رقصة الحيَّاحة على إيقاع العيطة وأذان الصلاة
عبد الرحيم التوراني
تصل الكوميديا السوداء إلى ذروتها الفاقعة في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية. ليس هناك مجال لادعاء العفة السياسية، فالجميع يرفع السرعة الاستجدائية، يلهثون صوب خط الوصول في سباق محموم نحو كراسي الريع. وكي تتحرك هذه الآلة الصدئة لا بد من وقود رخيص ومجرب: قطعان من العاطلين والفقراء والمغضوب عليهم في الأرض من كل جنس وصوب، وحتى الأطفال الصغار ممن صودرت طفولتهم لخدمة الديمقراطية المفترى عليها.
يتصدر هذه الميليشيات الانتخابية نخبة من البركاكة الصغار، وخدام الليل من العاهرات الرخيصات والقوادات، إلى جانب تجار الحشيش والكرّابة بائعي الخمور المهربة. كوكبة من قاع المجتمع تجند بعناية، ليكون سعر الصوت أو المجهود اليومي مساويا لـ 200 درهم في حده الأقصى، أحيانا مع سندويتش تقطر منه الدهون والمهانة كعربون محبة…
طبعا هذه الكائنات اللامبالية لا تفقه في العلوم السياسية ولا تعرف الفرق بين اليمين واليسار، بل كل مهمتها أن تجوب الأزقة، تطرق الأبواب كزوار الليل، وتدفع بالورقة الانتخابية في وجوه المارة كأنها تعويذة للسحر الأسود.
في مشهد يختزل عبث السوريالية، يمر موكب انتخابي تتقدمه سيارة هوندا متهالكة مزينة بألوان حزب الحركة الشعبية. يمشي خلفها المؤيدون كالأشباح، فوق رؤوسهم كاسكيطات وعلى أجسادهم جيليات تحمل رمز الحزب: السنبلة…
المفارقة الفاجعة أنهم لم يجدوا شعارا سياسيا ينادون به سوى “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، بلهجة جنائزية تجعل من يراهم من بعيد يعتقد أنه أمام موكب لدفن ميت، أو حملة لحزب العدالة والتنمية…!
ولِمَ العجب؟ أليست الحركة الشعبية هي الأم البيولوجية لكل المرجعية الإسلاموية المخزنية التي خرجت من جلباب الدكتور عبد الكريم الخطيب وحزبه القديم؟
إنه التناسل العائلي في أبشع صوره.
ولأن المأساة لا تكتمل إلا بالرقص على جراح البؤس، يمر موكب آخر يمسك فيه أحد الفرسان بالميكروفون، محاطا بكورال الجياع الذين يرددون خلفه مقاطع من إحدى أغاني العيطة المبتذلة، متغزلين برمز حزب الحصان (العود):
“وااا عَوْدي.. يا عَوْدي!”…
صيحات تتصاعد لتمجد الجهل وتغيب العقل، وسط تصفيق من لا يملكون ثمن القوت اليومي.
تصل السخرية إلى أوجهها حين يتقاطع هذا الموكب مع مرشح حزب التراكتور. وتصادف مروره أمام المسجد مع أذان صلاة المغرب. لم يتوقف العبث السياسوي احتراما لحرمة الأذان، بل امتزج النداء السماوي بضجيج الصندوق:
(الله أكبر) يتبعها صراخ: (فلان ولد الدرب!).. (أشهد أن لا إله إلا الله) ويجيب الصدى: (التراكتور في الصندوق!)…
لقد تحول الدين والمقدس إلى مجرد موسيقى تصويرية لمرشح يرى في الساجدين مجرد أرقام ترجيحية.
لكن الغريب والمضحك المبكي هو أن تشاهد واحدا من هؤلاء الحيَّاحة متسللا وسط موكب حزب الحمامة، وعلى صدره وفوق رأسه شعار التراكتور! في وقت يتصارع فيه لقجع وأخنوش والطالبي العالمي.. ويتبادلون علنيا الضربات تحت الحزام…
هل يشي هذا المشهد السوريالي بمؤشر عفوي لإعادة تحالف الحزبين؟
يأتي الجواب سريعا حين تم الانتباه للتراكتور التائه وسط سرب الحمام.. لم يطردوه، بل اكتفوا بخلع صدريته والكاسكيط من فوق رأسه بكل أريحية.
يشرح لي أحد العارفين بالخبايا أن الشاب المسكين مجرد ضحية للهدر المدرسي وشبه أمي، اعتقد بحسن نية أن التراكتور لا يختلف عن الحمامة ما دام اللون الأزرق يجمعهما!
لقد صدق حدسه العفوي: “خونا أزرق” جهلا وتيها، وزرقته مستمدة من سماء هذين الحزبين، سماء لا تمطر في الواقع إلا فسادا، ولا تضيء أقمارها إلا ظلاما دامسا.
أما دكاكين المقرات الانتخابية، فنبتت كالورم السرطاني في كل ركن ومفصل. حلاق الحي أغلق موسه وترك مقصه مؤقتا وأجر محله لحزب الجرار، بينما أجر الجيّار (الصباغ) محله لحزب اللامبة. غير أن البؤس يرفض الرحيل… فالحجام والمؤجر لم يتوقفا عن ممارسة المهنة، وسلاليم الصباغة تظل منتصبة أمام المقر الانتخابي لتفضح الهزل!
***
ولأن الشكل في سوق النفاق السياسي أهم بكثير من المضمون، تتزين ملصقات جميع الأحزاب المشاركة بصور المرشحين والمرشحات.. وجوه ملائكية.. ملامح وديعة وابتسامات عريضة تفرق البشاشة بالمجان! تطل عليك تلك الصور المتفائلة كأنها تنطق بعبارات الاستجداء والتسول الشفهي:
(لله يا محسنين.. جودوا علينا بأصواتكم صدقة مقبولة ورحمة على والديكوم).
لكن ويا للمفارقة.. بمجرد القراءة في السير الذاتية المعلقة، تكتشف أن الأحزاب بقدرة قادر لم ترشح إلا صفوة الأمة ونخبة أطرها: فلان المهندس، فلانة المحامية، وفلان رجل الأعمال الشريف عفيف اليد! وصولا إلى اللقب الأكثر مطاطية وابتذالا: (إطار جمعوي).. وهو التوصيف “الشيك” والمحترم الذي يلصق عادة بكل من لا مهنة له ولا حيلة، ممن يبحثون عن قفزة نوعية لانتشال أنفسهم من البؤس والارتقاء المادي عبر بوابة البرلمان أو المجالس البلدية.
لم يقف طاعون الألقاب عند القواعد، بل تسلل إلى رأس الهرم.. إذ أسرع أمناء عامون إلى سبك لقب الدكتور قبل أسمائهم للنفخ في الذات، تماما كما حدث مع نزار البركة، حيث أضحت صحيفة “العلم” الحزبية لا تذكر اسمه إلا مسبوقا برنّة الدكتور، كأنما الشواهد والألقاب بضاعة يراد بها دغدغة عواطف الناخبين وابتزاز احترامهم شكليا.
تطبع المناشير على أرقى أنواع الورق الصقيل، وترفع اللافتات القماشية والـ “باش” الفاخر في كل زاوية. حتى إن حزب الجرار في الدار البيضاء تجاوز الكل وتكفل بتلبيس أسطول من سيارات النقل المزدوج بالكامل بشعاره وصور مرشح الدائرة الفذ. لكن الواقع البشع يستيقظ سريعا.. فما أن يمر موكب الحيَّاحة المهللين، حتى يخلف وراءه جبالا من المزابل والقمامة الورقية.. منشورات ملونة وبراقة، صرف عليها المال السائب، تتحول في رمشة عين إلى أزبال تدوسها أقدام المارة تحت النعال، في تشبيه ذكي لمصير تلك الوعود الورقية بمجرد إغلاق مكاتب التصويت!
***
في النهاية تتشابه جميع الدكاكين، ولا يتبقى سوى عدة الشغل الفعلية: من موس ومقص الحلاق الذي يعلمنا كيف “نُحسِّنُ للناخبين اليتامى بلا ما (ء)”، إلى سلم الجيّار الذي لا يستعمل للطلاء، بل ليتسلق الانتهازيون على أكتاف هذا الشعب المغلوب على أمره.
حقا… لقد هزلت حتى بدا من هُزالها كُلاها، وسامَها كلُّ مفلس!
