الاحتفالية هي المسرح العربي.. والمسرح العربي هو الاحتفالية

الاحتفالية هي المسرح العربي.. والمسرح العربي هو الاحتفالية

د. عبدالكريم برشيد

فاتحة الكلام

          يكلمني شيخي العارف شمس الدين التبريزي وأنصت إليه، ويقول لي قولاً صادقاً وأصدقه، وكل ما يقوله لي شمس الدين التبريزي أصدقه، وأفكر فيه، وأستظل بظله، وأهتدي بهديه.. لقد قال لي:

“إن كل من تقابله في حياتك، حتى من تظنه عابراً، هو مرسل إليك لأجل غاية ما، فلا أحد يظهر في حياتك مصادفة”.

نعم، صدقت أيها الصوفي الحكيم، إنه لا أحد يظهر في حياتنا وفي حياة أفكارنا وفي حياة اختياراتنا صدفة، ونحن لا نلقى أفكارنا صدفة، ولا نجدها مرمية في الطريق العام، وبالتأكيد هناك قوة سحرية ما تدفعنا إليها، وتقول لنا: هذه الأفكار لكم، خذوها، وفكروا فيها، وضعوها جلداً تحت جلدكم، حتى تصبح هذه الأفكار هي أنتم، وأنتم هي. وهذا هو حال الاحتفاليين مع الأفكار الاحتفالية، ومع الأحوال الاحتفالية، ومع المشاهدات الاحتفالية، ومع الإشارات الاحتفالية.

وفي حياة الاحتفاليين عبرت أسماء كثيرة جداً، ولقد اختلفت وجوهها، واختلفت أدوارها، واختلفت أقنعتها، واختلفت أزياؤها، واختلفت أحكامها في كتابتها، ولكنها كلها لعبت معنا في نفس المسرحية، ولقد كنا جميعاً في نفس الكرنفال الوجودي، من حيث ندري أو لا ندري..

وما أكثر أساتذتي الذين ألقت بهم حكمة الوجود في طريقي، والذين من بينهم أستاذي الدكتور محمد السرغيني، الذي غيب الموت جسده، ولم يستطع أن يغيب أفكاره وأشعاره وعلمه ومساره الأكاديمي الجميل والنبيل، رحمه الله رحمة واسعة، ورحم كل أساتذتنا الذين علمونا، ولقد كان أجمل ما علمونا إياه هو أن نحب هذه الحياة، وأن نعشق جماليات الحياة في الآداب الجميلة، وفي الفنون الجميلة، وفي العلوم الجميلة.

ولقد اقتنعت فعلاً، بأن كل واحد من هؤلاء العابرين في حياتنا هو مجرد ممثل، ولقد أدى دوره الذي كتب له، ولقد أداه بشكل جيد أو بشكل سيئ ومضى.. سواء أكان مع هذه الاحتفالية أو كان ضدها، وسواء أكان على وعي بما قال وبما كتب أو بما فعل، أم أنه لم يكن، مما يعني أنه لا أحد يأتي هذه الحياة المسرحية بلا معنى، وأنه لا شيء يمكن أن يوجد في الوجود بلا معنى، وأنه لا شيء ولا أحد يمكن أن يكتمل إلا بما يخالفه ويختلف عنه، وبما يناقضه. ونحن الذين نبحث في هذه الحياة عن المعنى نقول: بأنه لولا ظلمة هذا الليل ما كان لضوء النهار في حياتنا أي معنى، ولولا تعب الأسفار وطول المسافات ما كان للذة الوصول أي معنى. ومن حسن حظ هذه الاحتفالية أنها قد وجدت في الكُتّاب وفي النقاد وفي المسرحيين من يخالفها، ومن يعارضها، ومن يدفعها — من حيث يدري أو لا يدري — إلى المزيد من المقاومة، وإلى المزيد من التحدي، وإلى المزيد من البحث، وإلى المزيد من التجربة، وإلى المزيد من التجريب الميداني الحي..

المجتمع الاحتفالي قبل الجماعة الاحتفالية

وما أنصف الذين صدقوا بأن هذه الاحتفالية هي مجرد جماعة فقط، وبأن هذه الجماعة، في مسرحها، كانت تبحث عن السبق وعن التميز وعن الريادة وعن القيادة، لأن المجتمع الاحتفالي، في هذا الوطن المغربي، هو الاحتفالي الأول، وليس نحن، وهو من أسس روح هذه الاحتفالية، وهو من أعطاها بنيتها، وأعطاها أسماءها، وهو من أعطاها أعيادها، وأعطاها أسواقها الأسبوعية ومواسمها السنوية، وذلك على امتداد قرون طويلة جداً في التاريخ. ونحن ما فعلنا شيئاً سوى أننا تأملنا حياة الناس، وأننا قد قرأنا الاحتفالية في الأعراس، وفي حفلات ختم القرآن، وفي حفلات الختان، وفي الحكي الشعبي، وفي حلقات الذكر، وفي حلقات الفرجة في الساحات العامة، وفي ليالي السمر، وفي (التقشاب) الشعبي، وفي (البساط)، وفي مختلف مظاهر حياتنا اليومية، والتي يؤثثها الحكي والتقليد والغناء والرقص والأمثال والحكمة الشعبية. والذين أوجدوا في التاريخ المغربي مسرحاً شعبياً سموه (سلطان الطلبة)، ألم يكونوا احتفالية قبلنا؟ والذين أسسوا الحلقة الشعبية في ساحة جامع الفنا بمراكش، وفي ساحة باب منصور العلج بمدينة مكناس، وفي ساحات وفي فضاءات كثيرة بمدينة فاس، وفي ساحة باب سيدي عبد الوهاب بمدينة وجدة، ألم يكونوا احتفالية قبل ظهور مصطلح الاحتفالية؟

وبماذا يمكن أن نفسر وجود فن الحلقة، وأن نجد شخص “الحلايقي” في الريبرتوار المسرحي المغربي؟ وما معنى أن يكون بطل مسرحية (الحكواتي الأخير) هو الفنان الفاسي الشعبي الساخر (حرية)؟ وما معنى أن يكون بطل مسرحية (الملك جالوق) هو الفنان الشعبي الملك جالوق؟

وفي هذا المعنى نجد من يعترف بأن:

«عبد الكريم برشيد من أهم الرواد المسرحيين العرب الذين نادوا وتبنوا قضية الرجوع إلى مصادرنا الشعبية وفنوننا التعبيرية وصيغنا الاحتفالية التي أفرزها الوجدان الشعبي، من أجل إيجاد لغة فنية شاملة ومتكاملة وصولاً إلى شكل لمسرحنا العربي. جاء برشيد بكتاباته التنظيرية والإبداعية في المسرح الاحتفالي ليراكم الخط الذي بدأه في مصر كل من توفيق الحكيم في قالبنا المسرحي، ويوسف إدريس في نحو مسرح مصري أصيل، وعلى الراعي والدعوة إلى الكوميديا المرتجلة»

والذي بدأه في المغرب الطيب الصديقي، وأحمد الطيب العلج، وعبد الله شقرون، وعبد الصمد الكنفاوي، وحسن المنيعي، ومحمد حسن الجندي، وعبد الصمد دينية، وفريد بنمبارك، وغيرهم كثير.

«والهدف من هذا كله هو إيجاد لغة مسرحية تفيد التراث العربي والتراث الإنساني عامة، حيث تمت معانقة هذه النظرية في أعمال تطبيقية عند سعد الله ونوس في سوريا، ومحمود دياب في مصر، وعز الدين المدني والمنصف السويسي في تونس، وقدور النعيمي في الجزائر. وعليه فقد جعل برشيد العمل المسرحي احتفالاً إنسانياً يلتقي فيه المبدع بالجمهور».

فأن تكون مع الاحتفالية فأنت هو الاحتفالية والاحتفالية هي أنت، وأن تكون ضد الاحتفالية فأنت تقر بوجودها، وأن تساهم في إشعاعها، من حيث تدري أو لا تدري.

انطلاقاً من هذا المنظور، أقرأ اليوم مسار الاحتفالية ومسار الاحتفاليين، وأشكر ذلك الزمن الصعب الذي كان، والذي أتى بهذه الاحتفالية في وقتها، ولولا ذلك، فهل كان ممكناً أن تعرف نفسها، وأن تعرف لحظتها التاريخية، وأن تتقن فن المقاومة السلمية، وأن تتقن فن الحوار الخلاق، وأن تعرف كيف تقاوم الغياب بالحضور، وأن تواجه عوامل الموت بالإصرار على طلب الحياة، وأن تكون فلسفة للتعييد الاحتفالي، وأن يكون أجمل ما فيها هو.. الفرح..

عن أسعد كل السعداء وأتعس كل التعساء

وأبقى في الإنصات لشمس الدين التبريزي، وأسمعه وكأنه يخاطبني وحدي وهو يقول لي:

“كن على مقربة من أي شخص يجعلك سعيداً، لتشعر أنك ما زلت حياً”.

