من الموجة الحمراء إلى الموجة الزرقاء.. تحولات أعمق في المزاج السياسي الأمريكي

من الموجة الحمراء إلى الموجة الزرقاء.. تحولات أعمق في المزاج السياسي الأمريكي

ذ. يوسف مقران

       لم يكن الانتقال من الموجة الحمراء التي طبعت المشهد الانتخابي الأمريكي قبل عامين إلى الموجة الزرقاء التي تتقدم اليوم مجرد تقلب عابر في موازين القوى الحزبية، أو تعبيرا عن تراجع شعبية رئيس وصعود خصومه. فما يجري في الولايات المتحدة يكشف عن تحولات تتجاوز صناديق الاقتراع، وتمتد إلى بنية الخطاب السياسي، وحدود النفوذ الذي ظلت تمارسه جماعات الضغط، وطبيعة العلاقة بين المجتمع الأمريكي والسياسات التي تنتهجها واشنطن خارج حدودها.

قبل عامين، أعادت الموجة الحمراء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ومنحت الجمهوريين زخما انتخابيا واسعا، في سياق سياسي طغت عليه قضايا الاقتصاد والهجرة والهوية الوطنية، إلى جانب حالة الاستياء من أداء الإدارة الديمقراطية. غير أن المشهد لم يبق على حاله. فالتغيرات التي شهدتها الساحة الأمريكية، داخليا وخارجيا، أعادت ترتيب الأولويات الانتخابية، ووسعت دائرة الاعتراض على خيارات الإدارة، وفتحت المجال أمام خطاب سياسي أكثر جرأة في تناول قضايا ظلت لعقود محكومة بحسابات دقيقة.

ومن بين أبرز هذه القضايا موقع إسرائيل في السياسة الأمريكية.

حين يصبح انتقاد إسرائيل جزءا من المنافسة الانتخابية

لعل أحد أهم التحولات التي تستحق الانتباه هو أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لم يعد محصورا في أصوات هامشية أو شخصيات تنتمي إلى أطراف بعيدة عن مراكز التأثير. لقد أصبح موضوع الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، والحرب على غزة، وطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حاضرا في النقاش الانتخابي، وموضوعا لا يستطيع المرشحون تجاهله أو الالتفاف حوله بسهولة.

واللافت ليس فقط اتساع دائرة المنتقدين، بل التحول في طبيعة الخطاب. فبعدما كان كثير من السياسيين يتجنبون مساءلة إسرائيل خشية الكلفة الانتخابية، باتت هناك شخصيات تخوض حملاتها بمواقف واضحة تدعو إلى وقف الدعم العسكري غير المشروط، ومراجعة طبيعة التحالف مع الحكومة الإسرائيلية، ومساءلة المسؤولين الأمريكيين عن دور بلادهم في استمرار الحرب والانتهاكات المرتبطة بها.

لقد ساهمت مشاهد الدمار في غزة، والاحتجاجات الجامعية والشعبية، واتساع النقاش حول حقوق الفلسطينيين، في إحداث شرخ داخل الصورة التقليدية التي تمتعت بها إسرائيل في الوعي الأمريكي. ولم يعد الاصطفاف وراء سياساتها يحظى بالإجماع السابق، حتى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث أخذ الخلاف يتجاوز حدود التباين التكتيكي ليصبح نقاشا سياسيا وأخلاقيا حول طبيعة العلاقة وحدود الالتزام الأمريكي بها.

إيباك.. عندما يتحول النفوذ إلى عبء انتخابي

في قلب هذه التحولات تبرز لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصارا باسم «إيباك»، التي ظلت لعقود إحدى أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات السياسية والقدرة على تعبئة الأموال الانتخابية لدعم المرشحين المتوافقين مع توجهاتها، ومواجهة أولئك الذين يتبنون مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية.

غير أن البيئة السياسية التي اعتادت إيباك العمل داخلها لم تعد كما كانت. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بقدرتها المالية أو بشبكة نفوذها في واشنطن، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا النفوذ إلى مكسب انتخابي في مجتمع يتغير موقف جزء متزايد من ناخبيه تجاه إسرائيل.

لقد بدأ الدعم المرتبط بإيباك يتحول، في بعض الدوائر الانتخابية، من ورقة قوة إلى عبء سياسي، بعدما أصبح خصوم المرشحين المدعومين منها يوظفون هذا الارتباط في حملاتهم، ويطرحون أسئلة حول استقلال القرار السياسي الأمريكي، وحدود تأثير المال السياسي في تحديد المواقف من القضايا الخارجية.

ولا يعني ذلك أن إيباك فقدت نفوذها أو أن قدرتها على التأثير انتهت، فمواردها وعلاقاتها لا تزال كبيرة. لكن المؤكد أن قدرتها على فرض كلفة انتخابية على منتقدي إسرائيل لم تعد مطلقة، وأن بعض المرشحين باتوا أكثر استعدادا لمواجهة هذا النفوذ، بل وتحويل المواجهة معه إلى جزء من خطابهم الانتخابي.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق: ليست المسألة في تراجع جماعة ضغط بعينها فحسب، وإنما في اهتزاز المعادلة التي ظلت تجعل انتقاد إسرائيل مخاطرة سياسية، وتجعل الدفاع عن سياساتها خيارا شبه إلزامي لمن يسعى إلى موقع مؤثر في واشنطن.

جيل جديد يعيد طرح الأسئلة

لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التغيرات الديموغرافية والثقافية داخل المجتمع الأمريكي، خصوصا لدى الأجيال الشابة التي لم تعد تتلقى الرواية السياسية التقليدية بشأن إسرائيل بالقبول نفسه الذي طبع أجيالا سابقة.

فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من هؤلاء، لم تعد العلاقة مع إسرائيل مسألة تحالف استراتيجي مجرد، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة حقوق الإنسان والقانون الدولي، وبمدى انسجام السياسة الخارجية الأمريكية مع القيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.

وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في كسر احتكار المؤسسات الإعلامية والسياسية التقليدية للرواية، إذ باتت صور الحرب ومعاناة المدنيين الفلسطينيين تصل مباشرة إلى ملايين الأمريكيين، وتفتح نقاشا يصعب احتواؤه بالخطاب الرسمي أو بالتبريرات الدبلوماسية المعتادة.

كما أن هذا التحول لا يقتصر على الناخبين العرب والمسلمين أو على التيارات اليسارية والتقدمية، بل يمتد إلى قطاعات أخرى من المجتمع الأمريكي، بما فيها فئات من الناخبين اليهود الذين يميزون بين هويتهم الدينية ومواقف الحكومة الإسرائيلية، ويرفضون اختزال الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في معاداة السامية.

ما وراء الموجتين الحمراء والزرقاء

إن اختزال المشهد الأمريكي في التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين يحجب جانبا أساسيا من التحولات الجارية. فالموجة الحمراء لم تكن تعبيرا عن تفويض دائم لسياسات الحزب الجمهوري، كما أن الموجة الزرقاء لا تعني بالضرورة تبنيا جماعيا لبرنامج ديمقراطي متكامل. لكن ما تكشفه هذه التحولات هو أن الناخب الأمريكي أصبح أكثر استعدادا لمعاقبة النخب السياسية، وأن عددا من القضايا التي كانت خارج دائرة المساءلة الانتخابية باتت اليوم جزءا من النقاش العام.

ولعل الأهم أن إسرائيل لم تعد استثناء من هذه القاعدة. فالعلاقة معها باتت موضع نقاش داخل المؤسسات السياسية، وفي الحملات الانتخابية، وبين الأجيال الجديدة، بعدما كانت تحظى بدرجة واسعة من الحماية السياسية والحزبية.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى قطيعة مع إسرائيل، أو أن التحالف الاستراتيجي بين الطرفين أصبح على وشك الانهيار. فالمؤسسات الأمريكية، ومراكز النفوذ، والمصالح الجيوسياسية، لا تتغير بمجرد تبدل نتائج الانتخابات. لكن التحولات في الرأي العام والخطاب السياسي قد تفرض، مع مرور الوقت، قيودا جديدة على صناع القرار، وتجعل استمرار السياسات السابقة أكثر كلفة من الناحية السياسية والأخلاقية والانتخابية.

إن ما يجري في الولايات المتحدة أعمق من انتقال مقاعد بين الحزبين. نحن أمام تغير تدريجي في حدود النقاش السياسي المسموح به، وفي طبيعة العلاقة بين المال الانتخابي والرأي العام، وفي قدرة الناخبين على مساءلة حكومتهم عن سياساتها الخارجية.

وقد لا يكون هذا التحول كافيا اليوم لتغيير جوهر السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، لكنه يضعف تدريجيا أحد أهم مرتكزاتها: الاعتقاد بأن الدعم غير المشروط لإسرائيل سيظل خيارا سياسيا آمنا، مهما كانت كلفة سياساتها، ومهما اتسعت دائرة الاعتراض عليها.

وهذا، في حد ذاته، تحول لا يقل أهمية عن أي نتيجة انتخابية.

شارك هذا الموضوع

يوسف مقران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!