لماذا الجهل بإدريس الخوري؟
المصطفى اجْماهْري
♦ بين جيل عاش يقتفي أثر الكلمة في الملاحق الأسبوعية، وجيل يملك أحدث التقنيات لكنه يجهل أبجديات رموز بلاده الثقافية، تتسع الفجوة وتغيب الذاكرة المشتركة. انطلاقاً من واقعة طريفة ومؤسفة لجهل مستشار بقامة الأديب الراحل إدريس الخوري، يقدم الكاتب والباحث المغربي المصطفى اجْماهري، شهادة حية ومقارنة سوسيولوجية بين عصر الثقافة العامة المتوهج وجيل التفاهة الرقمية.
استغرب كثير من الأصدقاء والقراء مؤخراً ما حصل مع أحد المستشارين الذي لم يعرف مَن هو الراحل الأديب إدريس الخوري ومَن يكون.
وللحقيقة والتاريخ، فإن هذا الجهل أصبح شائعاً جداً اليوم، خاصة لدى الجيل الجديد، رغم شيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والمكتبات الرقمية، ووسائل الاتصال الحديثة. لقد قُيِّض لي ولغيري من جيل الخمسينيات أننا كنا نعرف الأسماء البارزة من الكتاب والفنانين وحتى السياسيين، ونتقصى أخبارهم، ونقرأ إبداعهم، ونحضر محاضراتهم أو لقاءاتهم. بل كنا، فقط عن طريق الملاحق الثقافية الأسبوعية، نعرف ما يجري في الواقع الثقافي المغربي والعربي. وكان الراحل محمد زفزاف حينما يكتب قصة قصيرة، في ملحق “الاتحاد الاشتراكي” أو مجلة “أقلام”، يطالعها القراء والطلبة من شمال المغرب إلى جنوبه.
هذا الشغف المعرفي المتوهج انتهى للأسف منذ الألفية الثالثة تحديداً، حيث أصبح السائد حاليا هو نوع من التخصص السطحي، وشكل من أشكال المعرفة البسيطة والمبتسرة. وفي هذا السياق ذكر الأنثروبولوجي خالد مونة مؤخرا إنه لما التحق للدراسة الجامعية العليا في فرنسا اكتشف أن ما تلقاه في المغرب من تكوين كان ضئيلا، مستحضراً كيف يُفرض على الطالب هناك قراءة مصنفات وكتب مرجعية كاملة في تخصص الخيارات المتاحة له.
وقد تيسّر لي، في عدد من لقاءاتي لتنشيط محاور علمية معينة في الجديدة، والدار البيضاء، وبني ملال وغيرها، أنني كلما كنت بصدد إعطاء أمثلة عن بيار بورديو، أو عبد الكبير الخطيبي، أو إدريس الشرايبي، أكتشف بأسف أن الحاضرين لا يعرفون شيئاً عن هذه الأسماء المذكورة رغم لمعانها وصيتها الكبير. بل إنني لاحظت – وسبق أن كتبت في هذا الموضوع – أنه حتى على مستوى البحوث الأكاديمية، فإن من يتصدى لموضوع في دبلوم الدراسات العليا، أو الماستر، أو الدكتوراه، يبدأ من الصفر، أي من نفسه، كأنما هو أول من تناول ذلك الإشكال، وبالتالي نقع في فخ تكرار أطاريح معينة، دون أن يستفيد اللاحق من تراكمات السابق.
والأدهى والأمر، أن هناك مَن يملك آخر موديلات وسائل التواصل ولكنه لا يعرف استخدامها، لأننا لم نفكر في عملية التبيئة، ذلك أن كل تقنية مستوردة تحتاج إلى تبيئة ثقافية وحضارية لتؤتي أكلها. ونتيجة لهذا الفصام، نجد مثلاً باحثاً جامعيا يقع في هفوات معرفية ومنهجية جمة، في حين كان يمكنه تداركها والتحقق منها بنقرة ملائمة وذكية على لوحة مفاتيح حاسوبه. وبناء عليه، يصبح تملّك أدوات التقنية شيئاً، وحسن توظيفها شيئاً آخر تماماً.
أتذكر مثلاً، ونحن تلاميذ في قسم البكالوريا بثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء في بداية السبعينيات، كيف كنا منفتحين على عوالم الأدب، والسينما، ومسرح الهواة، وأغاني المجموعات الملتزمة، والكتب ذات الطابع السياسي. كنا نتردد بانتظام على مكتبة المعهد الفرنسي، والمكتبة البلدية بشارع الجيش الملكي، وحلبة الكازابلانكيز، ومعارض الفن التشكيلي. كان ذلك زمن الثقافة العامة بامتياز، حيث كان يجمعنا الشغف بأن نأخذ من كل فنّ طرَف.. بل إننا كنا في جيلنا نقتفي أثر أسماء وازنة خارج المجال الأدبي والفكري الصرف، فكنا نعرف بالاسم قادة سياسيين ونقابيين مغاربة مثل علال الفاسي، والمهدي بن بركة، والمحجوب بن الصديق، بل والرموز الثورية العالمية من طينة هوشي منه وأرنستو غيفارا.
اليوم، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وانحسر جيل الثقافة العامة المتوهج، لتغرق الغالبية في ملاحقة التفاهات وهدر الوقت خلف شاشات الهواتف المحمولة، بينما طوى النسيان (والتناسي) أسماء الإبداع، والتشكيل، والفكر الرصين. فلنقم اليوم، من باب المكاشفة، بتوزيع استبيان بسيط على عينة من جيل الشاشات المعاصرة، لنرى من منهم يعرف عبد الله العروي، أو كمال عبد اللطيف، أو نور الدين أفاية، أو أحمد المتمسك، أو عبد الله حمودي أو محمد الناجي أو فاطمة المرنيسي، أو عبد اللطيف الدرقاوي، أو الفنان التشكيلي عبد الرحمن رحول، أو الصحفية زكية داوود.. وحينها فقط، سنرى العجب العجاب، ونقف على حجم الفراغ المهول الذي يتهدد ذاكرتنا المشتركة، ونفهم بالتحليل والواقع: لماذا هذا الجهل المطبق بقامة أدبية مثل إدريس الخوري وغير إدريس الخوري؟