وفي المسرح نكون مع كل الناس، ولسنا نحن من نختار مع من نكون، وأسعد كل السعداء هو من يصاحب السعداء، وهو من يجاور السعداء، وهو من يحاور السعداء، وهو من يصله شيء من حكمة السعداء.

ونحن في المسرح المسرحي وفي المسرح الوجودي لا نختار مع من نكون، وقدرنا فقط هو أن لا نكون وحدنا، وأن لا نفكر وحدنا، وأن لا نضحك في المسرحيات الضاحكة وحدنا، وأن لا نبكي في المآسي المسرحية وحدنا، وأن لا نقتنع في المسرحيات الفكرية وحدنا. ونحن في هذا المسرح نحرص دائماً على أن نفهم الجميع، وعلى أن يفهمنا الجميع، حتى لا نضطر لأن نقول مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: (الآخر هو الجحيم) أو (الجحيم هو الآخر)، أو أن نقول مع شمس الدين التبريزي: (المرء مع من لا يفهمه سجين)، ونحن لا نريد أن نكون في السجن، كما لا نريد أن نكون في سجن مع الذين لا يفهموننا.

ونحن نؤمن بأنه: “لا قيمة للحياة ولا معنى للحياة من دون عشق الحياة ومن دون عشق جماليات الحياة”.

وهل يمكن أن يكون لهذه الاحتفالية أي معنى، من دون أن تكون حرية، ومن دون أن تكون اختياراً حراً، ومن دون أن تكون في مجتمع حر مع الأحرار، وأن لا تكون في مجتمع العبودية مع العبيد؟

وهل يمكن أن يكون لهذه الاحتفالية دور في مسرحية الوجود سوى أن تكون دعوة للفرح، وأن تكون احتفاءً بالفرح وبالفرحين وبصناع الفرح، من شعراء ومن حكماء ومن علماء ومن مسرحيين؟

وهذه الاحتفالية هي أساساً معرفة، أو هي درجة في المعرفة، أو هي سفر في طريق المعرفة، وأجمل شيء في حياة الاحتفاليين هو أن تكون هذه الاحتفالية شاملة ومتكاملة ومتعددة ومتجددة، وأن تكون في درجة الحس وفي درجة الحدس معا، وأن تكون في درجة الرؤية وفي درجة الرؤيا أيضاً، وأن تكون في درجة الإلهام أو في درجة النبوءة، مؤكدين دائماً على الرؤيا من الله، وعلى أن الحلم الكابوسي من الشيطان..

والاحتفالي، في البدء طرح على نفسه سؤالاً واحداً، والذي هو السؤال التالي: من أكون؟

ولقد كان في ظنه أنه هو وحده سيد الكون، وأنه هو المبتدأ وهو الخبر، وأنه هو الأول وهو الأخير، وأنه هو العالم العارف، وأنه هو المخترع والمكتشف، ومع الأيام تبين له أنه لا شيء.. في عالم فيه كل شيء..

وفي الجواب عن سؤال من أكون، فقد قال هذا الاحتفالي: أنا لا أعرف من أكون، ولكنني أحب أن أعرف من أكون، وسوف أكون أسعد كل السعداء لو أستطيع أن أعرف من أكون، وأن أعرف وزني وحجمي في هذا الكون، ولذلك فقد قضيت كل عمري بحثاً عني، وبحثاً عن حقيقتي الضائعة، ولقد خمنت في البداية بأن جسدي موجود في جسد الاحتفالية، وبأن روحي موجودة في روح الاحتفالية، وأن عقلي موجود في عقل الاحتفالية، ولذلك فقد اعتنقت هذه الاحتفالية، وذبت فيها، وقلت: أنا هي وهي أنا..

ولقد تساءلت: وما أبحث عنه، ألا يكون هو أيضاً يبحث عني؟ وما معنى أن تبحث عن فكرة لا تبحث عنك هي أيضاً؟

شيء مؤكد أن الإلهام يبحث عن صاحبه، وأن النبوة تبحث عن نبيها، وأن الكتابة تبحث عن كاتبها، وأن الطريق يختار من يسير فيه، وأن الطريق المستقيم لا يسير فيه من تعود أن يسير في الطرق الملتوية والمعوجة.

