الطريق الوعر لمقدونيا الشمالية نحو الاتحاد الأوروبي

الطريق الوعر لمقدونيا الشمالية نحو الاتحاد الأوروبي

خالد العزي

بات واضحا بان سكوبي عاصمة مقدونيا الشمالية تقدم تنازلات مؤلمة لعضوية الاتحاد الأوروبي، بعد ان انتظرت 17 عاما كدولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، حيث ستبدأ مفاوضات الانضمام الأسبوع المقبل. وكان عليها القبول بالصيغة الفرنسية لحل النزاع مع صوفيا، مما يسمح برفع الحظر عن حق النقض البلغاري. وهذا ما يعد تنازلا رئيسيا آخرا على الطريق الشاق للتكامل الأوروبي  ـــ الأطلسي، إلى جانب حل نزاع دام عقودا مع اليونان قبل ثلاث سنوات، عندما وافق المقدونيون على تغيير اسم بلادهم إلى مقدونيا الشمالية.

تقدم سكوبي السريع في الاتحاد الأوروبي ليس مضمونا. بالرغم من تبني البرلمان المقدوني الصيغة الفرنسية لحل الخلاف مع بلغاريا، بعد مناظرة مريرة استمرت ثلاثة أيام رافقها احتجاجات حاشدة للمعارضة. علما إنه على مدار العامين الماضيين، أعاقت صوفيا بدء المفاوضات حول انضمام مقدونيا الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي، وطلبت منها تغيير التشريعات المتعلقة بحقوق الأقلية البلغارية واستخدام اللغة البلغارية. وقد تضمن الاقتراح الفرنسي إدراج بند في القوانين المقدونية بشأن وجود أقلية قومية بلغارية في البلاد، بالإضافة إلى الاعتراف بأن اللغة المقدونية لها جذور بلغارية. في نهاية الشهر السادس من هذا العام، وافق البرلمان البلغاري على الصيغة الفرنسية وسمح للحكومة برفع حق النقض ضد سكوبي. عندها  أيد رئيس مقدونيا الشمالية ستيفو بنداروفسكي والحكومة الاقتراح الفرنسي، لكن المعارضة عارضته بشدة بقيادة حزب VMRO-DPMNE القومي المعتدل، الذي اتهم السلطات بالتنازل عن المصالح الوطنية.

كما انضمت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى النزاعات في برلمان مقدونيا الشمالية حيث خاطبت بالنواب المقدونيين، وحثتهم على الموافقة على اقتراح حل وسط من فرنسا. وصوت جميع أعضاء البرلمان البالغ عددهم 68 برلمانيا من أغلبية الحكومة (يوجد 120 نائبا في البرلمان)، لصالح اعتماد الصيغة الفرنسية، وغادرت المعارضة البرلمان عشية التصويت. وهكذا، فُتح الطريق أمام بدء المفاوضات بشأن انضمام مقدونيا الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي.

بدأت المفاوضات في 19 تموز الحالي في مؤتمر حكومي دولي في بروكسل. حيث أعلن رئيس وزراء مقدونيا الشمالية ديميتار كوفاتشيفسكي، الذي يمثل البلاد في المؤتمر، أنه سيلقي خطابه في الاتحاد الأوروبي باللغة المقدونية، وأن حقوق اللغة المقدونية مضمونة، ولن تكون هناك مفاوضات بشأن الجنسية (المقدونيين).

لقي قرار البرلمان المقدوني، ترحيبا حارا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كونه يفتح الطريق أمام البلاد أمام الاتحاد الأوروبي، وغردت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقول لقد كانت فرصة تاريخية، وقد استغليتموها. ولكن اعترفت مصادر دبلوماسية أوروبية، ترقية سكوبي السريعة إلى الاتحاد الأوروبي ليست مضمونة بأي حال من الأحوال. على الرغم من أن طريق أي بلد آخر إلى التكامل الأوروبي الأطلسي لم يكن صعبا مثل مسار مقدونيا الشمالية، ولم يضطر أي بلد آخر إلى تقديم مثل هذه التنازلات المهمة من أجل القيام بذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه ،كيف أعادت أوكرانيا الاتحاد الأوروبي بقوة إلى البلقان:

اتفقت سكوبي مع أثينا على حل نزاع تاريخي طويل الأمد مع اليونان في عام 2019، ثم وافق المقدونيون على تغيير اسم بلادهم إلى مقدونيا الشمالية. وقد فتح هذا الطريق أمامهم لحلف شمال الأطلسي، حيث انضمت مقدونيا الشمالية بعد عام، لكنه لم يفتح الطريق إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من أن سكوبي حصلت على وضع المرشح مرة أخرى في عام 2005. في البداية، عارضت فرنسا بدء المفاوضات مع المقدونيين، وطالبت الاتحاد الأوروبي بتطوير نهج جديد لمثل هذه المفاوضات. وعندما تم إعداد القواعد الجديدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تذكرت بلغاريا “التعدي على حقوق الأقلية البلغارية”، مما أعاق بدء المفاوضات مع سكوبي.

بعد إزالة كل هذه العقبات، تظل الحواجز أمام طريق مقدونيا الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي قائمة. ولا يقتصر الأمر على أن سكوبي يتعين عليها الاتفاق على مواقف مع الاتحاد الأوروبي بشأن 35 منطقة مختلفة، والتي تم تجميعها في ست “مجموعات”، والتي  بلا شك، سيستغرق سنوات.

عضوية الاتحاد الأوروبي هي عضوية صعبة على  الدولة التي تعاني من مشكلات داخلية مع الجيران يتطلب انهائها التنازل عن بعض المطالب لصالح الانضمام للاتحاد، الذي يتطلب إصلاحات قانونية واقتصادية وحل النزاعات الخارجية والحدودية والدبلوماسية مع أعضاء الاتحاد او الجيران ولأن الشرط الاساسي للاتحاد بانه لا يريد تحمل مشكلات الدول الطامحة للحصول على العضوية بصيغتها الحالية وقد يكون المثال على هذا الطرح أوكرانيا وجورجيا اللتان منحتا حق العضوية، ولا يزال أمامهما فترة طويلة للحصول على العضوية  ومثال آخر هو مشكلة مقدونيا الشمالية الخارجية التي تعمل الدولة على تسويتها والداخلية، والتي لا تزال غير واضحة المعالم ويمكن السير بها وفقا للصيغة الفرنسية لحل النزاع بين سكوبي وصوفيا، ويتعين على مقدونيا الشمالية إدخال بند بشأن الأقلية القومية البلغارية في الدستور. وهذا يتطلب أغلبية مؤهلة في البرلمان 80 من أصل 120 نائبا.

وأكد كريستيان ميتسكوفسكي، رئيس حزب VMRO-DPMNE المعارض، أن حزبه “لن يدعم أبدا إدراج البلغار في الدستور” وأن 44 من نوابه قد كتبوا بالفعل البيانات المقابلة، بعد أن صدقوا عليها من قبل كاتب عدل.

قد تنشأ مشكلات سكوبي أيضا من الجانب البلغاري. وهناك، في نهاية الشهر السادس، تم تمرير تصويت بحجب الثقة عن حكومة كيريل بيتكوف، التي أيدت الاقتراح الفرنسي لحل النزاع مع مقدونيا الشمالية، والآن يجب تشكيل حكومة جديدة في بلغاريا، أو في انتظار انتخابات برلمانية مبكرة. ويمكن للحكومة البلغارية الجديدة، إعادة طرح الأسئلة على الجيران. لذا فإن طريق مقدونيا الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي سيظل بالتأكيد وعرا.

 

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني