين يمكن للمرء أن يُشيّد على أتم وجه الحياة التي يبتغيها؟

ولعل المغرب ليس بدعا في ذلك، فإيرلندا والبرتغال والهند وكوريا الجنوبية ومجتمعات عديدة أخرى، قد واجهت صورا مختلفة للمفارقة ذاتها. فقد عملت مؤسساتها بطرق شتى على تعليم شعوبها، وتوسيع مدارك الفرص، وفتح دروب لم يكن بمقدور الأجيال السابقة أن تتخيلها قط. وبذلك، ساهمت أيضا في توسيع الأفق الذي تتبرعم في رحابه سبل الحياة. وما يجعل هذا التحول جليا للعيان في حالة المغرب هو تلازم الإنجازات التنموية المشهودة مع الروابط العابرة للحدود. فالعائدون من سبتة لم يكونوا بمنأى عن هذه القصة، بل كانوا ثمرة من ثمارها الحية.

غير أنه نادرا ما تستطيع الأرقام والإحصاءات أن تعكس العمق الوجداني الذي يُختبر من خلاله هذا التحول، فكل أب وأم يحدوهما الأمل بأن يفتح التعليم أبوابا لأبنائهما، وقليلون منهم من يتخيلون أن بعض تلك الأبواب قد تفضي بهم إلى وجهات بعيدة. وربما يتحول درع التخرج الجامعي، الذي طال الاحتفاء به، إلى جواز سفر يرتاد به المرء حياة أخرى. وما يبدو للدولة معضلة سياسية أو وطنية، تعيشه العائلات في كنفها مشاعر متداخلة ومتاعب ممزوجة بالفخر والحنين، والفرصة والغياب، في آن واحد.

وخلاصة القول، يُقدّم عيد العرش ومدينة سبتة روايتين مختلفتين لجوهر التحول ذاته. لقد توارت الرسائل المكتوبة بخط اليد التي طبعت طفولتي إلى حد بعيد، غير أن النقاشات التي أصلت لها تلك الرسائل ما زالت مستمرة ومتواصلة.

فكلما حل عيد العرش وتجدد موسمه، امتلأت شاشات التلفزيون في ربوع المغرب بذات المشاهد المألوفة: قطار “البراق” وهو يشق طريقه نحو الشمال، ورافعات الحاويات وهي تعلو في ميناء طنجة المتوسط، وحقول الطاقة الشمسية وهي تترامى عبر الصحراء، والاستعدادات لمحطة كروية عالمية أخرى. ويتابع ملايين المشاهدين بلدا لا يزال يواصل الاستثمار في غده.

وعلى الرغم من ذلك، لم تكن أحداث سبتة تناقض تلك القصة، بل كانت متممة لها، فقد كشفت عمليات العبور عما يؤول إليه الحال حين تتضافر المدارس والطرق والجامعات والمستشفيات والشبكات الرقمية التي تربط أوصال الوطن، لتفتح في الوقت ذاته آفاقا لعالم أوسع يتخيل فيه المواطنون ملامح حياتهم.

ومن ثمّ، فلم يعد السؤال الجوهري متمثلا ببساطة في قدرة الدولة على بناء المستقبل، بل في مدى قدرة أبنائها على رؤية أنفسهم وتخيل ذواتهم في صلب ذلك الغد.

شارك هذا الموضوع

احساين إلحيان

أستاذ جامعي مغربي بجامعة أريزونا بأمريكا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!