الأذن: من فيزيولوجيا العضو إلى قدسية السماع
ليليان آدم
الفعالية: اللقاء الأدبي لـ «غرفة صديقات أجمل العمر»/ 22-08-2026-
تقديم: الدكتورة لطيفة حليم العلوي، عرض: الدكتورة نفيسة الذهبي- تسيير: الدكتورة رشيدة أفيلال
ما خلق الله الأذن عبثًا، فقد ورد ذكر السمع ومشتقاته في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وغالبًا ما يُقدّم الله السمع على البصر، وذكره بصيغة الإفراد بينما يجمع الأبصار، امتنانا بهذه الحاسة العظيمة التي ربطها بالهداية والعقل. وفي التوراة هي رمز للإصغاء والفهم، ومن بين ما ذُكر في الإنجيل: «من له أذنان فليسمع».
استهلت الدكتورة لطيفة حليم العلوي هذا اللقاء بطريقتها الوديعة وابتسامتها العريضة بوجه بشوش يعكس فرحة الترحاب وحسن الاستقبال مع كرم الضيافة، مستعرضةً مراحل اللقاءات السابقة (الضفيرة، العين…)، والغاية منها: استرجاع الاهتمام بالثقافة التي لها علاقة مباشرة بالحواس وأجزاء أخرى من الجسم. بعدها تطرقت إلى الأذن كـ «موضوع الساعة» وعلاقتها بالحياة، سواء من الناحية الدينية واستدلت بالآية: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ…﴾، أو من الناحية الاجتماعية كالسمع والإنصات والأذان في أذن الوليد.
ثم قدمت ورقة تعريفية عن الدكتورة نفيسة الذهبي ومسيرتها المشرفة في الحياة الثقافية، فتكلمت عن مؤلفاتها، وإصداراتها، واهتماماتها بعدة مجالات ثقافية، وخاصة مجال التاريخ والتصوف، وعن عملها في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
مباشرة بعد ذلك، استرسلت الدكتورة نفيسة الذهبي في موضوع عرضها، فعرّفت الأذن على أنها وسيلة للإنصات والإصغاء، ومن الناحية العلمية هي عضو أساسي للتوازن، وتكلمت كذلك عن تكوينها الفيزيولوجي مع استحضار علوم السمع والنطق. كما أشارت إلى أن حاسة السمع ذُكرت 185 مرة في القرآن الكريم إذ هي موضع للدراية والإدراك، وعززت العرض بذكر وجودها كذلك في الأحاديث النبوية، كما أشارت إلى دورها الهام في التعليم التقليدي، ثم مكانتها في الأدب والأشعار، ويتجلى ذلك في النثر والقصائد المتنوعة التي تعبر عن العواطف والمشاعر المختلفة، وأعطت أمثلة بالمتنبي:
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي … وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
وفي الحكم أيضًا: «أمشي وأسأل الجدران والجدران تسمعني»، كما استدلت أيضًا بالمعري:
يَا أُذْنُ سَوْفَ يَظَلُّ السَّمْعُ مُتَّقِدًا … وَتَسْتَرِيحِينَ مِنْ قَالٍ وَمِنْ قِيلِ
وأتت الدكتورة بحكم أخرى كـ: «نعمة السمع أن تسمع»، و«نعمة العقل أن تعرف ماذا تسمع». كما جاءت بأمثلة تعزيزية للموضوع لزهير بن أبي سلمى والشافعي.
أما في موضوع النثر والشعر والزجل من الناحية الفنية، فقد أغنت الموضوع بأمثلة للدلالة من الطرب الكلاسيكي بمقاطع غنائية لأم كلثوم، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، محمد عبده، جورج وسوف، وردة، ومن الجيل الجديد: نانسي عجرم.
أما من الأنغام المغربية، فذكرت عبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح. ثم تطرقت إلى السماع الصوفي الذي له دور كبير في التربية والسلوك وتغذية الوجدان، واستدلت بقصيدة «البردة» للإمام البوصيري، و«نهج البردة» لأحمد شوقي، وكذلك قصيدة «المنفرجة» لابن النحوي، وقصيدة الشوشتري «شويخ من أرض مكناس»، و«رجال الله» لفتح الله المغاري، والسواكن في الطرب الشعبي (مثلاً: مولاي عبد الله الوالي، الحضرة، الجذبة، حمادشة، عيساوة… إلخ)، وكلها تفاعلات وجدانية تدخل في السماع الصوفي.
ولم تغفل الطرب الشعبي كحميد الزاهر، المريني، وحجيب، وكذلك الملحون وطرب الآلة وأنواعًا كثيرة من الصوفية وغيرها التي تؤلف ذهنيتنا. ولم يفتها أن تتطرق إلى أهمية السمع في الأمثال الشعبية، ولنأخذ مثالاً منها: «اللي فاتو الطعام يقول شبعت، واللي فاتو الكلام يقول سمعت».
وبهذا كانت الدكتورة نفيسة الذهبي قد أوفت واستوفت بهذا العرض الشيق الممتع.
ومع فتح باب النقاش، أثار هذا الموضوع مداخلات كثيرة وغير متوقعة تناولت الجانب الثقافي والمعرفي للأذن في كل المجالات، من جانب الثقة إلى جانب تحريف المعلومة والخبر.
وكان للدكتورة رشيدة أفيلال دور خاص، إذ جمعت مهمتها في التقديم مع مداخلاتها في هذا الموضوع الذي يميل إلى القدسية بربط العلاقة بين السمع وخائنة الأذن، وساقت مثالاً على ذلك: قضية الإرث والوصية وما يترتب عنها من مشاكل، ووضحت كيف أن تربيتنا اعتمدت على الأذن بصفة مهمة جدًا، وأن الحكي كان عنصرًا أساسيًا فيها، وأعطت أمثلة كالسيرة النبوية، وإلى حد قريب كان السمع هو الأساس في التربية وفي تداول المعلومة بين الناس.
وجاءت مداخلة الدكتورة خديجة أميتي — ونظرًا لعمق وقوة معلوماتها الأكاديمية — في تساؤل عن مدى وفاء السمع في نقل المعلومات، وأنواع الصوت وتأثيره على المستمع في كل المجالات. وعرّفت الأذن بأنها الجوهر الروحي، لأنها تبني عالمًا من الأفكار والوعي والتحليل لما لها من عمق عقلاني، وأثارت مقولة سقراط: «تكلم حتى أراك»، وكذلك: الرجل «بو ودينة» نظرًا للسلطة التي يتمتع بها، وعن المرأة التي تستمع للخرافة وتتأثر بالثقافة الشفوية.
كما كانت هناك مداخلة للطبيبة المختصة بالأذن: رشيدة الفيلالي، التي قامت بشرح مكانة الأذن في التعليم وطريقة تصحيح السمع في حالة الإعاقة.
أما الأستاذة خديجة بن زيدان، فكانت مداخلتها عبارة عن تساؤل عميق عن التاريخ الشفوي والتاريخ المكتوب: أيهما الأصدق؟
أما الدكتورة أسماء بنعدادة، فقد أثارت موضوعًا شيقًا سمّته «جوع الأذن»، وروته في قصة واقعية مثيرة مفادها أن سيدة سعت إلى الطلاق حتى نالته، لأنها لم تسمع أبدا من زوجها كلامًا حلوًا!
والدكتورة أسماء التهامي أثارت البهجة لسماع جميل الأصوات كـالبلابل والموسيقى.
وناقشت الدكتورة خلود السباعي أهمية الأذن في حياة الإنسان، والتأخير في اكتشاف الإعاقة في هذه الحاسة المهمة.
وتطرقت الدكتورة عُلية البوعناني إلى علاقة الأذن بالدماغ، وتكلمت عن الشعراء الذين تغنوا بها مستدلة بأمثلة.
ومن بين الحضور، كانت هناك السيدة حبيبة (صديقة الصالون الأدبي) وقد أغنت الموضوع بعدة أمثلة شعبية تصب في سياق العرض.
واختُتمت الأمسية بالاستماع لأغنية ملحنة عن الأذن من كلمات الأستاذة خديجة بن زيدان، ثم قصيدة شعرية بعنوان «أذن الحب» للأستاذة ليليان آدم.
وهكذا مر اللقاء في جو ثقافي رائع وممتع، وعمّت الفائدة كل الحاضرات في «غرفة صديقات أجمل العمر»، هذا الصرح الأدبي العظيم ببيت د. لطيفة حليم العلوي، الذي كلما ذُكر إلا وذُكرت معه المتعة الثقافية التي تغذي فينا الروح العطشى للاستمتاع بكل جميل في الأدب والعلم، وتبقى شهيتنا مفتوحة دائما للمزيد، إنه نهم الثقافة الذي تشبعه وتغذيه هذه الغرفة بمواضيعها المنتقاة بعناية وعمق، وبطريقة راقية وفكرة عميقة لها هدف صائب.
كبير الشكر وعميق الامتنان للأديبة د. لطيفة حليم العلوي على هذا الكرم الأدبي السامي والراقي.
