كخرقةٍ ملوّثةٍ بسائلٍ نتن (كولاج سردي)

كخرقةٍ ملوّثةٍ بسائلٍ نتن (كولاج سردي)

هشام بن الشاوي

1

يوماً ما  

سأكتب عن الإنارة في الدور الأرضي، على الساعة الرابعة والنصف صباحاً، على غير العادة.

يوماً ما  

سأبوح لك بمشاعر أخفيتها أعواماً، وموسيقى مشيتك تسحل قلبي القتيل.

يوماً ما  

سأخبرهم عن صوت السيارة، التي سرقت أنفاس الليل الأخيرة،  ثم رأيتك تودّعين طليقك وهو يغادر البيت، وأنت تقفين في الفجوة الضيقة خلف الباب الموراب.

كل ليلة  

سيحكي المراهق الذي يقبع خلف القضبان، للرجل الذي اعتدى على أرملة وزير الثقافة، عن الطعنة الغادرة التي أنهت حياة الأربعيني الغيور، وهو يمرّ بمحاذاة شجارٍ لم يكن يعنيه بتاتاً، على الساعة الخامسة صباحاً، دون أن يعرف سبب خروجه في ذلك الوقت.

فكّر المراهق: لو أن الرجل المعتوه تأخّر خمس دقائق فقط، خمس دقائق، لتجنّب هذا المصير الدامي، ولن يلتهم السجن أجمل سنوات عمره.

كل ليلة  

يغادر حفرته المعتمة على الساعة الرابعة والنصف صباحاً، هائما على وجهه، دون أن يردّ على تحايا رجالٍ في طريقهم إلى المسجد.

كل ليلة

 ومنذ سنوات، يلح عليه هاتف داخلي بأن يغادر مسكنه بالقبو شبه المظلم في طريقه نحو موقف حافلات نقل المستخدمين، ثم يعود إلى حفرته خائب الأمل، بعد انصراف كل الحافلات، غير عابئ بنظرات الشفقة في عيون العاملات، وهو يسأل عن سبب غياب ذات الجلباب السماوي، والتي لا يعرفونها. يوماً ما  

سيبوح لها بالسرّ الذي أخفاه حتى عن نفسه، حتى لا يُفتضح أمره بسبب شهوةٍ كريهة الرائحة. من أجل تلك الثواني التي تجعل المرء يمقت حياته لاحقاً، و وهو يجر عربتها الثقيلة، كحمارٍ عجوزٍ أعجف.

2

  هو يعرف أنه لم يغادر البيت. لا يملك شجاعة حواء التي تعبّر عن مشاعرها أو رغباتها بطريقتها الخاصة، ومع ذلك لا يعرف لماذا يتخيّل مشهدا غريبا، وهو يسترق السمع من خارج البيت، والغيرة تحرق كيانه. هل كان يرغب في سماع أنينها الآثم، وهي بين ذراعي طليقها؟  وحين فتح الباب على حين غرّة، لمحه الرجل الذي يعتقد أنه صار طليقها، فأطلق ساقيه للريح، ولم ينتبه إلى السيارة القادمة التي أردته قتيلاً، وفاته أن يراها  تودّع طليقها في لهفة امرأة محبّة، بينما كانت تطرده من قبل حين يعود سكران، ويتوسّل إليها بصوتٍ خفيض أن تفتح الباب: «عُد إلى المكان الذي كنت فيه». ربما، اعتقدت أنه كان في حضن امرأة أخرى، همس لنفسه، وتذكر السؤال الذي طرحته عليه إحداهن (أو العديد منهن): «لماذا لا تبقى معي بعد رعشتك الكبرى؟». لا يرغب في أن يجرح مشاعرهنّ بالقول إنّ الشهوة كريهة الرائحة وينبغي أن يغتسل، وأنها لا تستحق كل هذه المعاناة، التي تمتدّ منذ الغواية الأولى ولا تريد أن تنتهي، ومع ذلك يغادر حفرته في اتجاه موقف الحافلات، وهو ينظر إلى معصمه: 

   – إنها الخامسة صباحا، لقد تأخرت… 

  يتذكّر انحناءتها التي كادت أن تجعل قلبه يتوقّف، وهي تغادر محلّ البقالة. وضعت الجارة الكيسين لتستريح، وانحنت انحناءةً عاش أسيرها   عدة ليالٍ، وهو يسترجعها في شغف.. بالعرض البطيء. طوت قامتها السامقة، ففضح ثوب جلبابها السماوي تفاصيل جسدها اللدن.  فكّر أن غياب الرجل عن بيته أسابيع دفعها إلى أن تشهر كل ذخيرتها في حرب غواية صامتة معلنة منذ عامين.  تتهاطل حكايات رفاق الزنزانة. يتذكّر أن أحدهم لم يعد يفرّق بين الأيام؛ يظنّ الجمعة سبتاً أو الأحد خميساً، وتوجع قلبه حسرة كهلٍ مُدانٍ بخمس سنوات حبساً نافذاً بسبب دقائق شهوةٍ انتهك فيها براءة قريبته. لم ينسَ  الكهل نظرات الجيران ورجال الأمن يقتادونه مقيّداً. كانت نظرات احتقار فصيح.  

