من “درب السلطان” إلى الرواق.. جمال الدين الناجي يستعيد الوجوه والأزمنة
إصدارات:
في كتابه الأخير الصادر عن دار “مرسم”، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، يقدّم الأكاديمي والإعلامي المغربي جمال الدين الناجي مؤلفه المعنون بـ Galerie marocaine: portraits، وهو عمل لا ينتمي فقط إلى أدب البورتريه أو السير السريعة، بقدر ما هو أطلس ذاكرة وواجهة بصرية/نصية تُضيء أعماق الوجدان الجمعي المغربي عبر مسارات وشخصيات وأمكنة شتى.
يستعير الكاتب مفهوم الغاليري (Galerie) من هندسته الفنية والمعمارية، فالغاليري ليس مجرد صالة عرض صامتة، بل هو ممر عبور (Corridor) يربط بين الذاتي والموضوعي، بين الهامشي والمركزي، وبين الأمس واليوم. من هذا المنطلق، ينسج الناجي بورتريهاته لا عبر سرد تاريخي جاف أو توثيق أكاديمي صارم، بل من خلال شظايا مائية ولحظات مكثفة يتقاطع فيها الفردي بالحضاري.
يحضر حي درب السلطان البيضاوي في أرجاء هذا المؤلّف بصفته مجرة انطلاق ومختبرا سوسيولوجيا وأخلاقيا صاغ نظرة الناجي للعالم. عبر هذا الفضاء يقرأ المؤلف المغرب في تنوعه: من أزقة الحي الشعبي الضاربة في التضامن العضوي، إلى تحولات المدينة الذكية وتحديات العولمة.
إن الشخصيات التي يستحضرها الناجي، سواء كانت قامات ثنائية الثقافة أو ووجوها نضالية، أو أشكالا شعبية قادمة من صلب الأحياء القديمة، تحمل كلا منها شفرة سيميوطيقية تفصح عن التحولات العميقة التي شهدها المغرب المعاصر.
يتحرك جمال الدين الناجي في هذا العمل بوصفه صحفيا عتيقا يملك حساسية المؤسس، ومثقفا ملتزما يستكشف الهوامش. وتتجلى في البورتريهات المعادلة التي صاغها رولان بارت بين البعد الثقافي والتاريخي العام الذي يُؤطر البورتريه ويمنحه قيمته الوثائقية.. والتفصيلة الحميمية والومضة المفاجئة التي تخز الذاكرة.. كإيماءة وجه، أو نبرة صوت، أو تفصيلة لباس تقليدي.. لتجعل البورتريه كائنا حيا يتنفس أمام قارئه.
ليست النوستالجيا عند جمال الدين الناجي بكاء على الأطلال أو انغلاقا في ماض متخيل، بل هي حالة توتر إيجابي ونقد غير مباشر لآليات المسخ العصراني والتفكك الاجتماعي. إنها لغة تتوسل بالإشارة والمحاكمة اللطيفة للواقع، حيث يصبح القلم بمثابة عدسة تصوير تستعيد كرامة الأشخاص والشهادات المحاصرة في طيات النسيان.
يُعدّ كتاب Galerie marocaine: portraits إضافة متميزة للبيبليوغرافيا المغربية المكتوبة بلغة أندريه مالرو، محفوفة بروح مغربية أصيلة. إنه ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو معرض ذكريات وممرّ ذكي يفرض على القارئ الوقوف أمام كل لوحة/بورتريه ليعيد اكتشاف ذاته في مرآة الآخرين، وفي مرآة وطن دائم التحول والتجدد.
***
*جمال الدين النّاجي، حاصل على شواهد العليا من جامعة باريس 2، والمعهد الفرنسي للصحافة (IFP)، والمعهد العالي للإعلام والاتصال (ISIC – المعهد العالي للصحافة سابقا بالرباط). بدأ مسيرته الصحفية في صحيفة “مغرب إينفورماسيون” (Maghreb Informations) منذ عام 1973، ثم بمكتب وكالة المغرب العربي للأنباء (MAP) في الدار البيضاء وباريس لنحو عشر سنوات. التحق بعد ذلك بالمعهد العالي للإعلام والاتصال كأستاذ باحث وخبير مستشار لدى العديد من الهيئات الوطنية والدولية.
وهو أستاذ مشارك بجامعة كيبيك في مونتريال (UQAM) الكندية، وتولى رئاسة شبكة “أوربيكوم” (ORBICOM) الدولية لكراسي اليونسكو في الاتصال لولايتين (2017-2024)، قبل أن يُنتخب رئيسا شرفيًا لها عام 2025. وبين عامي 2012 و2018، شغل منصب المدير العام للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (HACA).