ولأن هذا السؤال لم يكن كافياً، فقد أضفت إليه الأسئلة التالية: ومع من نكون؟ مع رفاق الطريق، والذين يعرفوننا ونعرفهم، والذين يشبهوننا ونشبههم، أم مع الذين قد يكون من بينهم الوحش ولا يكون الإنسان السيد والمولى، ويكون الحارس السجان ولا يكون الإنسان الإنسان؟

ومتى نكون؟ في الزمان الاحتفالي أم في الزمان المأتمي؟ وفي زمان العقل والعقلانية أم في زمان الحمق والمجنون؟ وفي الزمان المنظم والمرتب أم في الزمان العبثي وفي الزمان الفوضوي أو في زمان التفاهة؟ وأين يمكن أن نكون؟

ونحن في هذه الاحتفالية نعشق المعرفة، ونحن لا نشرب إلا ماء المعرفة، ولقد تبين لي أن ماء المعرفة ليس ماء السواقي وماء العيون المتفجرة في سفوح الجبال، وأنه كلما شربنا من ماء هذه المعرفة إلا وازددنا ظمأً، وكأننا نشرب ماء البحر المالح، ومن يدري، فقد تكون هذه الحقيقة الاحتفالية هي البحر ونحن لا ندري..

والمهم في هذه الاحتفالية هو ثوابتها الفكرية والجمالية والأخلاقية، والتي تتعدد وتتجدد وتتمدد، وذلك داخل شجرة واحدة.. وشجرة هذه الاحتفالية قد يتغير كل شيء فيها إلا فلسفتها، والتي هي (فلسفة التعييد الاحتفالي)، ويمكن أن تسقط في الخريف الأوراق الصفراء والآيلة في هذه الشجرة، وذلك من أجل أن تعاود الظهور في الربيع الآتي، وأن تستعيد حياتها وحيويتها في دورة الوجود الجديد والمتجدد، وأن تكون في كل مرة جديدة وخضراء ويانعة كما كانت أول مرة.

والاحتفالي لا يبحث في هذه المعرفة عن الجديد، وهو مقتنع بأن كل ما هو جديد ليس حقيقياً بالضرورة، وهو يؤمن بالتجريب من أجل أن يختبر نفسه أولاً، ومن أجل أن يختبر معرفته ثانياً، ومن أجل أن يختبر إجرائياً كل فرضياته النظرية.

مسرح الفرح فيه كل شيء إلا.. اليأس

وأول أمس أعدت نشر مقالتي (عبد الكريم برشيد: لم يعد الصمت ممكناً) على صفحتي في الفايسبوك، وذلك بعد أن أخرجتها جريدة (الأحداث المغربية) في إخراج فني جميل، وفي الكلمة المصاحبة قلت وكتبت، بخصوص هذا الصمت الذي لم يعد ممكناً، ما يلي:

«ومتى كان الصمت ممكناً إلا بالنسبة لتجار الصمت، وبالنسبة لسماسرة الصمت؟ هي صرخة إذن.. صرخة (الحكواتي الأخير) في جريدة (الأحداث المغربية). وهي شهادة شاهد من أهل المسرح على.. رقدة المسرح التي طالت.. ونقول هي رقدة فقط.. حتى لا نقول بأن الأمر يتعلق بموت الاحتفال المسرحي.. وأين؟ في مملكة البهجة والفرح.. وفي مملكة مسرحها الشعبي مفتوح ليلاً ونهاءً.. وعلى امتداد قرون متعددة في التاريخ. ونقول هي رقدة أو هي غفوة أو هي غيبوبة مؤقتة، ولا نتوقع أن تكون أكثر من ذلك، لأن المسرح الحي، في الأوطان الحية، وفي الحقب التاريخية الحية لا يمكن أن يموت.. في هذه المقالة يقول الحكواتي كلمته ولا يمضي.. ولا يمكن أن يمضي. وكل الحياة مسرح، وكل العالم مسرح، وكل التاريخ مسرح في مسرح في مسرح.. إلى ما لا نهاية. شكراً للصديق أحمد أبو عروة، وشكراً للأخ المختار الغزيوي مدير جريدة (الأحداث المغربية)، وشكراً لكل الصادقين الذين يهمهم حاضر ومستقبل المسرح المغربي بالدرجة الأولى».

ونرجع مرة إلى شمس الدين التبريزي الذي قال لنا:

“أياً كان ما يحدث لك، لا تقع في اليأس! حتى لو أُغلقت جميع الأبواب، سيظهر لك طريق سري لا يعرفه أحد”.

وعن هذا الطريق السري نبحث اليوم، وعنه بحثنا بالأمس، وعنه سوف نضل نبحث غداً وفي كل يوم..

ولأننا نعيش اليوم جاهلية جديدة، فيها كثير من الأصنام البشرية، وفيها كثير من المؤمنين بهذه الأصنام، فإنني أجد من حقي أن أتلاءل: وهذا الصنم الحجري أو البشري، هل هو من نحت نفسه؟ بالتأكيد لا، لأن الصنم المعبود يصنعه من يعبده.

آخر الكلام

وبخصوص وجود هذه الاحتفالية المسرحية في العالم العربي، وفي مقالة بعنوان (مفهوم المسرح الاحتفالي) لأماني النجار، نُشرت في موقع الفرجة الإلكتروني، نجدها تقول ما يلي:

«وإذا انتقلنا إلى الوطن العربي فنجد من روادها (الاحتفالية): قدور النعيمي من الجزائر، وعز الدين المدني من تونس، وقاسم محمد من العراق، وسعد الله ونوس من سوريا».

ويقول د. مصطفى رمضاني بخصوص وجود الاحتفالية في كل العالم العربي، وليس في المغرب فقط، ما يلي:

«أما في الدول العربية، فقد خلفت دعوة الاحتفالية صدى طيباً، وكان من نتائج ذلك أن مجموعة من كبار المبدعين والنقاد المسرحيين العرب قد باركوها وصادقوا على ما في بياناتها، نحو الدكتور علي الراعي، وسعد أردش، وأسعد فضة، وعز الدين المدني، ومنصف السويسي وغيرهم، كما فعلت ذلك فرقة الحكواتي اللبنانية، وفرقة سوسة التونسية، وفرقة الفوانيس الأردنية، وجماعة السرادق المصرية. وبهذا تكون الجماعة ورشاً مفتوحاً على العالم الإنساني كله، وليست تجربة خاصة بمبدعين مغاربة فقط».

ومرة أخرى أؤكد، مع أن الأمر لا يحتاج إلى تأكيد، كما أنه لا يحتاج إلى توضيح، لأن الواضحات، في الواقع وفي التاريخ معا، لا تحتاجان إلى توضيحات، وهما فقط في حاجة لأن ننصت لصوت الحق والحقيقة، وأن نقرأ هذا المسرح العربي بعيون سليمة، وأن نعيد قراءته قراءة عالمة وفاهمة، وأن نعرف بأن تاريخ المسرح العربي هو تاريخ البحث فيه، وأن هذا البحث في المسرح العربي لم يتوقف في أي لحظة من تاريخه، ولا أظن أنه يمكن أن يتوقف في يوم من الأيام، أو في عام من الأعوام. وعليه فقد وجب أن نقول ما يلي: بأن ما قام به الاحتفاليون لم يكن إلا جزءاً من هذا البحث العلمي والفكري والجمالي العام، ومن الواجب أن نتوقف اليوم عند الحقيقة التالية، وهي أن ما قمنا به نحن في المغرب هو نفس ما قام به المسرحيون والنقاد والباحثون في كل العالم العربي، والذي هو البحث عن مسرح عربي يشبه تجربته، ويشبه ثقافته، ويشبه تاريخه، ويشبه لغته، ويشبه مساره. ولقد تأكد لنا اليوم، بعد نصف قرن من عمر البحث الاحتفالي، أن ما كنا نبحث عنه لم يكن بعيداً عنا، وأنه في حقيقته لم يكن في هذا المسرح مجرد بحث عن صيغة واحدة في المسرح، ولم يكن مجرد بحث عن موضة مسرحية عابرة، ولم يكن بحثاً عن التميز ولا عن الاختلاف في الشكل وفي الآليات والتقنيات، ولكنه كان بحثاً عن المسرح العربي، كل المسرح العربي، ولقد وجدنا هذا المسرح فعلاً، وجدناه في حياتنا اليومية، ووجدناه في تاريخنا، ووجدناه في جغرافيتنا، ووجدناه في احتفالاتنا اليومية وفي أعيادنا الموسمية والسنوية، ووجدناه في حكينا ومحاكاتنا، ووجدناه في تراثنا المكتوب وفي تراثنا الشفوي، ووجدناه في حكمنا وأمثالنا، ووجدناه في نثرنا وشعرنا، والجديد الذي أتينا نحن به، هو أننا فقط عرفنا ما كان ينبغي معرفته، وهو أن ما يميز هذا المسرح العربي هو أنه احتفالي الروح وعيدي الرؤية، ولذلك فقد كان ضرورياً أن نسميه باسمه الحقيقي والذي هو.. المسرح الاحتفالي.

ولذلك فقد كان ضرورياً أن نقول ما يلي: الاحتفالية هي المسرح العربي، والمسرح العربي هو الاحتفالية.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!