عاصمة الضوء المغربي

عاصمة الضوء المغربي

حسن عثمان

لم يدلني عليها دليل، ولم ترشدني إليها خريطة، ولكن قلبي.. بوصلة الحواس، هو من دلني على ورزازات، حيث لا أحد يطيل النظر إليك، ولربما يسألك عابر طريق إن كنت تعرف أحدا في واحة تلاصق المدينة.

هل هي هجرة اللون إلى جذوره، أم تراها آخر رحلات الأفيال الإفريقية التي تقطع آلاف الكيلومترات، وتحث الخطى إلى مواطنها خشية أن يدركها الموت في الغربة؟

لنقل إن فيلا “كوشيا”* يبحث عن مرقده الأخير في ورزازات، ولكنه يعف عن ملامسة جراح تحت الجلد لا تتكشف إلا عندما يصبح “اللِّوين” (بتشديد الياء وكسرها، رجاء) محورا للحديث الهارب من عقاله في أواخر الليل.

لندع جانبا هذا الأمر الملتبس، وفي بواكر مساء ورزازات الدفيئ نسائم تعيدني قهرا إلى (شندي)**، وكأني أطالع ذات الوجوه والقسمات الحبيبة المتعبة. ولو قلت أن ورزازات تعيدني إلى أهلي لارتكبت ما لا يغتفر من الكبائر في حق بلد أكرم وفادتي وشرفني بأبوته عندما فتح في وجهي أبواب الرزق والحب والمودة، فهنا، من أول ما يبدأ البحر إلى منتهاه ومن أول الرمل إلى الصحراء، أهلي وأسباطي وصداقات عمري وانكساراته الكبرى، فما الذي يطلبه عاقل أكثر من ذلك؟

ولكن، لماذا ارتضت ورزازات أن تكون أبعد من بقية الكواكب المغربية، حين نطلبها من سواحل المتوسط والمحيط؟

حين تشد إليها الرحال من مراكش، تشترط عليك جبال الأطلس أن ترتقي إلى قمة تيشكا على ارتفاع ألفي متر، عبر طريق أضيق من مسارب النمل، حيث تختبر قدرتك على النجاة والصبر ومكاره الشوق والطريق. ولكن إن أطلت مدى الطريق وتشبثت بسلامته الفسيحة، وطلبتها من جهة أكادير وتارودانت، فستعبر حقول الزعفران وحزامه المضروب حول  تيليوين لتحسب في عداد من رأوا وسروا بما رأوه.

في ورزازات التي لا تستعيد عافيتها من سهر الليل إلا قرب منتصف النهار، ينهض الصباح من مرقده باسترخاء ليغسل الشوارع، مما علق بها من بقايا السواد والغبش، بضوء أصبح علامتها الفارقة، حتى كادت أن تصبح عاصمة الضوء المغربي. ولعلها بالفعل كذلك بعد أن تقاطر عليها صناع الفرجة السينمائية، وأقاموا في أطرافها الفسيحة من الاستوديوهات والمرافق، ما يمكنهم من إنتاج روائع بصرية كان عمادها ومركز ثقلها الضوء الورزازي الباهر. فإن كنت قد غمست كامل أطرافك في مشاهدة “لورانس العرب”، و”جوهرة النيل”، و”المصارع والمومياء”، وغيرها كثر، فاعلم أنك كنت ترى ورزازات وقد صارت عصارة ضوء ترتجف عند رؤيته آلات التصوير شغفا ومحبة.

هذه المدينة المغسولة بضوئها الاستثنائي، تمنح القادم اليها خيارات عديدة للاسترخاء وإعادة استكشاف النفس، والتخلص من الأوزان والأعباء والهموم الزائدة. ربما نجحت في سنواتها الأخيرة في الوفاء بلزوميات واشتراطات الحداثة، ولكنها لم تفقد سطرا واحدا من كتاب تاريخها الطويل، الذي يصلها بالعمق الإفريقي عبر ما كان يشابه طريق الحرير الصيني.

وإذا كان المسافر لا يشم في كثير من مدائن العالم إلا غبارها وسخام مصانعها وضبابها العالق، فسيسعد في ورزازات باستعادة بعض من رائحة التاريخ، وكثير من رائحة الزعفران حين تسافر بها أنسام نهار ورزازي رائق.

ومن ذاك الذي لا يدركه الحال وترقص روحه طربا، وهو في مدينة يعني اسمها الأمازيغي: “دون ضجيج”؟

* نسبة إمملكة كوش السودانية، الأقدم مما يزعمه المؤرخون الإقصائيون.

** مدينة في شمال السودان.

شارك الموضوع

حسن عثمان

صحفي وكاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *