هل الشعر لغة الحلم، والأدب لغة التمرد؟

هل الشعر لغة الحلم، والأدب لغة التمرد؟

  طنجة و الاحتفاء بجيل البيت

ابتسام جدير – طنجة

شهدت جامعة نيوإنگلند على مدى يومين ونصف (9 و10 و11 يونيو) الدورة الرابعة لندوة الهايكو الدولية في المغرب تحت عنوان “الشعريات العابرة: المغرب وأمريكا” بمبادرة من الشاعر والناقد عبد القادر الجموسي، وأنوار مجيد مدير منتدى طنجة الدولي لجامعة نيو إنگلاند. فالهايكو  النبتة اليابانية التي انتقلت من حقل الأدب الياباني إلى معظم حقول الآداب العالمية. أ كان ذلك لقصر نفس القصيدة علاقة بهيئة أهل اليابان، وضيق العيون، ومنتوجات الصناعة اليابانية؟

تحتفي الجامعة بهذا اللون الشعري، كما تحتفي من خلال حضور جمعية جاك كرواك، بأدب جيل البيت، وبرائد هذا التيار، كرواك، الذي انتفض ذات يوم في وجه المؤسسة الأمريكية شديدة المحافظة، والتي تتقن قتل كل محاولة تحرر أو انتفاضة في المهد. فالابداع سلطة فوق سلطة المؤسسة، و قد يتعرض للمنع، لكنه يصمد في وجه  ويكتب له البقاء بعد سقوط وغياب سدنة المؤسسة.

 الكابوس المكيف

قد تكون أمريكا بلد الأطراف المتصارعة في الخفاء والعلن، التناقض الذي يجمع بين بيضاء البشرة وأسودها تحت سقف واحد، وإزهاق أرواح أبرياء داخل فصل مدرسة أو ساحتها.

لا شيء مستحيل أمام رغبة الأبيض، وغضب مَن أصوله إفريقية، او لاتينية، أو مورية أيضا، ولو كان ذلك نادر الحدوث.

في قلب هذا الصراع يبدع الناس في كل شيء من أصناف الدخان، إلى ألوان السراويل، والأحذية، والقبعات، والمسدسات، والطائرات… والصرعات الأدبية أو التيارات.

غاص البلد الجديد في الحداثة فظهرت تيارات أدبية تدعو إلى العودة إلى أحضان الطبيعة، وظهرت على الطرف الآخر تيارات تتغنى بالشعب الذي أبيد، أو تحول جزء منه إلى كائنات يُحتمى من وجودها داخل محميات بعد أن خان الكائن الأبيض معاهداته التي وقعها وزعيم الهنود الحمر جيرونيمو.. كما خانت إيزابيلا عهدها لمن بقي من الموريين بالأندلس.. أتكون الخيانة من طقوس القوي، أمرا حتميا، وادعاء الرغبة في سيادة القانون من طقوس الضعيف، أمرا حتميا أيضا؟

من قلب التناقض، والصراعات الخفية والعلنية في المجتمع الأمريكي، المتنوع ظاهريا، الخاضع لتعاليم الدولة العميقة واقعيا (مطاردة المبدعين التقدميين في هوليود (إليا كازان مثلا)، والكتاب (داشيل هاميت)، والنجاح في دفع المعتقلين منهم خلال “الاستنطاق” عبر التهديد أو الوعيد إلى إفشاء أسماء أعضاء الحزب الشيوعي ثم إعلان أسماء من أعلنوا لائحة الأسماء (كما حدث لإليا كازان مثلا) درجة تكسير حيوات بعض هؤلاء؛ ولو أن الاتفاق كان سريا..

من قلب التناقض، والصراعات الخفية والعلنية ظهر الاتجاه الأدبي الموسوم بجيل البيت (Beat Generation)، وقبله كان هناك “الجيل الضائع” ومنه جيرترود شتاين، صاحبة التسمية، وكل الكتاب الأمريكان الذين عاشوا أو كتبوا انطلاقا من أهوال تجربة الحرب العالمية الأولى. وحدهم رجال المال، والسياسة، والدفاع من فلتوا من الانتماء إلى جيل الضائعين أو جيل البيت، ومن سبقوهم من أجيال السخط المبين وغير المبين..

   علامات على طريق التمرد والحرية

 كان نشر رواية جاك كرواك “على الطريق” (1957) قطرة زيت تحولت بقعة وظلت تنتشر وتتسع حتى شكلت تيارا و توسعت حلقة الكتاب الذين أعلنوا انتماءهم إلى هذا التيار عبر الصداقة، والكتابة، والابتعاد عن الدروب المطروقة، ورفض نمط الحياة المعلبة. ألم يسم كاتب، من خارج التيار، الحياة في أمريكا بالحلم المكيف؟ تحكي رواية “على الطريق” رحلة عبر ولايات أمريكا. تمثل الرحلة ثورة ضد النفاق الأخلاقي للبلد، والرغبة في فضح نمط الأخلاق السائدة. وفي الآن ذاته بحثا عن طريقة جديدة للحياة. رأى بعض النقد في الرواية هروبا إلى الأمام، والبحث عن حساسيات جديدة، والرغبة في التحرر من المؤسسة الرسمية المحافظة على كل الأصعدة؛ الاجتماعية والسياسية والثقافية. مؤسسة كانت تمسك بزمام الأمور بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية الحرب الباردة، ومطاردة الفكر التقدمي وحامليه، وظهور الماكارثية، التعبير الأسمى عن المرحلة التي تميزت بتكميم الأفواه، وقمع الحريات، وعودة محاكم التفتيش. إن المهمشين يبحثون عن صوت به يصدحون بما في الخواطر، وسبيل به يحتلون مراتب هي لهم وسلبت منهم، والانتقال من السلب إلى الايجاب. والأمر، قبل كل شيء وبعده، قضية إرادة، وإشهار للفعل..

وبالرغم من اعتماد كرواك أسماء مستعارة لشخصيات روايته، “على الطريق”، فالواقع يقول إن أسماء هذه الشخصيات هي أسماء أصدقائه من الكتاب: نيل كاسدي (دين موريارتي)، وألن غينسبيرغ (كارلو ماركس)، وبيل بورووز (أولد بول لي)، وهو كرواك (سال بارادايز).. وقد تعرفوا على بعضهم بعضا أيام الدراسة في جامعة كولومبيا.

 صرخة لاقتلاع الأوتاد 

ثم شكلت قصيدة “عواء” للشاعر ألان غينسبيرگ، المنشورة ضمن ديوان “عواء وقصائد أخرى” سنة (1956)، دفعة قوية تجاوزت تمثيل التيار، نحو القراء وبالتالي الجري نحوهم واحتضانهم. واعتبرت إحدى القصائد الأكثر قراءة خلال القرن الماضي. كما اعتبرت النص الرمزي الممثل لما اعتبر ثورة أدبية، وتحولا في التقاليد الشعرية  وبالتحديد الشعرية الأمريكية والغربية أيضا. في الشكل والموضوع وطريقة الكتابة. وتعكس هذه القصيدة التغيير الذي أصاب رؤية الشاعر حيث أصبح يرى البعد الكوني في كل شيء، كما استوحى هذا الشعر بعضا من والت وايتمان واعتمد لغة تقوم على العفوية. وهو بعض ما ميز رواية “على الطريق” أيضا. ثم إن القصيدة، يوم نشرت، اعتبرت “فاحشة”، وقبض على الشاعر والناشر فيرلانغيتي، وصديقه، صاحب مكتبة، بتهمة نشر هذه القصيدة، ثم سمح قاض آخر بنشر القصيدة..  