  خلف القضبان قابل رجالاً اشتدّت كراهيتهم للنساء.. لطليقاتهم، بسبب النفقة، التي تراكمت وعجزوا عن دفعها.

3

  وضع نقطة النهاية على الورقة. أحسّ أن الجوّ خانقٌ حارّ. فكّر أن يغادر سجنه الخاص، وتذكّر أنه عاجز عن الهروب من سجنه الداخلي، منذ أن افترقا.. في الخارج لمح ورقةً مدعوكة، التقطها بخفّة، وراح يقرأ سرّاً:  

يوماً ما سأكتب عن الإنارة في الدور الأرضي…

  مر أمام عينيه شريط يراه وحده. مشاهد متشظية متداخلة. لم يستطع التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيل، تمنى لو كانت الحياة مسودة يمكن تنقيحها أو أن تتاح له فرصة أن يعيشها مرة أخرى، فيتفادى الأخطاء التي دمرت حياته، وتذكّر أنه كاتب منسيّ في الأرشيف، في مكتبٍ يقبع في قبو عمارة، ومن مكتبه يتلصّص على جارته.  في تلك اللحظة، أدرك أن سبب اهتمامه بها كل هذه الشهور هو ثوبها السماوي. ذلك اللون يشبه سماءً صافيةً في يومٍ ربيعيّ صحو. كانت حبيبته القديمة ترتدي، دوماً ، جلباباً سماويّ اللون. 

  لم  يرها مستلقية. لم يتخيل أنها كانت تشعر بإرهاقٍ شديد بعد يومٍ طويل، ولم تنتبه إلى خروج الولد، الذي ركض نحو متجر الحلويات مسروراً، بعد أن جمع المبلغ الكافي خلسة، وقد أيقن بأنه لن يعود خائباً هذه المرّة. لم ينتبه إلى دراجةٍ ناريةٍ طائشة يقودها شابّ التفت إلى امرأةٍ تشهر حلاوتها على قارعة الطريق. تطايرت القطع المعدنية من يد الصغير، بعيداً عن بركة دمه.
  لم تستوعب موت صغيرها، الذي لم يتجاوز ربيعه العاشر. لم تسامح نفسها على لحظة إرهاقٍ وغفلةٍ واحدة جعلتها تفقد فرحة عمرها الوحيدة، لا سيّما وأنها تزوّجت في سنٍّ متأخرة ولم يعد بإمكانها الإنجاب.  

  لحظةٌ واحدة غفل فيها عقلها وقلبها، وخرج الولد من البيت دون استئذان. لحظةٌ لم يقاوم فيها الطفل إغراء الحلوى.
  لاحقاً، سيراها، مرارا، تركض في الشارع شعثاء الشعر، بملابس متسخة، تنادي على ابنها بصوتٍ عالٍ، ترجوه أن يعود لتشتري له الحلوى التي طالما اشتهاها.

  يتابع المشهد من كوّة القبو المحاذية للرصيف، حيث يرى سيقان المارة، ويتخيّل أقدامهم تدوس على ما تبقّى من طموحاته المهنية والأدبية، التي أجهضها عقابٌ إداريّ جعله رهين القبو، لأنه كتب عن ثروة وزير جعلها باسم زوجته هروباً من سؤال مقيت: «من أين لك هذا؟».

  ممتعضا، فكّر أن الحياة مجرّد عاهرة، حين رأى ابتسامة أرملة الوزير، الذي توفّي قبل أسبوع. كانت بصحبة امرأةٍ أخرى في أحد الأسواق الممتازة، كان يقف شارد الذهن قبالة ثوب سماوي اللون. لم تكن الأرملة ترتدي ثوباً أبيض، كما يليق بامرأةٍ في العدّة. تذكّر أن زوجها لم يطأ عتبة المسجد في حياته. لم يدخله إلا جثمانا يُصلّى عليه قبل الدفن.

  شعر بأحقاده تتجدد، ولم ينس أنه كان يعامله، كما لو كان خرقةً ملوّثة…

  ودون أن يدري هوت كفّه على خدّ الأرملة، وتطاير لعابه ممزوجا بشتائم بذيئة.

الجديدة، أواخر أكتوبر2026

شارك هذا الموضوع

هشام بن الشاوي

قاص مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!