سؤءة الجلاد عارية فوق الشجرة!
عبد الرحيم التوراني
وبدأت خيوط اللعبة تتكشف تباعا...
بعد الخروج الاستعراضي الهجومي الذي قام به الكوميسير محمود عرشان، المشهور بوصفه أحد أبرز وجوه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مرحلة سنوات الرصاص الملعونة، متخذا من منبر البرلمان نقطة انطلاق لخرجاته عبر منصات ومواقع رقمية لاهثة خلف البوز وأرباح “الأدسنس”، تلك المواقع التي تجاوزت علنا وصراحة كل الضوابط الأخلاقية والمهنية للصحافة، بل إنها تحدت مشاعر جرح الضحايا وعائلاتهم ورفاق دربهم..
خرج عرشان متبجحا جاحظ العينين، ليصرخ بأنه مستعد للمواجهة والتحدي ضد كل من يتهمونه بممارسة التعذيب، مبديا استعداده لعقد مناظرة تلفزيونية، ومطلقا العنان لإنكار قاطع لمعرفته بعميل “الكاب وان” الراحل أحمد البخاري، الذي سبق أن فضحه بالاسم وخصه بتفاصيل دقيقة حول تخصصه في ممارسات شنيعة كتجليس المعتقلين على القرعة.
لم يقف الأمر عند حدود خرجات عرشان الشخصية، بل امتد ليتخذ أبعادا تنظيمية وسياسية مكشوفة، فما أن انطلق هذا الهجوم حتى خرج أحد قياديي حزبه الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الإطار الذي صنعه وأهداه لعرشان عرابه الأمني الكبير إدريس البصري… ليقترف سقطة أخلاقية وسياسية نكراء، نعت فيها المقاوم الوطني الكبير وقائد جيش التحرير والمناضل اليساري الصلب محمد بنسعيد أيت يدر بـ “العميل“…
هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح بالغ: هل هي مجرد زلة لسان عابرة، أم أنها معزوفة مدروسة تعزف تحت أصابع وحركات مايسترو خفي يقف خلف الكواليس؟
إن تطاول أتباع الأمس على رمز وطني بحجم أيت يدر ليس إلا محاولة بائسة لقلب الحقائق وتلويث صفحة الشرفاء، في مقابل تبييض صفحات ملطخة بالسوداوية والاستبداد.
يبدو أن عرشان أدرك متأخرا أهمية الإعلام في صناعة الوعي وفي توجيه الرأي العام، فظهر غاضبا ومنزعجا ومصدوما لعدم بث صورته في تقرير للقناة الأولى حول مشاورات تشكيل الحكومة والاستقبال الذي خصته به فاطمة الزهراء المنصوري بصفتها رئيسة الحكومة المعينة.. ووصل الأمر بعرشان إلى حد التساؤل المباشر والعلني.. هل اللجنة المساعدة لرئيسة الوزراء المعينة ترفض أن تظهر في صورة معه؟ بل ولم يتردد في ذكر أسماء أعضاء تلك اللجنة. هذا التذمر العلني يكشف عن رغبة محمومة في العودة إلى الواجهة وفرض الذات واستعادة مواقع النفوذ الرمزية والسياسية بأي وسيلة كانت. فكانت صرخته بأنه أنقى ممن يرفضون الظهور في صورة مشتركة معه، وبأنه وطني ووالده وطني، بل أعاد لنا حكاية زعمه الانتماء للمقاومة.
لا شك أن كلمات الجلاد تفضحه، ولغة جسده تعرّيه من كل أقنعة البراءة الزائفة. فحتى وهو يطرق أبواب التسعين، لم تفارقه قسوته ولا نبرة الوعيد النزقة. الجلاد لا يغسل ماضيه تقاعد ولا يمحوه إنكار.. سيظل جلادا تلاحقه لعنة أفعاله في حياته، وحتى بعد أن يواريه التراب.
غير أن التاريخ لا يكتب بالأهواء، فدماء الشهداء وأنين الضحايا وشجاعة مناضلين مثل أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي وبنسعيد أيت يدر وعمر وشقيقه أحمد بنجلون… تبقى أسمى وأبقى من كل ألاعيب الأدسنس وظهور العابرين. فالجلاد مهما علا صوته يبقى أسيرا لجبنه التاريخي، وستبقى الذاكرة الجماعية للمغاربة الحصن المنيع في وجه كل محاولات سرقة الماضي وتزوير المستقبل.
إن خرجة محمود عرشان الوقحة، وما تبعها من صلف لسان صبيه المدعو مصطفى بومهدي في مجلس بلدية تيفلت، تعيد إلى الواجهة بكل صدمة ومرارة، الحقيقة التي يحاول المتفائلون والغافلون القفز فوقها.. إن سنوات الرصاص لم تنته ولم تختف، بل ما زالت تطل بوجهها البشع، وما زال اللجوء إليها وإلى أدواتها ساري المفعول… فالجلادون بعد تقاعدهم أو إعفائهم لم يختفوا من المشهد.. بل تسللوا ببرود إلى قلب المجتمع المدني كأيها الناس، ينعمون بممارسة التجارة ويتحكمون في مفاصل العمل السياسي، بل ويتفاخرون بكل تبجح بماضيهم الأسود.. وكيف لا يتفاخرون وتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة قد فرضت على الضحايا في مفارقة تاريخية مؤلمة، بندا صارما يمنع ذكر أسماء الجلادين علنا خلال جلسات الاستماع التلفزيونية؟ لقد منح الجلاد صك الغياب والنسيان، بينما ترك الضحايا وحدهم يصارعون ندوب الذاكرة.
إن سنوات الرصاص ليست مجرد ذكرى دفينة في كتب التاريخ، بل هي حالة حية تتنفس وتتجدد، يكفي هنا الإشارة إلى معتقلي حراك الريف وباقي الحراكات والاحتجاجات الشعبية، وتلك الأحكام القضائية القاسية والمفزعة التي سجن بسببها مناهضون للتطبيع ومدونون وفنانو راب وأحرار كثر...
وعوض أن يوارى عرشان وأمثاله سوءات ماضيهم بالتوارري والصمت، يصرون على البقاء في المشهد العام، معتلين أعلى شجرته كطائر البوم الذي يرمز للشؤم والخراب، يرفضون الرحيل، وكأنهم يذكرون المغاربة بأن أقبية الماضي لم تقفل، بل جددت واجهاتها فقط. غير أنهم ينسون سنن الطبيعة، فالقردة حين تعتلي الشجرة ظانة أنها سادت، إنما تجعل من انكماش سفاحتها العارية مشهدا مجهريا فاضحا لكل الناظرين من الأسفل.
هذا السعار المرضي وتزامن هذه الخرجات يضعنا أمام تساؤل استراتيجي أعمق، وهو هل نحن بصدد ولوج “عصر البام” بامتياز، بعد أن تعثر تدشينه الكلاسيكي بسبب عواصف الربيع العربي؟
إن إعادة إبراز وجوه الماضي المظلم ومنحها منابر لتزوير التاريخ الوطني وتصدر المشهد السياسي، يكشف لنا عن محاولة صريحة للالتفاف على تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بما لها وعليها وما تمخض عنها. إنهم يراهنون اليوم على ضعف الذاكرة الجماعية وسياسات الإفلات من العقاب، ليحيوا هياكل الماضي المتهالكة، وكأن جريمة لم تقع وشيئا لم يكن.