وشرع التيار يتمدد نحو آفاق أخرى إذ شرعت السينما في تسريب مضامين روح  هذا التيار . و يتمثل ذلك في فيلم “Easy driver” مثلا (1969)، ويعرض لرحلة على متن دراجتين ناريتين (يقوم بها الفنانان بيتر فوندا ودنيس هوبر، كاتبا السيناريو، بينما أنتجه فوندا وأخرجه هوبر) عبر الجنوب الغربي وجنوب الولايات المتحدة.. وقد مثل الفيلم “ثقافة مضادة” للسائد،  مع اكتشاف فضاءات المجتمع ومشاهده، والصراعات والتوترات التي تعاني منها شبيبة أمريكا خلال عقد الستينيات ومنها نشوء حركة الهيبيين أو الخنافيس واستهلاك المخدرات..

  كوابيس وأحلام بلون السواد

وجاءت رواية “الغذاء العاري” لوليام بورووز (1959)، ونشرت في فرنسا وليس في أمريكا، وكانت ضربة معلم، وفتحت الباب بمصراعيه أمام التيار ليشكل جزءا من الأدب الأمريكي المعاصر. وتم منع الرواية أيضا لفترة طويلة قبل أن يسمح لها بالنشر والتداول. ويعتبر هذا الغذاء أو الوليمة وليمة النزول إلى جحيم المخدرات، (المورفين، والهيروين، والكوكايين، والأفيون…) وحضرت في الرواية الكوابيس، والأوهام الشعرية، والإثارة الجنسية.. بحثا عن الخلاص في العالم غير الواقعي.. كتبت الرواية في طنجة  تحت تأثير كل أصناف المخدرات.. وبذلك اكتمل بيان هذا التيار الأدبي، الذي كان يحفر في الأرض للبحث عن نجوم تهدي التائهين على وجه هذه الأرض لعلهم يجدون  ما يستحق أن يعيشوا من أجله، و من أجل البحث عنه: الحرية أولا، ورفض نمط العيش في علب المؤسسات. التي ترى إلا مستقلة، وتفرض  الاحترام  والخضوع ، فتنسى ذاتك، وتنميتها، والوجود ومباهجه، والتخلص من الاستلاب، ووعي الذات لصاحبها. فالعودة إلى الذات عودة للوعي و احتماء ضد كل ما يهدد كينونة الإنسان، وثورة ضد الكوارث التي يصنعها الساسة (قنبلة هيروشيما وناگازاكي و الماكارثية ومطاردة السحرة وحرب فيتنام..)

غني عن البيان أن طنجة أسهمت في ولادة هذا التيار، وانتشاره،حيث قضى كل أعلامه فترات من العمر فيها، وسافر بعضهم عبر مروج المغرب. واعترفوا جميعا بأثر المغرب في كتاباتهم، و تخيلاتهم.

وظل أعضاء التيار يقولون إن بول بولز الطنجي هو مبدع هذا التيار، وهو من يمثل رأسه. فكتاباته عن المغرب، وفي المغرب، أعطت نكهة خاصة للكتابة. وفتحت أفقا آخر، ونوافذ أخرى دخل منها هواء نقي لا يعنى بما يعتمل داخل المجتمع الأمريكي من صراعات تهم الوجود، والهوية، واللون.. والاستلاب، والمكننة وما فعلاه بالإنسان من شل وعيه، وتحييد إرادته، وتوجيهه بقوته هو نفسه نحو خرابه –كما تفعل الريح بالسفن أحيانا.. ولذلك ما سلم واحد من زيارة طنجة مرة او مرات أو الإقامة فيها شهورا وسنوات.. وما اكتفت بسحر من أقام فيها، بل ألهمته.

 جيل البيت والشعر

 ولعل احتفاء طنجة بجيل البيت، و الهايكو (الذي أبدعه بعض شعراء البيت)، وفتح ذراعيها لاستقبال أريج التاريخ، وإحياء صلة الدم، والتفرس في الأفق وقراءة بعض تفاصيله يحرض على خوض مغامرة الكتابة، من جديد، نحو آفاق أخرى؟

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *