هل وصل العالم إلى الشفير النووي؟

هل وصل العالم إلى  الشفير النووي؟

أحمد مراد

بعد مناظر الفيلم الكارثي النووي الذي عرضته أميركا أمام العالم على شاشتي هيروشيما وناكازاكي في العام 1945، بُنيت أنفاق وشُيدت ملاجىء محصنة في دول العالم “المتقدمة”، تحسباً لفيلم نووي ثانٍ. ولكن مع استقرار أسس ثابتة ومستقرة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بدا وكأن العالم دخل موسم ربيعه، وسُمح للحروب أن تخاض إنما فقط على الصعيد الموضعي المحلي، واتخذت خطوات جدية لمنع نشوب حرب عالمية ثالثة، فأقيمت المناطق الإقليمية الخالية من الأسلحة النووية لتعزيز المعايير الدولية لعدم انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح، ودُعمت الجهود الدولية لتحقيق السلام والأمن، ووُضعت المعاهدات المتعددة الأطراف بغرض منع انتشار الأسلحة النووية من أجل تعزيز التقدم صوب نزع السلاح النووي. ومن هذه المعاهدات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية في الجو وفي الفضاء الخارجي وتحت سطح الماء المعروفة بمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، وكذلك معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي وقعت في العام 1996.

وبالرغم من أنه لا يزال هناك 000 22 من هذه الأسلحة في العالم اليوم، وأنه أجري حتى اليوم ما يزيد على 000 2 تجربة نووية، فقد نسي العالم – أو تناسى – صورة الحرب النووية وويلاتها طوال أكثر من سبعة عقود، وكادت كتب التاريخ المدرسية تتجاهل الكارثة اليابانية.. فما الذي أيقظ فجأة الذكرى السوداء، وهل تطرح الحرب الروسية على أوكرانيا – مع تداعياتها التي بدأت تتفشى في أراضي اوروبا – أو انسداد محادثات فيينا الآميركية الايرانية أحتمالات جدية واقعية لظهور الفطر المخيف للتقاصف النووي فوق الكرة الأرضية؟ أم هل يظل استخدام السلاح النووي من المحرمات؟

هل يبقى استخدام الأسلحة النووية من المحرمات؟

الحرب الروسية الأوكرانية

في يونيو 1991، أعلن ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفياتي، أن “مخاطر اندلاع حرب نووية عالمية اختفت من الناحية العملية”.

لكن اليوم، بعد مرور أكثر من 30 سنة على الإعلان، عاد النووي إلى الواجهة وتجددت المخاوف من اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة وروسيا، نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا والتهديدات النووية المقلقة التي يطلقها المسؤولون الروس. لقد اقترب العالم اليوم من استخدام الأسلحة النووية، وانهارت تقريباً معظم اتفاقيات الحد من التسلح، وبدأت الدول المسلّحة نووياً تشارك مجدداً في سباقات تسلّح مكلفة. فهل ذهب الربيع وبدأ موسم العيش في زمن ضبط النفس في عصر الفائض النووي؟ أم هل يعتبر القادة الروس أن الأسلحة النووية ما زالت جزءاً من المحرمات؟ أوهل سيستعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السلاح النووي في حربه على أوكرانيا؟

من الواضح أن بوتين يريد أن يقنع العالم، لا سيما الولايات المتحدة، بأنه مستعد لهذا الخيار أملاً بردع (الناتو) عن التحرك بأكثر من دعم اوكرانيا بكميات الأسلحة الهائلة.

أميركا “طنشت” عن الرد بذات المستوى، وبالرغم من أن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن لمح بقوة في 25 نيسان/أبريل الماضي إلى أحتمال “تغيير الأهداف المعلنة والانتقال من تقديم المساعدة لمنع هزيمة أوكرانيا إلى إضعاف روسيا”، ما قد يدفع إلى توقع احتمال انجرار الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى حرب واسعة وأكثر خطورة مع ما في ذلك من مجازفة بالتصعيد وصولاً إلى المواجهة النووية.

إن ما يعزز هذا الاحتمال المخيف كامن بمعرفة صانعي القرار الفعليين في الولايات المتحدة دقائق مسيرة بوتين والوصول إلى السلطة. فقد تسلل رئيس الـ KGB السابق لتسلّم موقع رئاسة الوزراء في روسيا في العام 1999، وأشرف على الحرب الروسية الوحشية الثانية في الشيشان. ومنذ ذلك الحين، أثبتت روسيا في عهده استعدادها لانتهاك أهم المعايير الدولية، بما في ذلك المعايير التي تعارض غزو الأراضي (اجتاحت شبه جزيرة القرم وأوكرانيا).

لقد تجاهلت روسيا بوتين قواعد الحرب، ونشر الجيش الروسي مظاهر الدمار والوحشية ضد المدنيين في الشيشان، وسورية، وأخيراً في أوكرانيا حيث لم يتورع عن قصف أكبر محطة أوروبية للطاقة النووية في “زابوريزهزهيا” وإضرام النار في المنشأة مع المجازفة بإمكانية حدوث كوارث نووية. ولا شك في أن الأميركيين مقتنعون بأن بوتين قد يلجأ إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي (قنبلة منخفضة القوة مُصمّمة للاستخدام في ساحة المعركة) بسبب إحباطه من استمرار سوء الأداء العسكري الروسي في اوكرانيا.

إيران تحيي مشروع صنع القنبلة النووية

الاثنين في 1-8-2022، نقلت جريدة “الجريدة” الكويتية عن مصدر مطلع في منظمة الطاقة الذرية الإيرانية عن توجه طهران لإحياء مشروع لتصنيع رأس نووي إذا تعرّضت المنشآت الحكومية لأي هجوم، موضحاً أن مشروع (عماد) الخاص بهذا الشأن كان موجوداً، لكن العمل توقف به منذ العام 2005، وأنه بعد التهديدات الإسرائيلية بدأ الحرس الثوري بالضغط لتسليمه نسخة من الخطط والوثائق المعدة له.

ووفق المصدر، فإن المشروع يتضمن تجميعاً لوثائق ودراسات وخطط عن كيفية تصنيع القنبلة النووية ورأس للصواريخ حصلت إيران عليها سابقاً من باكستان وأوكرانيا وكوريا الشمالية وروسيا والصين بالإضافة إلى ليبيا، مبيناً أنه بعد اتفاقية سعد آباد العام 2005 مع الترويكا الأوروبية أوقفت إيران العمل بها، ولكن بعد فشل الاتفاقية أثار الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد العمل بهذه الخطة، لكن منظمة الطاقة الذرية قاومت ذلك.

وأضاف أنه بعد الاتفاق النووي العام 2015 أُقفل هذا الملف بشكل كامل، ووضعت كل وثائقه وتحقيقاته في مخازن آمنة، ووقف العمل بهذا المشروع بقرار من المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس السابق حسن روحاني.

وتابع أنه بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، طلب “الحرس” من “الطاقة الذرية” تسليمه نسخة عن هذه الملفات، ورفضت المنظمة ذلك وربطت موافقتها بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة الرئيس إبراهيم رئيسي والمرشد، على أساس أنه أخذ شخصياً قراراً بغلقه.

وأوضح أنه بعد التهديدات الأخيرة من إسرائيل والتقارير الاستخباراتية عن نيتها شن عملية عسكرية ضد المنشآت الحيوية لا النووية فقط، فإن بعض قادة الحرس الثوري قدموا طلباً للمرشد لتسلّم هذه الملفات لإجراء الدراسات على كيفية تصنيع رأس نووي يمكن تركيبه على الصواريخ، وتعهدوا بعدم تصنيع الرأس، والاكتفاء بإجراء الدراسات، ولكن إلى لحظة كتابة هذا الخبر فإن المرشد لم يقبل أو يرفض.

وأشار إلى أن “الحرس” حصل، منذ بضعة أيام، على موافقة شفهية من الرئيس رئيسي، بصفته رئيس مجلس الأمن القومي، على تسليم وثائق مشروع (عماد) شرط أن يتم تنفيذه إذا واجهت إيران أي هجوم ضد منشآتها النووية أو الحيوية فقط، وليس قبل ذلك.

فيينا أو .. النووي؟

هل تأكد فشل المحادثات في فيينا مع محاولات إحيائها في الدوحة؟ وما هي أسوأ سينارهات ممكنة – في حال الفشل –؟

وهل سيصدق التوقع الاسرائيلي بأن ايران تقف على مبعدة عدة أسابيع فقط لامتلاك قنبلتها النووية؟

تتزايد في أميركا الأصوات التي تنادي بأن الوقت حان لاتخاذ مقاربة أكثر صرامة تجاه طهران وبرنامجها النووي بدلاً من متابعة المساعي الدبلوماسية التي تبدو عقيمة وطويلة الأمد، من أبرز نقاطها:

1- تكثيف العقوبات على إيران الخروج نهائياً من مسيرة تساهل الإدارة الأميركية في تنفيذ العقوبات والمراهنة على “استمالة” طهران وإعادتها إلى الاتفاق النووي.

2 – التعاون مع أوروبا لفرض عقوبات الأمم المتحدة، وذلك لأن بريطانيا وفرنسا وألمانيا جزء من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 أيضاً، وتستطيع هذه الدول أن تعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة متعددة الأطراف على إيران تلقائياً بموجب “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وعزل إيران سياسياً واقتصادياً.

3 – تطوير قدرات الخليج العسكرية، عبر حشد القدرات الكافية في المنطقة لردع أي تحركات إيرانية عدائية.

4 – دعم الحلفاء والشركاء الإقليميين.

توسيع نطاق “اتفاقيات إبراهام” عبر دعم إدارة بايدن بقوة توسيع اتفاقيات العام 2020 كي تشمل المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى تُهددها إيران، “ما يُمهّد لتكثيف التعاون الأمني بين إسرائيل والعرب ضد طهران”.

بانتظار تقدم أو تراجع هذا أو ذاك من الاحتمالات، يقف الجسد العربي المترهل متثاقلاً كواحة شبه ناضبة تتذكر أياماً كانت فيها.. مخضوضرة! 

Visited 2 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

أحمد مراد

صحفي وكاتب لبناني