“زفير رماد” قصص من المحلية إلى العالمية

“زفير رماد” قصص من المحلية إلى العالمية

عزالدين الماعزي

           “زفير رماد” هو عنوان المجموعة القصصية للقاص المبدع الشاب هيثم همامون من مدينة تيزنيت، صدرت عن دار العرفان للطباعة والنشر بآگدير 2026 بـ 21 قصة قصيرة لأكثر من مائة صفحة من القطع المتوسط.

يتزيّا غلاف المجموعة بالبياض، والبياض لون الثلج النقي وبياض الوجه الخالي من العيب، غالبا ما يرتبط البياض بالبراءة والسلم وتمتد دلالته إلى مجالات أخرى مانحًا النفس الراحة والهدوء. في التصوف، الأبيض يعني الأصل والنور الذي ينبعث من الظلام. كما يأتي البياض رديف الصمت وهو رسالة من المخاطِب إلى المخاطَب للمشاركة، بالإضافة أنّ البياض مقومٌ فنّي جمالي ودلالي في القصة القصيرة.

لذلك الكتابة هي أن تجعل الصمت يتكلم والحجر يتصدع، “الكتابة هي الطريقة الوحيدة كي أحيا” ماريو فرجاس يوسا.

لوحة الغلاف عبارة عن وجه في حالة “ذهول” ينفث الدخان ويتحول إلى طيور رمادية؛ الرماد دليل الاحتراق الذي يعيشه الهامش والمهمشون. ترصد القصص معاناة الإنسان في البادية والمدينة وتصور المشاهد بتفاصيل وصور بارعة بيد الكاتب المبدع هيثم همامون ولسان الحال يقول : ” كي تتمكن من النجاة عليك أن تكتب القصص” امبرطو إيكو.

ليس مطلوبا من الابداع أن يكون سهلا، كما ليس مطلوبا منه أن يكون عصيّا على الفهم. المطلوب أن يكون صادقا مع تجربته وأن يجد الطريقة التي تمكنه من نقلها إلى الآخرين. ف” قيمة النص وأثره لا يقف فحسب عند جماليته ومتعته بل تشمل مضمراته، وهي الأخطر والأعمق” كما يقول ذ عبد الله الغذامي.

فحين تنتهي من قراءة المجموعة إلا وتعود شخصا مختلفا، وأكثر وعيا، هكذا القراءة تؤثر في سلوك القارئ ونفسيته، وتساهم في بناء وتطوير تفكيره، وتعزز مهاراته. باختصار، هذا ما وقع لي حين قرأت المجموعة ببطء شديد وتفكير.. وتأمل جعلني أكتب هذه القراءة.

في قصص القاص الشاب هيثم همامون نلاحظ حضور قراءات متعددة ومتداخلة، لا أقول تناصًا، بل حضور أسماء كتاب مغاربة عرب وعالميين( كيليطو، بوزفور، محفوظ، زكريا تامر، زفزاف، بلزاك، ماركيز، تولستوي، تشيخوف…) وكتب (أنبئوني بالرؤيا، ألف ليلة وليلة، والشعر الجاهلي، المقامات، والإمتاع والمؤانسة وغيرها…)

نتساءل بطريقة سؤال الكاتب هيثم همامون: ماذا تصنع الكتب في بيت لا يهتم فيه أحد بالقراءة؟

لا نبتعد عن مفهوم وسؤال القراءة فالقراءة لديه هي صداقة ” يمكن بسهولة أن نستعيد صداقتنا في غضون دقائق”.. “في كلّ إنسان قصة ألف ليلة وليلة يا عمر” ص18 

شخصيات القصص من أمكنة الهامش؛ فئات اجتماعية مسحوقة بمنطقة تيزنيت وخارجها (البيضاء وفاس..)، وبحضور أسماءٍ ك( ولد بيريك وولد عابد، شعيب، ولد العربي، ولد السالكة، ومسعود الذي يتكرر، فارس، وولد محجوب، سالم..)

يحظى النص بشخصيات متجذرة بهويتها، ومرتبطة بواقعها المحلي، فالقصص كما نلاحظ صدى ذاكرة متصلة بالبادية والمدينة والوصف والتمرد.. وكأننا نعيش تحولات وتمفصلات المجتمع المغربي والعربي في مشاهد تعكس الاختلاف والتنوع، بين وصف وسرد وتفاصيل حياة يومية. قصص تنطوي وتختزل الصور من خطاب الذات إلى فعل الأحداث، إلى قفلات مدهشة، مفتوحة للقراءة والتأمل والتفكير، وسخرية لاذعة ( رؤيا، العيطة الجبلية، الخيوط تحترق، الحمام الاخير، زفير رماد، الصياد والبحر). في وبين ظلال أمكنة مختلفة من تيزنيت المدينة القديمة وقبيلة أولاد جرار” تاريخ قبيلة، حياة، حب يسري في العروق” ص80 ودرب الخياطين بفاس وگراج علال بالبيضاء. هذه الأمكنة والفضاءات تثير القارئ خصوصا ” القرية التي تفتقر إلى الحياة ربما تحتضر” ص83 وفي نص” غياب” ” علاقة القرية بالظلام” ص84 نراه يتابعها، ويسردها بعين التفاصيل الحية لأمكنة تراها العين وتصطدم بها يوميا ” تمد يدك إلى الهواء فتجد االجبل. ولو لم يبق شيء.. مازلنا نملك الجبل” ص70 و” الشيء الوحيد الذي يمكن أن نتتشبث به.. الجبل، الجبل.” ص71. هذه الأمكنة التي يذكرها القاص بحنين وذبذبات الذات، والاحتماء من صخب العالم، والفياضانات التي تجتاح القبيلة .

فالقصص صدى للخطاب اليومي، وصورة لفضاءات الهامش وسرديته باعتبارها نسقا وتكثيفا، يكشف علاقة الكتابة ومتوالياتها التي تتوزع بين الذات والفعل، والعالم المحيط به حيث تنزع الكتابة هنا، إلى مقاومة النسيان والجمود والصمت باعتبارها (وظيفة يستعيد فيها الإنسان الحرية)..”حتى الحجر له قلب.. من الأحسن أن تتصالح مع ذاتك عوض رشقي بالحجر يا بني الإنسان”. نص (حرقة الفراغ)ص100 و”أنا لست عدوًا، أنا فقط إنسان يريد العودة إلى حضن عائلته.” ص98.

المجموعة القصصية الجديدة للقاص هيثم همامون المعنونة ب( زفير رماد) عمل فنيّ ناضج، لا يُخفي فقط مقاصده المضمرة بين السطور بل يقدمها كاختيار جمالي إلى القارئ المتعدد. ف” كل نص أدبي يبني قارئه الخاص”. إنها نصوص تستدعي البحث والحوار خصوصا، وأنها تحاور، وتجاور أسماء كتاب مشاهير، وكتب مرجعية، وعلاقة التماهي والجدل بين الابداع والفنون، مثال نص ( بقايا ضوء) الذي يختزل “اللوحة في جنس أدبيّ يضطلع بوظيفة اجتماعية خاصة” وفي” الجمال يرسم نفسه” ص48 او في قوله : “.. وحتى بعض الجمال لا ينجو من الخدوش.” ص54.

اضافة إلى انتماء الكاتب وعلاقته بالبحر ووصفه طريقة الصيد بالصنارة، وكأنّه تعودَ على عناد وصداقة البحر والصبر، نتابع سرده اللذيذ والجميل في النص الأخير (الصياد والبحر) ” ..والصنارة بطعم السردين والعجين، دار بها في الهواء عدة دورات فوق رأسه، ثم هوى بها إلى البحر، محدثة حلقات متباعدة، تتصاغر في انسياب وجمال، إلى أن ضاقت وتلاشت. أفلت الخيط مسافة لتستمتع السمكة بالعشاء قبل رفع ياقة معطفها، حينها أسند القصبة على كتفه، ثم حرر رجليه من صقيع البحر إلى صقيع الرمال..” ص107.

إنه يحيلنا إلى عوالمه، وعلاقاته وطفولته وارتباطه بواقع بيئته المحلية، وهي صورة طبق الأصل بطابع الكتابة المحلية على غرار طريقة الكتاب الكبار، أمثال ( ماركوز ومحفوظ وزفزاف وبوزفور والحبيب الدايم ربي وهمنجواي..) منطلقا من المحلية إلى العالمية. وذلك أفق صعب ومجال يشتغل على إعادة انتاج اللغة ذاتها والكتابة كفعل مقاومة وتوثيق ونظرة إلى العالم وطرح أسئلة.. 

فمهمة الأدب كما يقول بلانشو ليس الإجابة بل الإبقاء على السؤال حيّا.

شارك هذا الموضوع

عز الدين الماعزي

قاص مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!